لم تعد منصة "روبلوكس" (Roblox) مجرد ساحة لترفيه عابر، بل تحولت إلى "ميتافيرس" مواز يستقطب يوميا أكثر من 70 مليون مستخدم. ومع هذا التوسع المذهل، تصاعدت حدة الجدل العالمي حول كينونة هذه المنصة، لتقفز من خانة الألعاب إلى أروقة صناع القرار الأمني والتربوي، وصولا إلى قرارات الحظر والتقييد التي اتخذتها دول عدة، كان آخرها مصر، لحماية لنسيجها المجتمعي وأمن أطفالها الرقمي.
تعرف "روبلوكس" بأنها منصة رقمية عالمية هجينة، تمزج بذكاء بين محركات التصميم الهندسي وشبكات التواصل الاجتماعي، وهي لا تقدم محتوى معلبا، بل تمنح مستخدميها، وغالبيتهم من اليافعين، ترسانة أدوات برمجية بلغة "لوا" (Lua) لابتكار عوالمهم الخاصة.
وتعتمد المنصة في جوهرها على اقتصاد المعرفة التشاركي، حيث يتحول الطفل من مستهلك سلبي إلى مطور ومبدع، إلا أن هذه الفلسفة الانفتاحية جعلتها فضاء شاسعا يعاني من فجوات رقابية حادة، إذ يصعب إخضاع ملايين التجارب التي تضخ يوميا لفلترة بشرية دقيقة.
هذا الأمر يجعلها بيئة خصبة لتسلل محتويات مشبوهة تتجاوز خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وتضع القاصرين في مواجهة مباشرة مع استدراج رقمي عابر للحدود واقتصاد افتراضي قائم على عملة "روبوكس" (Robux) التي تحاكي في بعض جوانبها آليات القمار السلوكي.
خلف الألوان الزاهية والشخصيات البسيطة، تكمن تحديات أمنية معقدة يمكن رصدها في ثلاث زوايا حرجة:
لم يكن قرار الحظر قبل أيام في مصر، وسبقتها إلى ذلك قطر والعراق وعُمان والجزائر وفلسطين وتركيا وروسيا والصين، مجرد رد فعل عاطفي، بل كان ضرورة تمليها تحديات "السيادة الرقمية". فغياب المكاتب الإقليمية لشركة "روبلوكس" يعيق التنسيق القانوني في الجرائم المعلوماتية، فضلا عن أن المنصة باتت تروج لأنماط سلوكية تصطدم بشكل حاد مع القيم الثقافية والتربوية المحلية.
إضافة لذلك، فإن المواجهة في عصر السيولة الرقمية لا يمكن أن تكتفي بقرار المنع التقني، بل تتطلب استراتيجية مزدوجة، كتفعيل الرقابة الذكية من خلال ربط حسابات الأبناء بالوالدين وتفعيل ميزات التحقق من العمر عبر القياسات الحيوية، وضبط فلاتر المحتوى حسب الفئة العمرية.
كما يجب أن يكون هناك حوار تحصيني من الأهل، لأنه هو خط الدفاع الأمتن، حيث يجب توعية الطفل بأن الفضاء الرقمي ليس آمنا بالضرورة، وأن الغريب خلف الشاشة يظل غريبا مهما بلغت درجة التفاعل معه.
وحسب قول الأخصائيين، فإن "روبلوكس" تمثل نموذجا حيا لصراع التكنولوجيا مع الأخلاق، ورغم أنها منجم للإبداع التقني، لكنها تظل محفوفة بالمخاطر التي قد تبتلع براءة الأطفال. وإن قرارات التقييد الرسمية هي في جوهرها دعوة لإعادة صياغة العقد بين الشركات التقنية الكبرى والمجتمعات، لضمان أن يكون الابتكار وسيلة للبناء، لا معولا للهدم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة