آخر الأخبار

إيفو صانع الفيروسات.. النموذج اللغوي الأخطر الذي لا يحدثك عنه أحد

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

الساعة الثالثة فجرا. في قسم الطوارئ بأحد المستشفيات الكبرى، يصل المرضى تباعا بأعراض متشابهة: حمى شديدة، وإنهاك مفاجئ، واضطرابات تنفسية تتفاقم بسرعة. في البداية يظن الأطباء أنهم أمام موجة جديدة من الإنفلونزا، لكن الاختبارات المعتادة تأتي سلبية. تمر ساعات، ثم أيام، وتبدأ المستشفيات في مدن أخرى بالإبلاغ عن الحالات نفسها.

تُرسل العينات إلى المختبرات المركزية، وهناك تظهر المفاجأة. المادة الوراثية التي يعزلها الباحثون تنتمي إلى فيروس لم يسبق تسجيله في أي قاعدة بيانات معروفة. لا تطابق واضحا مع الفيروسات التي يعرفها العلماء، ولا أحد يستطيع في الساعات الأولى تحديد مصدره، أو الحيوان الذي ربما انتقل منه، أو حتى ما إذا كان قد ظهر طبيعيا أصلا، ومع اتساع دائرة العدوى، يبدأ سباق آخر أكثر خطورة من سباق الأطباء مع المرض. أجهزة الاستخبارات تبحث عن مصدر التفشي، والحكومات تغلق الحدود، وتمتلئ شبكات التواصل باتهامات متبادلة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 "عطا الذي في براغ".. كيف صُنِعت أكذوبة الصلة بين صدام حسين والقاعدة؟
* list 2 of 2 نموذج أسترا الخارق.. هل خدع سام ألتمان العالم؟ end of list

ثم يكتشف الباحثون شيئا أكثر إثارة للقلق، لم يحتج مصممو الفيروس إلى سنوات طويلة من التجارب حتى يكتبوا شيفرته الجينية؛ فقد استعانوا بنموذج ذكاء اصطناعي تعلم "لغة الحياة "، بالطريقة نفسها تقريبا التي تتعلم بها روبوتات الدردشة لغة البشر، ثم طُلب منه أن يقترح جينوما لم يكن موجودا من قبل.

مصدر الصورة يتساءل العلماء عن الوباء الجديد، هل يحدث بسبب الذكاء الاصطناعي؟ (غيتي)

للوهلة الأولى، يبدو الأمر وكأننا نشاهد أحد أفلام الخيال العلمي، لكن أسسه باتت حقيقية بالفعل. ففي تجربة علمية مثيرة للجدل، صمم الذكاء الاصطناعي 16 فيروسا جديدا، لم يكن لها وجود في عالم الطبيعة من قبل، وهذه الكائنات الدقيقة تمكنت من التكاثر مختبريا بمعدل أسرع من نظيراتها الطبيعية. مثل هذا الإنجاز العلمي كان قبل سنوات قليلة ضربا من ضروب الخيال، غير أن دراسة جديدة نشرتها مجلة "ساينس " في 6 أغسطس/آب الماضي، استطاع مؤلفوها تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، ليس على اكتشاف الفيروسات الموجودة بالفعل في عالمنا كما تعودنا، بل تجاوزوا ذلك إلى حد ابتكار تصميمات جديدة لم يسبق لها الوجود.

إعلان

صمم الباحثون الجينوم الكامل للفيروسات باستخدام اثنين من نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، يحملان اسم "إيفو 1 " و "إيفو 2 "، وهي نماذج تدربت خلال عملية التعلم العميق على تحليل الشيفرات الجينية بدلا من الكلمات، فكما تتدرب نماذج الذكاء الاصطناعي في روبوتات الدردشة على النصوص المكتوبة للتعرف على اللغة وإتقانها، استخدم العلماء الحيلة نفسها، وقاموا بتزويد "إيفو 1 " و "إيفو 2 " بما أطلقوا عليه لفظ "لغة الحياة ".

هذه اللغة هي في الحقيقة قواعد بيانات ضخمة ضمت شيفرات جينية متنوعة، ملايين الجينومات لمختلف أشكال الحياة، وبهذه الطريقة تعلمت نماذج الذكاء الاصطناعي القواعد الأساسية التي تحدد كيفية تغير الحمض النووي وتطوره في الكائنات الحية، وبعد أن ألمت بالقواعد وكيفية حدوث الطفرات الجينية، طلب منها محاكاة هذه العملية عبر ابتكار جينوم كامل، وهكذا صمم العلماء 16 نوعا من (العاثيات)، وهي فيروسات تستطيع القضاء على أنواع محددة من البكتيريا.

تلك الدراسة مثلت نقطة تحول مفصلية في علاقة الذكاء الاصطناعي والعلوم، لأنها من ناحية تمثل إنجازا غير مسبوق قد يساعد في تطوير وسائل العلاج الجيني، لكن من ناحية أخرى، يثير هذا التطور العديد من المخاوف الأمنية والتساؤلات، لا سيما عما يمكن أن يحدث لو أساءت بعض الجهات استخدام هذه التقنيات في تطوير أسلحة بيولوجية، لم نشهد لها مثيلا من قبل.

"تصميم جينومات فيروسية باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بات واقعا ملموسا "

وهنا تجدر بنا الإشارة إلى أن فيروسات (العاثيات)، نتاج هذه الدراسة، لا قدرة لها على إصابة الحيوانات أو البشر، وأن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يزال أمامه بعض الوقت حتى يصبح قادرا على تصميم مسببات أمراض جديدة، لكن هذا لا ينفي أن القدرة على تصميم جينومات فيروسية باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي باتت واقعا ملموسا، وفي ظل هذا الواقع، لم تتوفر بعد القواعد والضوابط اللازمة لاستخدام هذه الأدوات والتقنيات بطريقة آمنة ومسؤولة.

يعني ذلك أن منظومة الحوكمة لا تزال غائبة عن المشهد، بحسب ما أشار إليه عالم الأوبئة الأمريكي توماس إنجلسباي، مدير مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي، في مقال علمي نشر مصاحبا للدراسة الحديثة، كتبه بالتعاون مع الدكتور موري هانكي من مركز الأمن الصحي بجامعة جونز هوبكنز، قالا فيه إن النتائج الأخيرة التي توصل إليها الباحثون تطرح العديد من الأسئلة الملحة بشأن السلامة البيولوجية والأمن البيولوجي.

هذه الأسئلة على شاكلة: هل علينا أن نشعر بالقلق؟ وما حجم المخاطر التي نواجهها إذا امتلكت هذه التقنيات جهات تفتقر إلى الوازع الأخلاقي؟ لا سيما أن تخليق سلاح بيولوجي لا مثيل له في عالم الطبيعة هو السيناريو الأكثر قتامة لحرب لا تبدأ بضربة عسكرية، وإنما بفيروس "غير معروف " صنعه الذكاء الاصطناعي التوليدي.

هندسة الفيروسات

قبل عامين، استطاع فريق دولي من الباحثين استخدام تقنيات التعلم الآلي في اكتشاف قرابة 162 ألفا من فيروسات الحمض النووي الريبوزي دفعة واحدة (وهي فيروسات تعد من مسببات الأمراض البشرية)، وهم بذلك تخطوا رقما قياسيا في عدد الفيروسات الجديدة التي اكتشفت في دراسة واحدة. وبفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل هذا الكشف إنجازا مهولا، قال عنه الباحثون إنه قد يسهم بصورة كبيرة في تحسين رسم خرائط الحياة على الأرض، واكتشاف ملايين الفيروسات الأخرى التي لم يجرِ تحديدها بعد.

إعلان

يعتقد العلماء أن الأرض بها تريليونات الفيروسات الموجودة في كل مكان، في التربة والماء وجسم الإنسان، وتتدخل هذه الفيروسات في كل عملية حيوية وغير حيوية، ولهذا قام باحثو الدراسة بقيادة علماء من جامعة سيدني الأسترالية، بجمع عينات من البيئات المستهدفة، وصلت إلى 10 آلاف عينة، ومن ثم استخلصت المادة الوراثية من مجموعة متعددة من الكائنات الحية الموجودة في العينة، بما في ذلك البكتيريا والفطريات والفيروسات.

"يعتقد العلماء أن الأرض بها تريليونات الفيروسات الموجودة في كل مكان "

بدأت رحلة الاكتشاف من بيانات الجينات، فقد أصبح لديهم بالفعل قواعد بيانات ضخمة موجودة بشكل مسبق، لكنها كانت متباينة للغاية، إلى درجة أن أحدا لم يستطع التعامل معها، ولهذا استخدم الباحثون خوارزمية التعلم العميق "لوكابروت " لفحص البيانات. وهذه الخوارزمية كانت قد دُرِّبت مسبقا على عدد من العينات، حتى أصبح بإمكانها تمييز الفيروسات عن غيرها من الكائنات الحية، وذلك بناء على التسلسلات الجينية والهياكل البروتينية، التي عادة ما تستخدمها فيروسات الحمض النووي الريبوزي للتكاثر. وبهذه الطريقة تمكن الباحثون من تحليل وفحص العينات في وقت قياسي، أي أن الذكاء الاصطناعي أسهم بشكل كبير في تسريع عملية الفحص.

لكن أن يستخدم الذكاء الاصطناعي في الكشف عن الفيروسات الموجودة بالفعل في عالم الطبيعة شأن، وأن يحثه الباحثون على "هندسة فيروسات جديدة " وتصميمها من الصفر، ومن ثم اختبارها في العالم الحقيقي، لهو شأن آخر. وهذا النهج الأخير، هو ما اتبعه فريق معهد "آرك " في مدينة بالو ألتو بولاية كاليفورنيا الأمريكية، أثناء عملهم على التجربة العلمية الحديثة المثيرة للجدل التي نشرتها مجلة "ساينس " في أغسطس/آب.

فانتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة الاكتشاف وتحليل البيانات، إلى توليد تصميمات بيولوجية مبتكرة، وأن يصبح قادرا على كتابة جينوم كامل من الصفر وجعله ينبض بالحياة، يعد بمثابة لحظة فارقة في الطب، وفي تاريخ العلوم بشكل عام.

مصدر الصورة كتابة جينوم كامل عبر الذكاء الاصطناعي هو لحظة فارقة في تاريخ الطب والعلوم (أسوشيتد برس)

السيناريو الأخطر.. سلاح بيولوجي مُخلَّق

"لقد حل عصر الذكاء الاصطناعي، أكثر الفترات اضطرابا في التاريخ البشري، لكننا ما زلنا لم نتهيأ له بالشكل الكافي"

بواسطة بيل غيتس

"في طفولتي تعرفت على الحواسيب الآلية في سن 13 عاما، وآنذاك انبهرت بفكرة جعلها أكثر ذكاء، لتصبح قادرة على أداء مهام كانت حكرا على البشر ". بهذه الفقرة افتتح الملياردير الأمريكي والمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت، بيل غيتس، مقاله عن الذكاء الاصطناعي، الذي نشر في 26 أغسطس/آب الماضي وكُتِب بنبرة باعثة على القلق، متخوفة من التقدم المحرز الذي حققه الذكاء الاصطناعي في العقد الأخير، فهو يتطور بوتيرة مذهلة، وفقا لغيتس، حتى بات بإمكانه أن يحل محل القدرات العقلية للبشر، ويتفوق عليها. ولهذا دق الملياردير الأمريكي ناقوس الخطر، بقوله: "إن الذكاء الاصطناعي إما أن يصبح أعظم أداة اخترعها الإنسان لتحقيق العدل والمساواة، أو على العكس من ذلك، أن يتحول لأشد أدوات الظلم فتكا ".

يصف غيتس الانتقال إلى عصر الذكاء الاصطناعي الجديد بأنه أكثر الفترات اضطرابا في التاريخ البشري، قائلا إن القادة والخبراء والمجتمعات لا يزالون غير مستعدين لمواجهة تحدياته. وعلى الرغم من أن غيتس استفاض في حديثه عن العدالة الاجتماعية، وما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيستخدم لجعل العالم مكانا أكثر عدلا، أم لتوسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فإنه كان أكثر قلقا فيما يتعلق بجوانب أخرى، أهمها أن هذه التقنيات قد تمكن من صنع أسلحة فتاكة، بطرق سهلة وميسورة، وبإمكانها أن تصبح أداة لمساعدة قراصنة البرمجيات (الهاكرز)، في اكتشاف الثغرات وتهديد الأمن السيبراني للمؤسسات المالية والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء.

إعلان

أما السيناريو الأخطر وفقا لغيتس، فكان أن يستخدم الذكاء الاصطناعي لصنع أسلحة بيولوجية، تهدد حياة ملايين البشر، فكما ستؤدي هذه التقنيات إلى طفرة في عالم صناعة الأدوية واللقاحات، فإنها ستسهل من ناحية أخرى ابتكار أمراض جديدة فتاكة، لتندلع الجائحة القادمة من مختبر سري استخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في تصميم فيروس لم يكن له وجود من قبل في عالم الطبيعة.

"يكفي التلاعب بمسببات الأمراض الموجودة فعليا بعالم الطبيعة، وتعديل تركيبها الجيني "

في دراسة معهد "آرك "، استبعد الباحثون عمدا الشيفرات الجينية للفيروسات التي قد تصيب النباتات أو البشر أو الحيوانات، ولم يدرجوها في قواعد البيانات، تحسبا لأن يساء استخدامها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، لحثها على تصميم فيروسات خطيرة. وبحسب توم إليس، أستاذ هندسة الجينوم الاصطناعي في "إمبريال كوليدج لندن "، فإن ما صنعه الباحثون يعد أصغر وأسهل نموذج يمكن صنعه، ولا تزال القدرة على تصميم جينومات معقدة غير معروفة، لكن ماذا سيحدث مستقبلا إذا دربت نماذج الذكاء الاصطناعي على الشيفرات الجينية للفيروسات الممرضة للبشر؟

قد ينتج عن ذلك، وفق إليس، أمراض أكثر فتكا مما نعرفه، لكن أستاذ هندسة الجينوم يرى أن التهديد قد لا يأتي من تصميم وكتابة جينوم كامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، بل يكفي التلاعب بمسببات الأمراض الموجودة فعليا بعالم الطبيعة، وتعديل تراكيبها الجينية، وهو سيناريو أسهل بكثير وأكثر احتمالا للحدوث مستقبلا.

الحرب القادمة قد تبدأ بفيروس غير معروف

تخيل معي سيناريو مشابه لما حدث إبان جائحة كورونا عام 2020، مرض غامض ينتشر بسرعة فائقة، يتوافد المرضى على المستشفيات بأعداد كبيرة تفوق قدرة استيعابها، يحاول الأطباء جاهدين حصر الأعراض، يجرون الفحوصات الطبية المخبرية، لكنهم يقفون عاجزين عن التشخيص، لأنه لا يشبه أي مرض سبق للأطباء التعامل معه. تمر أيام ويبدأ المرضى في التساقط، والعلماء في مركز البحوث البيولوجية، لا يزال أمامهم كثير من الوقت لتحليل الشيفرة الجينية للفيروس الغامض، ناهيك عن التوصل إلى لقاح فعال.

نتيجة لذلك، تعم الفوضى أرجاء البلاد، وتتعقد عملية اتخاذ القرار، لا سيما بسبب الضغوط السياسية الملحة المحيطة بطبيعة تفشي المرض، وهل هو جائحة طبيعية أم سلاح بيولوجي مصمم عمدا من قبل بعض الجهات، هدفه إشاعة الفوضى وزعزعة استقرار الدول وإغراقها في سلسلة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

هذا السيناريو كان جزءا من تمرين رفيع المستوى لمحاكاة تفشي مرض وبائي غامض، أجراه مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي في عام 2018، بعنوان "كليد إكس " (Clade X)، وكان الهدف منه رفع حالة التأهب والاستعداد لمواجهة التحديات التي قد تفرضها جائحة مميتة. وفي 28 يناير/كانون الثاني 2019، أعيدت المحاكاة من قبل لجنة تعزيز الأمن الصحي الأمريكي التابعة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، بافتراض تفشي فيروس صمم عمدا من قبل جهة غير معروفة، مهددا بكارثة عالمية.

هذا السيناريو الذي شارك في إعداده مسؤولون أمريكيون وخبراء في الأمن القومي والصحة العامة، لم يكن الوحيد الذي تناول فكرة تفشي "فيروس مجهول "، يتبين فيما بعد أنه مصمم ليكون سلاحا بيولوجيا، ففي فبراير/شباط 2020، أجرى مؤتمر ميونخ للأمن محاكاة لتفشي مرض غامض يشبه الإنفلونزا، والتي للمفارقة اتسمت بتشابه كبير مع تفشي كوفيد-19 الذي تحول إلى جائحة عالمية بعد أسابيع قليلة على هذه المحاكاة.

في السيناريو الخيالي، اجتاح العالم فيروس غامض أواخر صيف 2020، فتك بالمسافرين القادمين من دولة افتراضية أطلقوا عليها اسم "أبليا "، ومع تطور الأحداث يكتشف باحثون تابعون لمنظمة الصحة العالمية أن الفيروس مهندس مخبريا وما هو إلا نسخة معدلة من فيروس الإنفلونزا "إتش 2 إن 2 " (H2N2).

تعكس هذه السيناريوهات المخاوف الأمنية والصحية التي طالما أرقت المجتمع الدولي إزاء خطر الحرب البيولوجية، ومع تنامي قدرات الذكاء الاصطناعي، وبعد أن أصبح عنصرا محوريا في مجال البحوث البيولوجية، تضاعفت المخاوف بشأن إساءة استخدام هذه التقنيات في هندسة الفيروسات المميتة والسموم وغير ذلك من الأسلحة البيولوجية.

هل هناك سباق تسلح بيولوجي؟

للحرب البيولوجية تاريخ طويل بإمكاننا تتبعه عبر الزمن منذ أن اكتشف الإنسان إمكانية استخدام مسببات الأمراض في الحرب، وحتى سباق التسلح البيولوجي إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية. ومن أقدم حالات استخدام الأسلحة البيولوجية الموثقة في كتب التاريخ، ما وصفه الفيلسوف والقائد اليوناني "سولون " في القرن السابع قبل الميلاد، عن استخدام عشب مميت في تسميم مياه خصومه في مدينة "كيراه ".

إعلان

بالوصول إلى القرن الثامن عشر، لجأ البريطانيون إلى حيلة من الكتاب نفسه لإخضاع السكان الأمريكيين الأصليين خلال حرب بونتياك (1763)، بأن أعطوا غطاءين ومنديلا كهدية لممثلي قبائل الهنود الحمر، لكنها في الحقيقة لم تكن أكثر من تفاحة مسمومة، فالأقمشة كانت مشبعة بفيروس الجدري المميت، وما إن قبل الهنود الهدية، حتى انتشر المرض الفتاك بينهم.

وفي العصر الحديث، بدأ تطوير الأسلحة البيولوجية على نطاق واسع خلال الحرب العالمية الثانية، وانخرطت العديد من الدول في برامج بحثية متخصصة، وكان على رأسها ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، وبحسب المصادر التاريخية، استخدمت اليابان الأسلحة البيولوجية في حروبها، وعُرِف أنها لوثت قرابة ألف بئر ماء يشرب منها الصينيون، بأمراض الكوليرا والتيفويد، في حين عملت الولايات المتحدة بالتعاون مع بريطانيا على برنامج لتطوير البكتيريا المسببة للجمرة الخبيثة.

وبحسب الوثائق الرسمية، استمر البرنامج الأمريكي حتى عام 1969، إلى أن اتخذ الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون قرارا بوقف تطوير الأسلحة البيولوجية، تزامنا مع مناقشات اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية والسموم التي فُتِح باب التوقيع عليها عام 1972.

مصدر الصورة هناك مخاوف من وجود أبحاث بيولوجية ذات طبيعة مزدوجة (غيتي)

وعلى الرغم من عدم وجود أدلة علنية تثبت انخراط أي من الدول في برامج تسلح بيولوجي نشطة في الوقت الحالي، إلا أن اتساع البنية التحتية للبحث العلمي في كثير من الدول، والسباق المحموم على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، وبحوث الهندسة الجينية، وتطوير الدول للقدرات الدفاعية البيولوجية، كل هذا قد يعد مؤشرا على وجود أبحاث بيولوجية ذات طبيعة مزدوجة، فهي تهدف لخدمة البحث العلمي من ناحية، لكن بالإمكان إساءة استخدامها من قبل بعض الدول والجهات لتحقيق أغراض خبيثة.

أكبر مثال على ذلك، كان ما نشرته صحيفة "صنداي تايمز " البريطانية في ديسمبر/كانون الأول 1998، إذ كشفت نقلا عن مصدر عسكري إسرائيلي، عن وجود مشروع علمي تعمل عليه إسرائيل سرا لتطوير قنبلة "عرقية " لقتل العرب دون غيرهم. وبحسب التقرير، فإن معهد الأبحاث الطبية والبيولوجية الإسرائيلي في "نيس زيونا " استطاع أن يميز جينا معينا لدى العرب، وعمل على إيجاد ثغرة تمكن من استغلال ذلك في إبادة جماعية لعرق بأكمله.

أضف إلى ذلك ما أوردته وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها الصادر في أبريل/نيسان 2024، إذ أشارت إلى شكوك تحوم حول مؤسسات طبية عسكرية في الصين، يعتقد أنها تواصل إجراء أبحاث متعلقة بتطوير السموم لأغراض عسكرية، والتكنولوجيا الحيوية ذات الاستخدامات المزدوجة مشككة في وفاء بكين بالتزاماتها بموجب اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية، وهي اتهامات طالما نفتها بكين ولا يمكن إنكار حمولتها السياسية.

الأهم أن الولايات المتحدة نفسها ليست أفضل حالا، فما إن ألغت واشنطن برنامجها البيولوجي، حتى قامت بتحويل موقع "فورت ديتريك " الذي كان إبان الحرب العالمية مركزا للبحوث المرتبطة بالأسلحة البيولوجية، إلى مركز مهمته التصدي للتهديدات البيولوجية ودراسة مسببات الأمراض الخطيرة التي قد تصيب أفراد القوات المسلحة الأمريكية، وتطوير اللقاحات، وهو تخصص قد يكون ذا استخدام مزدوج، لأن التصدي للتهديدات البيولوجية يتطلب أولا دراستها. لكن المثير للقلق حقا، كان ما أعلنته مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية السابقة تولسي غابارد، في يونيو/حزيران الماضي، عندما كشفت عن وثائق جديدة رفعت عنها السرية، تؤكد وجود تمويلات حكومية أمريكية طويلة الأمد لأكثر من 120 مختبرا بيولوجيا في أكثر من 30 دولة حول العالم، بينها مختبرات في أوكرانيا.

بعض هذه المنشآت لا يزال يجري أبحاثا على مسببات أمراض خطيرة وشديدة العدوى، بحسب ما صرحت غابارد، ضمن ما يعرف بأبحاث "اكتساب الوظيفة "، وهي تجارب خطيرة تهدف لإحداث تغيير جيني في كائن ما، بطريقة تعزز بعض الوظائف الحيوية، مثل التسبب في المرض، أو قابلية الانتقال، أو نوع العائل الذي يمكن أن يُصاب به. كما أن هناك تفاصيل جديدة تتعلق بإجراء تجارب سريرية داخل هذه المختبرات، وهو أمر غاية في الخطورة قد يشكل تهديدا جسيما على الصحة العامة.

وإذا تخيلنا إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي على مثل هذه المختبرات البيولوجية السرية، فإن النتائج المحتملة لذلك قد تكون كارثية على حاضر العالم، ومستقبله أيضا.

منظومة الأمن البيولوجي.. هل تستطيع حمايتنا؟

في مقاله سابق الذكر، أوضح بيل غيتس كيف يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي تسريع وتيرة الابتكار، وكيف أن بإمكانها مكافحة تغير المناخ ومساعدة البشر لإنتاج ما يكفي من الغذاء، بل وتحدث عن دورها في اكتشاف علاجات للسرطان وغير ذلك من الأمراض الخطيرة، لكن هذه المنافع العظيمة لن تقل شأنا عن الأضرار. فقد ألمح الملياردير الأمريكي إلى أن العالم بنظمه التقليدية ومؤسساته الحالية، بحاجة إلى خطة محكمة لمواجهة ما سيفرضه علينا الذكاء الاصطناعي من تحديات.

مصدر الصورة بيل غيتس حذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي (رويترز)

أحد أبرز هذه التحديات، ستواجهها منظومة الصحة العامة، ففي عام 2025، أصدرت الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب في الولايات المتحدة (NASEM)، تقريرا بعنوان "عصر الذكاء الاصطناعي وعلوم الحياة "، تناول بالدراسة تقييم مخاطر الأمن البيولوجي في إطار دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في البحوث البيولوجية، وتنامي دوره في اكتشاف وتصميم الجزيئات والبروتينات والأنظمة البيولوجية.

يوضح التقرير كيف أن استخدام الأدوات البيولوجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تصميم مسببات أمراض قابلة للتكاثر ذاتيا والانتقال، ليس بالأمر اليسير، فهو عملية معقدة بدءا من التصميم ووصولا إلى مرحلة الاختبار، وهذا ينطبق سواء على العوامل البيولوجية الممرضة المعدلة جينيا لتكون أكثر خطورة، أو مسببات الأمراض المصممة مخبريا بالكامل ولا وجود لها في عالم الطبيعة، لا سيما وأن الأخيرة تتطلب من نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي أن تتنبأ ببنية الفيروس وضراوته وقابليته للانتشار.

غير أن بلوغ هذه التقنيات، بات مسألة وقت لا أكثر، وهو تطور نوعي ينطوي على عواقب وخيمة، نظرا لأن انتشار فيروس جديد لا وجود له في عالم الطبيعة، يعني أن مؤسسات الصحة العامة ومراكز البحوث ستجد نفسها أمام تهديد لا تملك عنه المعلومات الكافية، ما سيزيد من حدة الجائحة ويعيق إمكانية احتوائها.

"مسببات الأمراض الجديدة لن يكون من السهل احتواؤها عبر تدابير الحماية الحالية "

وبحسب عالم الأوبئة الأمريكي توماس إنجلسباي، والدكتور موري هانكي، فإن مسببات الأمراض الجديدة هذه، لن يكون من السهل احتواؤها عبر تدابير الحماية الحالية، ولهذا اقترح الباحثان التعجيل بفرض قيود على الوصول إلى قواعد البيانات الجينية، لا سيما تلك التي قد تتيح لبعض الجهات القدرة على تصميم جينومات خطيرة، بالإضافة إلى تعزيز تدابير الحماية والسلامة البيولوجية داخل المختبرات.

فمنذ أن دخلت اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية حيز التنفيذ في عام 1975، اقتصرت التدابير التشريعية والتنظيمية على السلامة البيولوجية داخل "مختبرات الاحتواء العالي "، وهذا لأن تطوير أسلحة بيولوجية لم يكن أمرا هينا بالإمكان القيام به خارج المختبرات، كما أنه بحاجة إلى خبراء على دراية بالعلوم البيولوجية ومكافحة الأمراض، وبالتالي كانت منظومة الأمن البيولوجي بأكملها تتمحور حول تشديد إجراءات الرقابة على المختبرات عالية الخطورة البيولوجية.

تراوحت هذه التدابير حول سلامة العاملين في هذه المختبرات، ومنع تسرب المواد البيولوجية الضارة أو سرقتها، بالإضافة إلى إجراءات الرقابة على الأبحاث مزدوجة الاستخدام. لكن الذكاء الاصطناعي يفرض البحث عن تدابير جديدة أكثر شمولا. هذا الأمر أكده تقرير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام في عام 2025، والذي تناول تداخل تقنيات الذكاء الاصطناعي في البحوث البيولوجية، مشيرا إلى أن العالم بات في حاجة إلى تطوير آليات جديدة للرقابة والشفافية في إطار النظام الدولي لحظر الأسلحة البيولوجية، بما يتناسب مع التهديدات البيولوجية الراهنة.

اقترح التقرير توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الرقابة على بحوث الشيفرات الجينية، واستخدام تقنية السجلات الموزعة (DLT)، وهو نظام رقمي لتخزين البيانات عبر شبكة من الأجهزة قابلة للتتبع والمراقبة، وبالجمع بين التقنيتين، يصبح بإمكان نماذج الذكاء الاصطناعي المدربة رصد الأنماط غير الاعتيادية للوصول إلى سجلات البيانات الخاصة بالعينات البيولوجية، وبالتالي يصبح بإمكان شبكة السجلات الموزعة تتبع العينات وعملية انتقالها وكشف محاولات الوصول غير المصرح بها لقواعد البيانات.

من هذا المنطلق، قد تصبح أدوات الذكاء الاصطناعي مستقبلا سلاحا ذا حدين، فكما ستستخدم في خلق تهديدات أمنية غير مسبوقة، ستصبح في الوقت ذاته الأداة التي توظف لاحتواء هذه التهديدات.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار