أعاد الدور الذي يؤديه النجم الإنجليزي هاري كين ضمن منظومة المدرب البلجيكي فينسنت كومباني مع بايرن ميونخ، طرح مفهوم "المهاجم العصري" مجددا في النقاشات والتحليلات التكتيكية المرتبطة بكرة القدم الحديثة، ولا سيما ما يتعلق بأهمية التحرك من دون كرة، بوصفه أحد أبرز مفاتيح تفكيك المنظومات الدفاعية المحكمة.
فالهدف الرابع الذي سجله الفريق البافاري في ذهاب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا في باريس، قدّم نموذجا تكتيكيا متكاملا لهذا النوع من التحركات. إذ بدأ المشهد بهبوط هاري كين، رأس الحربة التقليدي، إلى وسط الملعب من أجل طلب الكرة والمشاركة في صناعة اللعب، قبل أن يمرر كرة عمودية في العمق خلف المدافع البرازيلي ماركينيوس باتجاه الجناح الكولومبي لويس دياز.
وفي تلك اللحظة تحوّل دياز من جناح إلى مهاجم صريح يهاجم المساحة خلف خط الدفاع، بينما تحوّل كين إلى صانع ألعاب مؤقت. لقطة تختصر بوضوح فكرة "اللامركزية" في كرة القدم الحديثة، حيث لم تعد الأدوار ثابتة أو مرتبطة بالمراكز التقليدية، بل أصبحت قائمة على الحركة المستمرة وتبادل الوظائف داخل الملعب.
وتتكرر هذه الأنماط التكتيكية مع أسماء عديدة في كرة القدم الأوروبية الحديثة، إذ يقدم جود بيلنغهام مع ريال مدريد، وفيرمين لوبيز مع برشلونة، نفسيهما بوصفهما من أفضل اللاعبين في التحرك من دون كرة داخل منظومتي فريقيهما.
ويُعد الهدف الذي سجله فيرمين في مرمى نيوكاسل يونايتد في إياب ثمن نهائي دوري الأبطال، مثالا واضحا على قيمة هذا النوع من التحركات في صناعة الفارق الهجومي.
يقصد بالتحرك من دون كرة أن يقوم لاعب ما، أثناء استحواذ فريقه على الكرة، بالتحرك نحو مساحة فارغة أو إلى موقع مختلف عن مركزه الأصلي، بهدف خلق حل إضافي في البناء أو المساندة أو الاختراق.
هنا نكون أمام حالتين متزامنتين من التحرك من دون كرة: الأولى نزول الجناح إلى الوسط ليصبح لاعبا حرا يسهم في الربط وصناعة اللعب، والثانية تقدم الظهير من الخلف إلى الأمام لشغل المساحة الهجومية.
هذا التبادل المستمر في المواقع هو ما يمنح الفرق الحديثة مرونتها الهجومية، ويجعل عملية الرقابة أكثر تعقيدا بالنسبة للمنافس.
في نهاية هذا المفهوم، يجدر التمييز بين مسارين تكتيكيين كثيراً ما يُخلط بينهما في التحليل الحديث، وهما "اللاعب الحر" و"مبدأ اللعب من خلال الرجل الثالث"، رغم أن كليهما يقوم على الحركة والمرونة، إلا أن الفارق بينهما يكمن في طبيعة التنظيم ودور اللاعب داخل التسلسل الهجومي.
فاللعب الحر يُقصد به منح اللاعب مساحة واسعة من الحرية في التحرك داخل الملعب دون التزام صارم بمركز ثابت أو وظيفة محددة بشكل لحظي، بحيث تتغير أدواره وفق مجريات اللعب وقراءته الشخصية للمساحات.
هذا النوع من اللعب يرتبط عادة باللاعبين أصحاب الجودة الفنية العالية والقدرة على اتخاذ القرار السريع، حيث تصبح الحركة من دون كرة جزءاً من إبداع فردي غير مقيد بقالب تكتيكي صارم.
أما مبدأ الرجل الثالث، فهو عكس ذلك من حيث البنية، إذ يقوم على تسلسل جماعي منظم يهدف إلى إيصال الكرة إلى لاعب لا يكون هو المستلم المباشر للتمريرة الأولى أو الثانية، بل "الطرف الثالث" في سلسلة التمرير.
في هذا النموذج، تُستخدم الحركة من دون كرة بشكل محسوب لخلق لاعب غير مراقب في مساحة مفتوحة، بحيث تُبنى الهجمة على تمريرتين أو أكثر تنتهي بتموضع لاعب في وضعية تفوق عددي أو مكاني تسمح بكسر الخطوط الدفاعية.
وبالتالي، فإن التحرك من دون كرة يشكل القاعدة المشتركة بين النموذجين، لكنه في اللعب الحر يتجسد كأداة فردية مرنة، بينما في مبدأ الرجل الثالث يتحول إلى عنصر ضمن منظومة جماعية دقيقة تُدار بهدف خلق أفضلية منظمة داخل الثلث الهجومي.
شهدت كرة القدم الحديثة تطورا كبيرا في نماذج التحرك من دون كرة، ويرتبط ذلك مباشرة بالتطور التكتيكي الهائل الذي عرفته اللعبة، حيث لم تعد الفرق تدافع بشكل فردي، بل من خلال منظومات دفاعية جماعية متكاملة تقلص المساحات وتغلق قنوات التمرير.
كما أن التطور البدني للاعبين أصبح عاملا حاسما، إذ باتت الفرق قادرة على تصحيح أخطائها التكتيكية بسرعة عبر التغطية والمساندة والضغط العكسي واستعادة التمركز.
ومن أبرز النماذج التي يوكل لها هذا الدور:
ويبرز هنا تحديدا لاعب "بوكس تو بوكس" (Box-to-box)، أي لاعب الوسط القادر على تغطية الملعب من منطقة جزاء فريقه إلى منطقة جزاء المنافس، فيتحول بين الأدوار الدفاعية والهجومية بصورة مستمرة.
وفي كثير من الحالات لا يُطلب من هذا اللاعب المشاركة في سلسلة التمريرات القصيرة فقط، بل التحرك نحو المساحات الشاغرة داخل دفاع المنافس، ليصبح خيارا إضافيا لإنهاء الهجمة أو تطويرها، أو حتى لتنفيذ "التمريرة قبل الأخيرة" التي تفتح الطريق نحو التسجيل.
ويتجلى هذا الدور بوضوح في تحركات مارتين زوبيميندي وديكلان رايس مع أرسنال، وكذلك فرينكي دي يونغ إلى جانب داني أولمو وفيرمين لوبيز مع برشلونة، إضافة إلى بيلنغهام وفيديريكو فالفيردي مع ريال مدريد، وفابيان رويز وجواو نيفيز مع باريس سان جيرمان، فضلا عن برناردو سيلفا مع مانشستر سيتي وكيسي مع الأهلي السعودي.
أصبحت الأظهرة الحديثة من أكثر المراكز ارتباطا بالتحرك من دون كرة، سواء عبر الدخول إلى العمق الهجومي أو عبر شغل مساحة الجناح.
فأحيانا نرى الظهير يتمركز داخل منطقة الجزاء أو بين خطوط المنافس، كما فعل ريكاردو كالافيوري ضد أتلتيكو مدريد، أو كما يفعل أحيانا فران غارسيا مع ريال مدريد، وجول كوندي مع برشلونة.
وفي أحيان أخرى يتحول الظهير إلى جناح كامل، يتحرك خلف ظهير المنافس لاستغلال المساحات، مثل الانطلاقة الشهيرة لأشرف حكيمي في الهدف الرابع ضد بايرن ميونخ.
كما قدّم المدرب الإسباني بيب غوارديولا نموذجا استثنائيا قبل سنوات، عندما بدأ بإدخال الأظهرة إلى وسط الملعب خلال عملية البناء من الخلف، كما حدث مع كايل ووكر وجواو كانسيلو ليصبحا جزءا من محور اللعب بدلا من التمركز التقليدي على الخط.
أما التحول الأكبر فقد طال مركز رأس الحربة نفسه، إذ لم يعد المهاجم الحديث مجرد لاعب ينتظر الكرة داخل منطقة الجزاء، بل أصبح عنصرا مشاركا في البناء وصناعة اللعب.
ينزل رأس الحربة إلى وسط الملعب لطلب الكرة والمساهمة في تطوير الهجمة، وخلق زوايا تمرير إضافية، خاصة أمام الفرق التي تعتمد على دفاع المنطقة أو الرقابة اللصيقة.
وهنا تظهر قيمة المهاجم الذكي تكتيكيا؛ إذ يجد نفسه أحيانا لاعبا حرا بلا رقابة مباشرة، لأن خروج أحد قلبي الدفاع لملاحقته قد يؤدي إلى فتح مساحة خطيرة خلف الخط الدفاعي.
ولذلك، فإن هدف لويس دياز بعد تمريرة كين أمام سان جيرمان، وكذلك هدف فيرمين بعد تمريرة ذكية من رافينيا ضد نيوكاسل، يقدمان صورة مثالية عن تأثير تحركات رأس الحربة من دون كرة.
أصبح التحرك من دون كرة أحد أهم الأسلحة التكتيكية في كرة القدم الحديثة، نظرا لما يتيحه من حلول هجومية متنوعة، ويمكن تلخيص تأثيره في أربع نقاط رئيسية:
يسمح نزول المهاجم أو الجناح إلى مناطق بناء اللعب بالتخلص من الرقابة وخلق تفوق عددي في وسط الملعب، ما يمنح حامل الكرة خيارات تمرير إضافية.
كما أن تقدم لاعب من الخلف نحو العمق الهجومي يمنح الفريق زيادة عددية داخل منطقة الجزاء أو على حدودها، وهو ما يرفع احتمالات إنهاء الهجمة بنجاح.
أمام الفرق التي تعتمد على الدفاع المتوسط أو المنخفض، وتتمركز عبر خطوط متقاربة تقلص المساحات، يصبح التحرك من دون كرة وسيلة أساسية لكسر التنظيم الدفاعي.
فالتحركات الذكية بين الخطوط، والركض نحو أنصاف المساحات، وتبادل المراكز بين المهاجمين، كلها عوامل تساعد على فتح قنوات للتمرير العمودي المباشر.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، لقطة هدف أرسنال ضد أتلتيكو مدريد، عندما تحرك فيكتور غيوكيرس بين قلب الدفاع والظهير الأيسر روجيري، ما منح غابرييل ماغالهايس فرصة لعب تمريرة عمودية كسرت ثلاثة خطوط دفعة واحدة داخل منظومة المدرب الأرجنتيني دييغو سيميوني.
يؤدي نزول المهاجم أو تحرك الجناح نحو العمق إلى إرباك واضح في منظومة دفاع المنطقة.
فإذا قرر قلب الدفاع ملاحقة المهاجم إلى وسط الملعب، فإنه يترك خلفه مساحة قد يستغلها لاعب قادم من الخلف. وإذا بقي في موقعه، فإن المهاجم سيحصل على حرية في استلام الكرة وصناعة اللعب.
الأمر ذاته ينطبق على تحركات الأجنحة التي تسحب الأظهرة بعيدا عن مواقعها، ما يخلق ارتباكا في توزيع المسؤوليات الدفاعية.
والفرق التي تفتقر إلى الانضباط التكتيكي أو التواصل الجيد بين خطوطها، غالبا ما تتحول هذه التحركات بالنسبة لها إلى مصدر دائم للفوضى والانكشاف.
تمثل المباغتة أحد أهم عناصر النجاح الهجومي في كرة القدم الحديثة، والتحرك من دون كرة يعد من أبرز وسائل تحقيقها.
فاللاعب القادم من الخلف، أو المهاجم الذي يغير مركزه بشكل مفاجئ، يربك المدافعين ويمنح فريقه أفضلية زمنية ومساحية قد تكون كافية لحسم اللقطة.
ولهذا تعتمد كثير من الفرق الكبرى على التحركات المفاجئة للأظهرة ولاعبي الوسط والمهاجمين، ليس فقط لخلق الفرص، بل أيضا لضرب التوازن الدفاعي للمنافس في اللحظة الحاسمة.
في العادة يخصص المدربون أدوارا محددة لبعض اللاعبين للقيام بالتحرك من دون كرة، خاصة لاعبي الوسط والأطراف الذين يملكون القدرة الذهنية والبدنية على تنفيذ هذه الأدوار طوال المباراة.
ولكي ينجح هذا الأسلوب، لا بد أن تتوفر مجموعة من العناصر الأساسية، أبرزها:
فالفرق المنظمة دفاعيا والقادرة على إغلاق المساحات، هي التي تدفع خصومها عادة إلى البحث عن حلول مرتبطة بالتحرك من دون كرة. أما أمام الفرق الضعيفة دفاعيا، فقد لا يحتاج الفريق إلى هذا الكم من التعقيد التكتيكي، إذ يمكن اختراقها بوسائل هجومية أكثر مباشرة وبساطة.
في المحصلة، يكشف التحرك من دون كرة عن التحول العميق الذي أصاب كرة القدم الحديثة، من لعبة تعتمد على تمركز ثابت وأدوار تقليدية، إلى منظومة ديناميكية تقوم على تبادل المواقع وإعادة تعريف الوظائف داخل الملعب بشكل مستمر.
فلم يعد اللاعب يُقاس فقط بما يفعله عند امتلاكه للكرة، بل باتت حركته في المساحات الخالية، وقدرته على التشتيت وفتح الزوايا وخلق التفوق غير المرئي، جزءا أساسيا من قيمة الأداء الجماعي.
ومع تطور النماذج التكتيكية، أصبحت الفرق الكبرى تعتمد على هذا السلوك بوصفه لغة خفية لتنظيم اللعب، سواء عبر المهاجم الذي يتحول إلى صانع لعب، أو الظهير الذي يصبح جناحا إضافيا، أو لاعب الوسط الذي يهاجم المساحات كأنه رأس حربة ثانٍ. وفي هذا السياق، لم يعد الهدف مجرد نهاية للهجمة، بل نتيجة لتتابع حركي معقد يبدأ قبل وصول الكرة إلى صاحبها الأخير.
وهكذا، فإن فهم التحرك من دون كرة لا يضيء فقط على تفاصيل الأهداف الجميلة أو اللقطات الحاسمة، بل يفتح نافذة أوسع على فلسفة كرة القدم الحديثة، حيث يصبح الذكاء الجماعي والحركة غير المرئية هما الفارق الحقيقي بين فريق يهاجم، وفريق يعرف كيف يصنع التفوق قبل أن تصل الكرة إلى قدم اللاعب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة