بعد مرور أكثر من 3 عقود على إعادة توحيد ألمانيا عام 1990، تبرز الانقسامات المستمرة بين الشرق والغرب بشكل صارخ في انتخابات الأحد في مقاطعة ساكسونيا-أنهالت الواقعة في شرق البلاد.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن حزب "البديل من أجل ألمانيا"، المناهض للهجرة والمرتبط بعلاقات وثيقة مع موسكو، قد يفوز بغالبية مطلقة في انتخابات المقاطعة، مما سيتيح له للمرة الأولى تأليف حكومة محلية، وهو ما سيكون سابقة لحزب يميني متطرف في تاريخ ألمانيا ما بعد الحرب.
وبما أن جزءا كبيرا من شرق ألمانيا أصبح معقلا لهذا الحزب، تحدثت مفوضة الحكومة لشؤون شرق ألمانيا، النائبة إليزابيث كايزر، وهي نفسها من ولاية تورينغن الواقعة في الشرق، إلى وكالة الصحافة الفرنسية عن العوامل التاريخية والثقافية التي ترسم ملامح السياسات المتميزة للمنطقة.
عندما انهار جدار برلين عام 1989، مؤذنا بنهاية جمهورية ألمانيا الديمقراطية الشيوعية، أُغلقت العديد من الشركات المملوكة للدولة، مما أدى إلى بطالة واسعة النطاق ونزوح سكاني، لا سيما في صفوف الشابات.
وترى كايزر أن تلك التجربة "كانت صعبة بالنسبة إلى كثير من سكان ألمانيا الشرقية، ولا تزال آثارها ممتدة عبر الأجيال، لتصبح جزءا من الذاكرة الجماعية لألمانيا الشرقية".
وتوضح أن الأمر تعلّق بشعور بالانتقاص من المكانة، وتجربة خسارة، وإدراك أن كل شيء يمكن أن يتغير بين عشية وضحاها.
وبعد عقود، لا تزال الأجور والمدخرات أدنى في المتوسط، في حين لا تزال مقار الشركات الكبرى متمركزة في غرب البلاد، كما أن الألمان الشرقيين، الذين يشكلون خُمس السكان، لا يحظون بتمثيل كاف في الحياة السياسية.
وتلقى مواقف حزب "البديل من أجل ألمانيا" المناهضة للهجرة صدى واسعا في أنحاء الشرق، رغم أن نسبة المقيمين من مواليد الخارج في الشرق أقل منها في الغرب.
وبينما اعتمد التعافي الاقتصادي في ألمانيا الغربية بعد الحرب على "العمال الضيوف"، استقدمت ألمانيا الشرقية عمالا بعقود من "الدول الشقيقة" الاشتراكية مثل فيتنام وموزمبيق.
وبحسب كايزر، فإن هؤلاء العمال "كانوا معزولين إلى حد كبير عن سكان ألمانيا الشرقية"، كما كانت عقودهم محدودة المدة، مما يعني أن ألمانيا الشرقية "لم تكن مجتمعا مهاجرا".
وبينما كانت دعاية الدولة تروج لجمهورية ألمانيا الديمقراطية باعتبارها دولة أممية، قالت كايزر إن "العنصرية وكراهية الأجانب والتطرف اليميني" كانت موجودة أيضا "وقد انفجرت للأسف في التسعينيات"، وهي الفترة التي سُمّيت "سنوات مضارب البيسبول" بسبب الاعتداءات التي استهدفت الأجانب.
وانتشرت مشاعر الاستياء في الآونة الأخيرة ولا سيما تجاه طالبي اللجوء السوريين والأفغان، وفق كايزر، مع اعتقاد أنهم "كانوا يحصلون على كل الخدمات الإضافية مجانا".
ومن بين هذه العناصر دراجة "سيمسون" البخارية، التي يستخدمها المرشح الرئيسي لحزب البديل من أجل ألمانيا أولريش سيغموند. وقالت كايزر إن الدراجة "كانت آنذاك رمزا للحرية لأنها كانت تتيح التنقل".
وبينما قد يتذكر الناخبون الأكبر سنا شعورهم بمزيد من الأمان في ألمانيا الشرقية، قالت كايزر إنهم غالبا ما ينسون أن "ذلك كان بسبب الرقابة والسيطرة الشديدتين على كل شيء".
وأشارت أيضا إلى أن كثيرين في الشرق يفخرون بالثورة السلمية عام 1989، ويرون فيها دليلا على قدرتهم الجماعية على "إسقاط نظام".
يدعو حزب "البديل من أجل ألمانيا" إلى توثيق العلاقات مع روسيا رغم غزوها لأوكرانيا و"الهجمات المتعددة الوسيلة" التي تتهم برلين روسيا بتنفيذها.
وقالت كايزر إن "التنشئة الاجتماعية للعديد من الألمان الشرقيين عززت عداء قويا للولايات المتحدة، وشكوكا مستمرة تجاه التحالف عبر الأطلسي، وهي شكوك لم تتلاشَ خلال الإدارة الأمريكية الحالية".
ويتطلع كثيرون في الشرق إلى دبلوماسية متجددة مع روسيا، وهو مسار تقول كايزر إن الكرملين لا يُبدي أي رغبة في اتباعه. مشيرة إلى أن سيطرة السوفيت المُحكمة على أوروبا الشرقية خلّفت "شعورا بالخوف من الروس.. شعورا بأنه لا ينبغي استفزازهم".
قالت كايزر إن بعض الأصوات في الغرب دعت إلى وقف "دعم" الجزء الشرقي الأكثر فقرا من ألمانيا، لكنها رأت في مثل هذه الأفكار "كارثة"، مضيفة أنها "تزعجني بصفتي ألمانية شرقية".
وأضافت أن خفض أموال التحويلات "لن يؤدي إلا إلى ترسيخ دور الضحية الذي يهوى حزب البديل من أجل ألمانيا تبنيه دائما".
وفي ظل التصدعات الجيوسياسية الراهنة والركود الاقتصادي، قالت كايزر إن كثيرين في الشرق يخشون التغيير بشكل خاص، بالنظر إلى تاريخهم المضطرب.
وأشارت إلى أن حزب البديل من أجل ألمانيا ومنافسيه من اليسار المتطرف يشهدون صعودا أيضا في أجزاء من الغرب، لافتة إلى أن على ألمانيا ككل أن تنظر إلى الشرق باعتباره "مقياسا للزلازل" السياسي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة