كل ثانية، يعبر جسم الإنسان نحو 100 تريليون نيوترينو، إضافة إلى عشرات أو مئات الجسيمات الأخرى الناتجة عن الأشعة الكونية، من دون أن نشعر بأي منها.
وتكشف هذه الحقيقة أن الإنسان يعيش وسط بيئة كونية تعج بالجسيمات القادمة من الشمس ومن أعماق الفضاء، وأن العلماء يستطيعون تقدير أعدادها من خلال رصد العدد القليل جدا الذي يتفاعل مع أجهزة الكشف.
ويؤكد مرصد آيس كيوب أن نحو 100 تريليون نيوترينو يمر بجسم الإنسان كل ثانية، بينما تصل جسيمات أخرى مثل الميونات إلى سطح الأرض بعد تفاعلات الأشعة الكونية مع الغلاف الجوي.
وليس هذا اكتشافا طارئا، فقد ظل العلماء منذ اكتشاف الأشعة الكونية أوائل القرن العشرين يطورون وسائل لرصد الجسيمات القادمة من الفضاء. ومع بناء مراصد متخصصة، تحولت هذه الجسيمات من ظاهرة غير مرئية إلى أدوات لدراسة الكون.
ويستخدم العلماء اليوم مراصد عملاقة مثل آيس كيوب في القطب الجنوبي للكشف عن النيوترينوات وتحديد طاقتها واتجاهاتها، بينما تساعد أجهزة أخرى في تعقب الميونات والجسيمات الناتجة من اصطدام الأشعة الكونية بالغلاف الجوي.
النيوترينوات هي أكثر الجسيمات التي تمر عبر أجسامنا عددا، وهي جسيمات شديدة الخفة ولا تحمل شحنة كهربائية، ولذلك نادرا ما تتفاعل مع المادة.
تقول لو لو أستاذة الفيزياء المساعدة بجامعة ويسكونسن-ماديسون إن العلماء يقدرون أعداد النيوترينوات من خلال تسجيل النسبة الضئيلة التي تصطدم بالمادة داخل أجهزة الكشف ثم استنتاج العدد الكلي.
وتأتي الغالبية العظمى من النيوترينوات التي تمر بنا من تفاعلات الاندماج النووي في الشمس، لكن بعضها يأتي من مسافات أبعد بكثير، حتى من مجرات أخرى.
وتكمن أهمية هذه الجسيمات في أنها تستطيع عبور مناطق كثيفة لا يستطيع الضوء اختراقها بسهولة، ولذلك يمكنها حمل معلومات مباشرة عن البيئات الكونية العنيفة التي ولدت فيها.
إلى جانب النيوترينوات، تصل إلى الأرض جسيمات الأشعة الكونية، وهي جسيمات عالية الطاقة تأتي في معظمها من خارج النظام الشمسي، ويمكن أن تنشأ في انفجارات النجوم، أو قرب الثقوب السوداء فائقة الكتلة، أو خلال اصطدام المجرات.
وتتكون الأشعة الكونية أساسا من البروتونات وأنوية العناصر الأثقل، مثل الهيليوم والحديد، إضافة إلى نسبة صغيرة من الإلكترونات والبوزيترونات.
لكن الغلاف الجوي يحجب معظم هذه الجسيمات الأصلية، وعندما تصطدم جزيئات الهواء بها تولد مطرا من الجسيمات الثانوية، ومن بينها الميونات، وهي جسيمات سالبة الشحنة تشبه الإلكترونات لكنها أثقل منها بأكثر من 200 مرة.
وعند مستوى سطح البحر، يمر في كل سنتيمتر مربع نحو ميون واحد في الدقيقة، وبالنسبة إلى جسم الإنسان يصل العدد إلى عشرات أو مئات الميونات في الثانية، بينما يمر نحو ميون أو اثنين عبر اليد كل ثانية.
لا يرصد العلماء هذه الجسيمات لأنها تترك إحساسا داخل أجسامنا، بل لأن بعضها يتفاعل مع أجهزة شديدة الحساسية. ويعتمد مرصد آيس كيوب في القطب الجنوبي على نحو كيلومتر مكعب واحد من الجليد، مدفونا فيه آلاف الحساسات الضوئية.
فعندما يصطدم نيوترينو بنواة ذرية داخل الجليد، قد تتولد جسيمات مشحونة سريعة تطلق ومضات زرقاء ضعيفة تعرف بإشعاع تشيرينكوف، فتسجلها الحساسات لتحديد اتجاه الجسيم وطاقة الحدث.
والمفارقة أن العلماء يتوقعون ألا يتفاعل مع ذرات جسم الإنسان سوى نيوترينو واحد تقريبا، وربما بضعة نيوترينوات، طوال عمر الإنسان كله. أما الأشعة الكونية فتسهم بجرعة إشعاعية طبيعية تقدر بنحو 0.4 مللي سيفرت سنويا في المتوسط، من إجمالي يقارب 2.4 مللي سيفرت من جميع مصادر الإشعاع الطبيعي، مع اختلاف الجرعة بحسب الارتفاع وخط العرض والحماية.
لهذه الجسيمات قيمة تتجاوز غرابة مرورها داخل أجسامنا، فالنيوترينوات عالية الطاقة تتيح دراسة أكثر البيئات عنفا واختفاء في الكون، مثل المناطق المحيطة بالثقوب السوداء والانفجارات النجمية ومسرعات الجسيمات الكونية. كما استخدم العلماء الميونات في الكشف عن ممرات مخفية داخل أهرامات الجيزة.
وتقول لو لو إن الجسيمات التي تمر بأجسامنا تذكرنا باستمرار بأننا لسنا منفصلين عن الكون، بل جزء من قصة كونية عمرها 13.8 مليار سنة.
وهنا تكمن قيمة البحث العلمي: فما يبدو للإنسان فراغا وصمتا حوله، هو في الحقيقة عالم نشط يعبر أجسادنا باستمرار، ولا نستطيع اكتشافه إلا بالعلم والأدوات التي صنعها الإنسان لفهم ما لا تستطيع حواسنا رؤيته.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة