آخر الأخبار

وضعوا مرآة داخل حوض حيتان.. ما رصدته الكاميرات سيصيبك بالدهشة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تُعرف الحيتان البيضاء (البيلوغا) برؤوسها المستديرة ووجوهها المميزة التي تشبه قطع الحلوى الإسفنجية البيضاء وبابتسامتها الدائمة تقريبا، وتعد من أكثر الثدييات البحرية ذكاء، إذ تمتلك أنظمة تواصل معقدة وروابط اجتماعية قوية تميزها عن معظم أنواع الحيتان الأخرى، لكن هذه القدرة على إظهار تعبيرات وجه متغيرة يمكن للحيتان الأخرى قراءتها وفهمها لم تُختبر سابقا أمام مرآة.

وتشير دراسة جديدة -نُشرت مؤخرا في مجلة "بلوس وان"- إلى أن هذه الثدييات البحرية المميزة تتمتع أيضا بدرجة من الوعي الذاتي تفوق ما كان معروفا سابقا، ويكشف أن بعضها يمتلك القدرة على اجتياز اختبار المرآة الشهير، وهو إنجاز يضعها ضمن مجموعة صغيرة ومتزايدة من الحيوانات التي تمتلك قدرة كان يُعتقد لفترة طويلة أنها حكر على البشر.

تقول ديانا رايس -عالمة الثدييات البحرية، وأستاذة علم النفس المعرفي في كلية هنتر بجامعة مدينة نيويورك، والمشاركة في تأليف الدراسة- إن "الحيوانات التي تظهر قدرة على التعرف إلى نفسها في المرآة تمتلك مستوى متقدما من الوعي، يشمل إدراك أن الصورة التي تراها في المرآة تعود إليها هي نفسها، وكذلك فهم أن المرآة يمكن استخدامها كأداة لمراقبة الذات"، مضيفة في حديثها للجزيرة نت أنه "حتى اليوم، لم تُظهر هذه القدرة سوى مجموعة محدودة جدا من الأنواع".

مصدر الصورة مواقع العلامات على ناتاشا وماريس خلال اختبارات المرآة (بلوس وان)

اختبار المرآة في عالم الحيوان

يقوم اختبار المرآة على رصد سلوك الحيوان أمام انعكاس صورته، فبينما تتعامل أغلب الأنواع مع الانعكاس ككائن غريب عنها، تبدأ بعض الأنواع باستخدام المرآة لمشاهدة أجزاء من أجسامها لا تستطيع رؤيتها عادة.

وظل الاعتقاد السائد علميا لفترة طويلة أن هذه القدرة تقتصر على الإنسان، حتى دحضت دراسة شهيرة أجريت عام 1970 هذا الافتراض بإثبات قدرة الشمبانزي على التعرف إلى نفسه في المرآة.

إعلان

منذ ذلك الحين، لم يُوثق هذا السلوك إلا لدى عدد محدود من الأنواع، من بينها البونوبو وإنسان الغاب والغوريلا وطيور العقعق الأوراسي وسمكة الراس المنظفة. وقد استغرق إثبات هذه القدرة لدى كل نوع سنوات من البحث والتجارب.

وبوجه عام، يبدو أن النجاح في اختبار التعرف إلى الذات يرتبط بالأنواع التي غالبا ما تكون اجتماعية للغاية، وتتميز بمستويات مرتفعة من التعاطف. أما البشر، فيبدؤون عادة إظهار هذه القدرة عندما يبلغون نحو 18 شهرا من العمر، مع بدء تشكل الإحساس بالذات لديهم.

وتوضح رايس أن "معظم الحيوانات القادرة على التعرف إلى نفسها في المرآة تظهر مستويات مرتفعة من الوعي الاجتماعي، ومجموعة متنوعة من المهارات الإدراكية الأخرى عبر مجالات متعددة. لذلك، لم تُسجل هذه القدرة إلا لدى عدد قليل من الأنواع".

تجربة حيتان البيلوغا

استلهاما من التجارب السابقة، بدأت رايس قبل عقدين دراسة القدرة على التعرف إلى الذات لدى الدلافين قارورية الأنف والفيلة الآسيوية، وهما نوعان يمتلكان أدمغة كبيرة ومعقدة، لتكتشف أنهما اجتازتا الاختبار أيضا.

وفي عام 2001، قررت اختبار هذه القدرة لدى الحيتان البيضاء التي تعيش في المياه القطبية وشبه القطبية، وتواجه العديد من التهديدات، من بينها أنشطة الصيد البحري، وحركة السفن، واستكشاف النفط والغاز، فضلا عن آثار التغير المناخي.

وأجرت الباحثة الدراسة على مجموعة من 4 حيتان كانت تعيش في حوض أسماك نيويورك التابع لجمعية الحفاظ على الحياة البرية، ولم يكن لأي منها خبرة سابقة بالمرايا أو بالمشاركة في تجارب الإدراك المعرفي، وكان من بينها 3 إناث بالغات يحملن أسماء كاثي ومارينا وناتاشا، إضافة إلى ماريس، ابنة ناتاشا التي كانت تبلغ 7 سنوات آنذاك.

ثبت الباحثون مرآة ثنائية الاتجاه على إحدى نوافذ الأحواض المشتركة لمدة ساعتين في كل مرة، بحيث تعكس الصورة من جانب وتظل شفافة من الجانب الآخر، ثم ثبتوا كاميرات لتسجيل كيفية استجابة الحيتان لها.

وللمقارنة، كرر الفريق التجربة باستخدام لوح شفاف من مادة البليكسي غلاس (زجاج الأكريليك) في المكان نفسه لمعرفة إذا ما كانت الاستجابات ناتجة عن وجود المرآة تحديدا.

مصدر الصورة حيتان البيلوغا انضمت إلى قائمة قصيرة من الأنواع القادرة على اجتياز اختبار المرآة (رويترز)

مراحل متعاقبة

تمر الحيوانات التي تظهر لاحقا القدرة على التعرف إلى نفسها في المرآة بنمط متشابه بصورة لافتة من التغيرات السلوكية التي تعكس تطور فهمها للصورة المنعكسة أمامها.

في البداية، يبدأ الحيوان الذي لم يسبق له التعامل مع المرآة باستكشافها، وعادة ما تكون هناك استجابة تجاهها. فالدلافين مثلا تحاول غالبا النظر خلف المرآة، بينما قد يلمسها الفيل بخرطومه لاستكشافها.

بعد ذلك، تتعامل الحيوانات مع الانعكاس كما لو كانت تنظر إلى فرد آخر من النوع نفسه، لكن الحيوانات التي تدرك لاحقا أن الصورة تعود إليها تدخل في مرحلة ثانية تُعرف باسم "اختبار التوافق"، حيث تؤدي حركات متكررة وغير مألوفة لاختبار ما إذا كانت الصورة تقلدها.

وبعد هذه المرحلة، توضح رايس أن "الحيوان يبدأ باستخدام المرآة كأداة لمراقبة نفسه أو أجزاء من جسده أو سلوكياته التي لا يمكنه رؤيتها في غياب المرآة، وهو ما يُعرف بالسلوك الموجه نحو الذات، ويمثل المرحلة التي تدل على التعرف إلى الذات في المرآة".

إعلان

سلوكيات أكثر تطورا أمام المرآة

أثناء تحليل التسجيلات، لاحظ الباحثون أن كاثي ومارينا لم تُظهرا اهتماما كبيرا بالمرآة، لكن ناتاشا وابنتها ماريس أبدتا فضولا واضحا، وبدا أنهما سلكتا مسار المراحل المتعاقبة.

وفي أول جلسة مع المرآة، بدأت الحيتان بإطباق فكيهما وتحريك رأسيهما إلى الأعلى فجأة، وهي سلوكيات اجتماعية ترتبط عادة بالهيمنة أو التخويف. وبدا الأمر كما لو أنهما تعتقدان أنهما تواجهان حوتا آخر.

بعد ذلك، بدأت مرحلة اختبار التوافق للتحقق مما إذا كانت الصورة المنعكسة تستجيب لتحركاتهما. كانت ناتاشا تهز رأسها أمام المرآة بطرق متكررة وغير مألوفة، بينما كانت ماريس تومئ برأسها صعودا وهبوطا، وترسم بها حركات نصف دائرية، أو تهزها أفقيا.

بعد فترة قصيرة، انتقلت الحيتان إلى مرحلة السلوك الموجه نحو الذات. فقد أخذتا تنظران إلى نفسيهما مباشرة، وتراقبان حركاتهما في أثناء الدوران الكامل حول المحور الطولي للجسم. كما استخدمتا المرآة للنظر داخل أفواههما.

وفي إحدى اللحظات، أظهرت ماريس سلوكا لافتا، إذ بدأت ترفرف بزعانفها الصدرية أمام المرآة بحركة عمودية سريعة وصفها الباحثون بأنها تشبه رقصة استعراضية، وأطلقوا عليها اسم "اهتزاز الزعانف الصدرية".

كما اقتربت الحيتان مرارا من المرآة، وبدأت بنفخ الفقاعات الهوائية من فتحات التنفس ثم حاولت عضها أمام المرآة مباشرة، وهي سلوكيات لم تُسجل عادة في غياب المرآة.

وعند مقارنة سلوكها أمام المرآة بسلوكها أمام اللوح البلاستيكي الشفاف، أصبح واضحا للباحثين أن ناتاشا وماريس أظهرتا بالفعل قدرة على التعرف إلى نفسيهما.

اجتياز اختبار العلامة

للتحقق بصورة أدق من وجود وعي ذاتي، يعتمد الباحثون عادة معيارا أكثر صرامة يعرف بـ"اختبار العلامة". في هذا الاختبار، تُوضع علامة مؤقتة على جزء من جسم الحيوان لا يمكنه رؤيته مباشرة إلا عبر المرآة، ثم يُراقب إذا ما كان سيستخدم المرآة لاكتشافها.

وضع الباحثون علامات صغيرة باستخدام أحمر شفاه أسود على أجسام ناتاشا وماريس خلال جلسات متعددة. كما استخدموا مادة شفافة عديمة اللون كاختبار ضابط للتأكد من أن استجابة الحيتان لا تعود إلى الإحساس باللمس فحسب.

وأظهرت التحليلات أن ماريس لم تستخدم المرآة للعثور على أي من العلامات. أما ناتاشا فكانت تسبح مرارا بحيث يكون الجانب الذي يحمل العلامة مواجها للمرآة. وأمضت وقتا طويلا وهي تضغط ذلك الجانب من جسمها على المرآة وتعود إليه مرارا.

ورأى الباحثون أن هذه الاستجابات تميزت بوضوح عن جميع سلوكياتها المسجلة سابقا، واعتبروا سلوكياتها كافية لنجاحها في الاختبار، لتتسع بذلك قائمة الأنواع التي يُحتمل امتلاكها شكلا من أشكال الوعي الذاتي، لتصبح أوسع مما كان يعتقد العلماء سابقا.

وتأمل رايس في تكرار هذه الاختبارات مع حيتان بيلوغا أخرى من أعمار وخلفيات مختلفة. وترى أنها قد تسهم في تعزيز التقدير والتعاطف تجاه حيتان البيلوغا، وتشجع الجمهور على دعم التزام حكومي أقوى بالحفاظ على رفاه الثدييات البحرية وتعزيز سياسات حمايتها وصون بيئاتها الطبيعية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار