لم يكن يوهان كرويف مجرد لاعب استثنائي أو مدرب ناجح، بل كان صاحب مشروع فكري متكامل في كرة القدم، مشروع يقوم على الفكرة قبل النتيجة، وعلى التنظيم قبل الفرد.
والراحل كرويف صاحب فلسفة كروية خاصة منها قوله: "لعب كرة القدم أمر بسيط، لكن لعب كرة قدم بسيطة هو أصعب ما فيها".
وهو ما جعله أحد أكثر الشخصيات تأثيرا في تاريخ كرة القدم، ليس فقط بما حققه من ألقاب أو نتائج، بل بما غيّره في طريقة فهم اللعبة ذاتها.
فسجله كلاعب من 3 ألقاب متتالية في كأس أوروبا مع أياكس في سبعينيات القرن العشرين، إلى قيادة هولندا لنهائي كأس العالم 1974، كان كافيا لتخليده. لكن إرثه الحقيقي، والأكثر عمقا واستدامة، تشكل على مقاعد التدريب، حيث قدم مشروعا فكريا متكاملا جعل من التكتيك أداة للفلسفة، لا غاية بحد ذاتها.
قاد كرويف فريقين فقط كمدرب: أياكس (1985–1988) وبرشلونة (1988–1996)، لكنه خلال هذه السنوات القليلة نسبيا أعاد تعريف هوية نادي كامل، بل مدرسة كروية بأكملها.
ففي برشلونة، لم يبن فريقا فائزا فقط، بل أسس ما عرف لاحقا بـ"فريق الأحلام" (Dream Team)، المتوج بـ 4 ألقاب دوري متتالية وكأس أوروبا 1992، والأهم أسلوب اللعب الذي ظل مرجعا للمدربين حتى اليوم.
تكون وعي كرويف التكتيكي في حضن "الكرة الشاملة" تحت قيادة رينوس ميشيلس، المتأثر بدوره بمنتخب المجر في خمسينيات القرن العشرين. لكن كرويف لم يكن مقلدا أمينا، بل مفكرا عمليا.
أعاد صياغة المبادئ القديمة في قالب أكثر تنظيما، يقوم على الاستحواذ الواعي، والحركة دون كرة، وتبادل المراكز، واستغلال كامل مساحة الملعب.
كان يرى أن الكرة ليست غاية، بل وسيلة للسيطرة الذهنية قبل الميدانية. ولخص فلسفته بجملة أصبحت من أشهر اقتباساته: "إذا لم تتحكم بالكرة، فلن تستطيع تمريرها. وإذا لم تمررها جيدًا، فلن تتحكم بالمباراة".
هوس كرويف بالتحكم في الإيقاع قاده إلى بناء كرة قدم قائمة على المثلثات. في تصوره، يجب أن يتوفر لحامل الكرة دائما خياران للتمرير، بغض النظر عن موقعه. ومن هنا، لم تعد الخطط مجرد خطوط مستقيمة، بل شبكات تمرير حية.
هذه الفكرة كانت الأساس النظري لما سيعرف لاحقا بـ"كرة القدم التموضعية"، حيث يصبح التمركز الصحيح أهم من الجري، وتسبق الفكرة القوة البدنية.
يُعتقد أن النسخة الحديثة من خطة 3-4-3 تعود بجذورها إلى إيطاليا، وتحديدًا إلى النظام الدفاعي الصارم 3-5-2. ومع مرور الوقت، سعى المدربون إلى منح فرقهم نزعة هجومية أكبر، فتمت إضافة مهاجم ثالث، لتتحول الخطة إلى شكل أكثر اندفاعًا نحو الأمام مع الحفاظ على ثلاثة مدافعين.
اكتسبت الخطة شهرتها الواسعة مع فريق الأحلام ليوهان كرويف في برشلونة أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات. حيث كانت أوروبا وإسبانيا تحديدا أسيرة 4-4-2 المسطحة. معظم الفرق تهاجم بمهاجمين صريحين وتدافع بكتلة منخفضة.
هنا طرح كرويف سؤاله البسيط والصادم: لماذا ألعب بـ 4 مدافعين ضد فريق يهاجم باثنين؟ من هذا السؤال ولدت تشكيلة 3-4-3 الماسية، لا بوصفها مغامرة هجومية، بل حلا منطقيا لتحقيق التفوق العددي في الوسط مع الحفاظ على 3 مهاجمين.
في تشكيلة 3-4-3 الماسية، لم يكن الدفاع خطًا مستقيمًا، بل بنية مرنة كالتالي:
في الأمام، احتفظ كرويف بجناحين واسعين لتمديد الملعب أفقيًا، ومهاجم حر الحركة، يتراجع حينًا ويتقدم حينًا آخر.
في الثلث الهجومي، قدم كرويف أحد أكثر ابتكاراته تأثيرا: المهاجم الوهمي (False Nine). لم يكن مايكل لاودروب رقم 9 تقليديا، بل لاعب مساحات وقراءة لعب. كان ينسحب من منطقة الجزاء، يسحب المدافعين معه، ويخلق فراغات يستغلها القادمون من الخلف.
هذا المفهوم لم يلغ المهاجم الصريح، بل أعاد تعريفه. فمع روماريو أو ساليناس، ظل كرويف مرنا، بل لجأ أحيانا إلى ثنائي هجومي، مع لاعب حر خلفهما، كما في نهائي ويمبلي 1992.
لم يؤمن كرويف بالدفاع القائم على التكتل أو الالتحام البدني. دفاعه كان امتدادا لفكرته الهجومية. عند فقدان الكرة، يعود لاعب الارتكاز لتتحول 3-4-3 إلى 4-3-3، وعند الاستحواذ، يتمدد الفريق ليخنق الخصم بالكرة.
كان يعترف ضمنيا بأن فريقه قد يضرب بالمرتدات، لكنه كان يرى ذلك ثمنا منطقيا للسيطرة، ويختصر الأمر بجملة واضحة: "إذا لم تفقد الكرة، فلن تتعرض لهجمة مرتدة".
لم يكن الاستحواذ غاية في حد ذاته عند كرويف، بل وسيلة للتقدم. البناء يبدأ من الخلف، بتمريرات قصيرة، لكن دون تردد في اللعب المباشر عند الحاجة، خاصة نحو الأطراف. الأهم كان سرعة تداول الكرة، واللعب بلمسة أو اثنتين لعزل نقاط ضعف الخصم وخلق تفوق عددي في المساحات الصغيرة.
وعند فقدان الكرة، كان الضغط فوريًا وعاليًا، في محاولة لاستعادتها بأسرع وقت ممكن، حتى وإن تطلّب ذلك مجازفة دفاعية.
قد تختفي 3-4-3 من برشلونة بعد رحيل كرويف، لكنها لم تختف من كرة القدم. أعادها أنطونيو كونتي بقالب مختلف، وطورها غاسبيريني بأسلوب هجومي شرس، ويطبقها اليوم مدربون مثل روبن أموريم بثقة مطلقة.
كونتي أكثر من التزم بنظام 3-4-3 (غيتي)لكن الفارق الجوهري أن كرويف لم يستخدم 3-4-3 كـ"رسم تكتيكي"، بل كترجمة عملية لفلسفة كاملة. ولهذا بقي تأثيره حيا، ليس فقط في غوارديولا، بل في كل مدرسة ترى أن كرة القدم فكرة قبل أن تكون مواجهة بدنية.
أعاد كونتي إحياء الخطة مع تشيلسي موسم 2016-2017، محققًا 13 انتصارًا متتاليًا والتتويج بالدوري الإنجليزي، بفضل منظومة 3-4-2-1 المرنة.
حوّل الخطة إلى آلة هجومية عالية المخاطر، تعتمد على ضغط عالٍ وجناحين نشطين، مع قرب الخطوط من بعضها.
غاسبيريني تألق بنظام 3-4-3 خاصة مع أتلانتا (الأوروبية)من أشد المؤمنين بالخطة، ويُطبقها بفلسفة واضحة: "لا خطة بديلة"، مع تحولات مستمرة بين 3-2-5 و5-2-3.
رغم شهرته بـ4-3-3، لجأ أحيانًا إلى 3-4-3 في المباريات الكبرى، وكان لها دور حاسم في الريمونتادا التاريخية أمام باريس سان جيرمان.
لم يكن إرث يوهان كرويف ألقابا أو خططا، بل طريقة تفكير. 3-4-3 لم تكن مغامرة هجومية، بل نتيجة منطقية لرؤية ترى أن السيطرة تأتي من الفهم، وأن التفوق العددي في العقل يسبق التفوق العددي في الملعب. ولهذا، بعد عقود من رحيله، ما زالت كرة القدم الحديثة مهما تغيرت أشكالها تدور في فلك سؤال كرويف الأبدي: كيف نلعب أفضل، لا فقط كيف نفوز؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة