بعد نحو 15 عاما من تسجيلها، تعود بيانات فلكية التقطها هواة في إقليم كردستان العراق إلى الواجهة من جديد، بعدما كشفت تحليلات فلكية حديثة أن النجم الذي استتر خلف الكويكب عام 2011 هو في الواقع نظام نجمي مزدوج، بفاصل زاوي بالغ الصغر بين مكونيه.
ففي 3 سبتمبر/أيلول 2026 أرسل الراصد الرئيسي الفلكي الأمريكي "بول مالي " (Paul D. Maley) رسالة إلى المنظمة الفلكية الكردستانية يبشرها بهذه النتيجة بعد تحليل حديث لبيانات الاستتار التي سجلت في 1 أبريل/نيسان 2011، إلى جانب أرصاد أخرى للحدث.
ففي تلك الليلة، وفي مدينة شقلاوة، شرقي أربيل، تابع الفريق مرور الكويكب "554 بيراغا " (554 Peraga) أمام النجم "تي واي سي 1343 " (TYC 1343-01414-1)، في ظاهرة تعرف بالاستتار الكويكبي (Asteroidal Occultation)، وسجل الفريق تفاصيل الحدث ضمن حملة رصد دولية قادها الفلكي الأمريكي "بول مالي ".
يحدث الاستتار الكويكبي عندما يمر كويكب أمام نجم بعيد بالنسبة إلى الراصد على الأرض، فيحجب ضوءه مؤقتا. ومن خلال تسجيل لحظة الاختفاء وعودته، يستطيع الفلكيون استخراج معلومات دقيقة عن شكل الكويكب وحجمه، بل ويمكن أن تظهر في منحنى الضوء علامات تشير إلى أن النجم نفسه يتكون من أكثر من مكوّن.
وعند سؤال الراصد الرئيسي في فريق كردستان العراق ورئيس المنظمة الفلكية الكردستانية "أزي حسن " عن إنجاز الفريق في تلك الليلة، قال: وفر الرصد الميداني في شقلاوة قياسا مستقلا للحدث، وأصبح جزءا من السجل الرصدي الدولي، حيث سجل الرصد باسم أزي حسن، ممثلا لجمعية هواة الفلك في كردستان العراق ومرصد أ"أوبورتيونيتي " الفلكي في أربيل.
ولم تكن أهمية الحدث مقتصرة على النجم؛ فقد استخدمت قياسات الاستتار أيضا في تحديد أبعاد الكويكب. وتظهر قاعدة النتائج الأوروبية أبعادا تقدر بنحو 143.9 × 78.4 كيلومترا للكويكب "بيراغا " اعتمادا على هذا الحدث.
كان وجود فريق رصدي في كردستان جزءا من شبكة دولية أوسع. وتظهر سجلات جمعية رصد الاستتارات الفلكية الدولية إيوتا (IOTA) أن الراصد الفلكي الأمريكي بول مالي المتخصص في أرصاد استتارات النجوم بواسطة الكويكبات، قدم تقريرا عن بعثة "بيراغا " إلى العراق في أبريل/نيسان 2011، ووصل إلى أربيل وعمل مع هواة الفلك في كردستان، ووصف الحدث بأنه أول استتار ناجح مسجل لكويكب من الأراضي العراقية.
وحول موقع كردستان في هذا الرصد، أجاب أزي حسن قائلا: في الاستتارات، لا تكون قيمة الرصد في الصورة وحدها، بل في الموقع الجغرافي الذي جرى منه القياس. فكل موقع يضيف "وترا " مختلفا إلى مسار ظل الكويكب، وعند جمع الأوتار من مواقع متعددة يمكن تحديد هندسة الحدث بصورة أدق.
وهذه النقطة تفسر لماذا يمكن لرصد بسيط ظاهريا أن يظل مفيدا بعد سنوات. فالمعلومات القديمة قد تكتسب قيمة جديدة عندما تقارن برصد آخر أو بتحسينات في معرفة موقع النجم وحركته.
تكمن المفاجأة في أن النجم "تي واي سي 1343 " ليس نجما منفردا بالمعنى البسيط، إذ تشير دراسة علمية منشورة في دورية "الإشعارات الشهرية للجمعية الملكية الفلكية " إلى أن استتار عام 2011 كان من بين الأحداث التي كشفت نجما مزدوجا، مع فاصل زاوي بينهما يبلغ نحو 34 مللي ثانية قوسية (الثانية القوسية جزء من 3600 جزء من الدرجة). وهذا يعني أن المكوّنين متقاربان بدرجة يصعب معها فصلهما بسهولة بالتصوير التقليدي.
وعند سؤال الفلكي الأمريكي "بول مالي " عما تضيفه إعادة تحليل الرصد اليوم، أجاب بأن قيمة مثل هذه الأحداث تكمن في أن الاستتارات تستطيع كشف مكونات نجمية قريبة جدا، كما أن اختلاف الرصد بين المواقع قد يساعد على تحديد طبيعة النظام بصورة أفضل.
وتظهر سجلات "بول مالي " نفسه أن حدث 1 أبريل/نيسان 2011 في شقلاوة مدرج ضمن رصداته الناجحة، كما يدرج النجم نفسه ضمن قائمة النجوم الثنائية التي اكتشفها عبر استتارات الكويكبات.
ومن هنا تصبح قصة رصد كردستان أكبر من مجرد تسجيل ظاهرة عابرة؛ فالبيانات التي التقطها هواة الفلك في العراق دخلت سجلا علميا يمكن مقارنته برصدات أخرى، وساعدت في دراسة كويكب بعيد ونظام نجمي شديد التقارب.
وتكشف هذه القصة قيمة الاحتفاظ بالبيانات الفلكية القديمة وعدم النظر إليها باعتبارها سجلات من الماضي فقط. فالرصد الذي يستمر دقائق قد يفتح سؤالا علميا جديدا بعد سنوات، ويؤكد أن البحث العلمي يبنى بالتراكم، وأن مساهمة الهواة، حين تتم بدقة وتوثيق، يمكن أن تصل إلى قواعد البيانات والدراسات الفلكية العالمية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة