لا تحتاج أبرز الظواهر الفلكية خلال سبتمبر/أيلول 2026 إلى مراصد عملاقة أو أجهزة معقدة؛ إذ يقدم الشهر 5 مشاهد سماوية بارزة يمكن متابعتها بسهولة نسبية، من اقتران هلال القمر بالزهرة، إلى وصول الزهرة إلى ذروة لمعانها، ثم الاعتدال الخريفي، وصولا إلى البدر المعروف في بعض الثقافات باسم قمر الحصادين.
وتكمن أهمية هذه الأحداث في أنها تحول السماء نفسها إلى مساحة للتعلم والمشاهدة والتصوير، وتمنح الجمهور فرصة لفهم حركة القمر والكواكب وتغير الفصول من خلال ظواهر يمكن رؤيتها بالعين المجردة.
ويؤكد الفلكي هشام بن يحيى -نائب رئيس الجمعية التونسية لعلوم الفلك- أن ما يميز ظواهر سبتمبر/أيلول هو قربها من الجمهور وإمكان متابعتها دون تجهيزات فلكية متخصصة.
ويقول بن يحيى إن الشهر "غني بالظواهر الفلكية التي تميزها إمكانية مشاهدتها بالعين المجردة دون الاستعانة بتلسكوبات"، موضحا أن هذه الظواهر تتعلق بأجرام شديدة اللمعان في السماء، ويمكن متابعتها ببساطة إذا كان الراصد في المكان والزمان والاتجاه المناسبين.
وبذلك تصبح هذه الأحداث -بحسبه- "جماهيرية ومتاحة أيضا لغير المختصين"، إذ لا يحتاج الرصد في معظم الحالات إلى أكثر من معرفة الموعد والجهة التي ينبغي النظر إليها.
تبدأ أبرز الفرص مساء الاثنين 14 سبتمبر/أيلول، حين يظهر هلال القمر بالقرب من كوكب الزهرة في السماء الغربية بعد غروب الشمس، في مشهد يجمع جسما لامعا شديد السطوع مع الهلال الرقيق.
وفي ذلك اليوم سيكون الهلال على مسافة زاوية تبلغ نحو 5 درجات من الزهرة، إلى جانب عطارد ونجم السماك الأعزل في المنطقة نفسها من السماء. وستكون الزهرة ألمع نقطة في المشهد، مما يجعلها دليلا مثاليا للعثور على الهلال وتصوير الاقتران.
ويوضح هشام بن يحيى أن الاقتران سيحدث "بعد غروب الشمس وفوق الأفق الغربي"، ويمكن العثور عليه بسهولة بالتوجه نحو الغرب، حيث ستظهر الزهرة نقطة شديدة اللمعان بالقرب من الهلال.
ويضيف أن أجمل ما في اللقاء أنه لقاء بين هلالين في السماء، هما هلال القمر وهلال الزهرة، إذ تظهر الزهرة بشكل هلال من خلال التلسكوب، وهي فرصة جميلة أن يرى الناس هذه الظاهرة التي لطالما حيرت راصدي الأهلة. فالزهرة تمر بأطوار القمر لكونها كوكبا داخليا يدور بين الأرض والشمس. وكذلك يفعل عطارد.
بعد أيام قليلة، وتحديدا في 20 سبتمبر/أيلول، تصل الزهرة إلى مرحلة تكون فيها في أقصى لمعانها الظاهري تقريبا، ليبلغ لمعانها نحو -4.45 قدر ظاهري، وتبدو شديدة السطوع في سماء المساء.
ويرتبط هذا السطوع بعوامل عدة، من بينها الغلاف الجوي الكثيف المحيط بالزهرة وارتفاع درجة بياضها، إذ تعكس نحو 76% من ضوء الشمس الساقط عليها. كما يؤدي اقتراب الزهرة من الأرض إلى زيادة لمعانها الظاهري.
ويشرح بن يحيى أن أفضل ظروف لمعان الزهرة تتزامن مع وضع هندسي خاص، إذ تبلغ شدة لمعانها أقصاها عندما تكون زاوية الوجه في حدود 120 درجة، أي عندما يكون نحو ربع قرصها مضاء بالشمس.
وهذا الوضع يجعل الزهرة شديدة السطوع، إلى درجة يمكن معها رؤيتها في وضح النهار في ظروف مناسبة. لكن هذه الإمكانية تحمل خطرا كبيرا على غير المختصين، لأن الزهرة تكون في السماء قريبة نسبيا من الشمس.
وفي 24 سبتمبر/أيلول، ينتقل المشهد إلى سماء الفجر مع كوكب المشتري، الذي يظهر في الشرق قبل شروق الشمس بسطوع قوي يبلغ نحو -1.9 قدر ظاهري.
وسيكون المشتري ألمع نقطة ضوء في السماء خلال تلك الفترة، ويمكن رؤيته بسهولة حتى في المناطق التي تعاني التلوث الضوئي. وإذا استخدم الراصد منظارا مثبتا جيدا، فقد يتمكن من رؤية أقماره الأربعة الكبيرة: آيو وأوروبا وغانيميد وكاليستو.
أما عطارد، فيبقى فوق الأفق الغربي جرما يصعب رصده نسبيا حتى الأسبوع الأول من أكتوبر/تشرين الأول، قبل أن يعود ويغوص في الأفق الغربي.
وفي 23 سبتمبر/أيلول، يصل العام الفلكي إلى محطة مختلفة؛ إذ يحل الاعتدال الخريفي، معلنا بداية الخريف فلكيا في النصف الشمالي من الأرض، بينما يبدأ الربيع في النصف الجنوبي.
ويحدث الاعتدال عندما تعبر الشمس خط الاستواء السماوي من الشمال نحو الجنوب، وهو ما يجعل الشمس تشرق من جهة الشرق وتغرب من جهة الغرب بصورة تقارب الاتجاهين الجغرافيين تماما. كما يتقارب طول الليل والنهار، مع وجود فروق طفيفة في الواقع بسبب عوامل فلكية وجوية.
ويرى بن يحيى أن هذه الظاهرة يمكن تحويلها إلى تجربة تعليمية بسيطة للأطفال، بدلا من الاكتفاء بمشاهدتها، إذ يمكن استخدام مزولة أو مجرد عصا مستقيمة لمتابعة اتجاه الظل وطوله على مدار اليوم.
ويقول إن أقصر ظل خلال النهار يتزامن مع عبور الشمس خط الزوال، كما أن تتبع الظل يمكن أن يساعد في تحديد الجهات، في حين تتيح مراقبة الشمس عند الشروق والغروب معرفة نقطتي الشرق والغرب بالنسبة إلى مكان الرصد.
صور تتابعية لظاهرة الفجر الصادق والكاذب وكيف يطغى ضوء الفجر الصادق حين يطلع (محمد سلامة/ مشروع الفجر الصادق الأردن 2011)ويمكن لأي شخص إجراء هذه التجربة من مكانه، وهو ما يجعل الاعتدال الخريفي مناسبة فلكية وتعليمية في الوقت نفسه. كما تمثل الفترة فرصة لرؤية الشفق البروجي (الفجر الكاذب) قبل الفجر في ظروف السماء المظلمة، لكنه أقل سهولة من الأحداث الأخرى بسبب خفوته وحاجته إلى الابتعاد عن أضواء المدن.
وفي 26 سبتمبر/أيلول، يصل القمر إلى طور البدر، وهو بدر ربيع الأول 1448هـ، ويُعرف في بعض الثقافات الغربية باسم "قمر الحصادين" أو "بدر الحصاد"، لارتباطه تقليديا بموسم الحصاد.
ويوضح بن يحيى أن تسمية قمر الحصاد ليست اسما لظاهرة فلكية أو فيزيائية خاصة، وإنما تسمية ذات جذور تاريخية وثقافية، أُطلقت في الغرب على البدر الأقرب إلى الاعتدال الخريفي في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.
قمر الحصاد المكتمل فوق محطة لتوليد الطاقة قرب مدينة مارتولا في البرتغال (سبيس دوت كوم)ومع ذلك، يبقى بدر 26 سبتمبر/أيلول من أجمل مشاهد الشهر، خصوصا عند ظهوره من الأفق الشرقي، حيث يمكن تصويره إلى جانب المباني أو الأشجار أو المعالم الأرضية.
وهكذا لا يقدم شهر سبتمبر/أيلول 2026 حدثا فلكيا واحدا فحسب، بل سلسلة من المشاهد التي تجعل السماء قريبة من الناس: هلال بجوار الزهرة، والزهرة في أقصى لمعانها، والمشتري في الفجر، والشمس عند الاعتدال، ثم بدر يحمل اسما ارتبط تاريخيا بموسم الحصاد.
وهي فرص تذكّر بأن العلم لا يبدأ دائما داخل المختبر، بل قد يبدأ برفع الرأس نحو السماء، وملاحظة حركة جرم بعيد، ثم طرح السؤال الذي يقود إلى المعرفة والاستكشاف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة