داخل قطعة شديدة الرقة من مادة شبه موصلة، أرق من أن تُرى بالعين المجردة، راقب فريق بحثي سلوكا غريبا للإلكترونات. إذ رصد الباحثون أن الإلكترونات تتوقف عن الحركة كجسيمات منفردة، وترتب نفسها في نمط منتظم يشبه البلورة، عند درجات حرارة شديدة الانخفاض، وداخل طبقة واحدة من مادة تُسمى "ثنائي سيلينيد التنجستن".
تُعرف هذه الحالة باسم "بلورة فيغنر"، نسبة إلى الفيزيائي يوجين فيغنر، الذي توقع قبل نحو قرن أن الإلكترونات قد تنتظم في شبكة إذا أصبحت طاقة التنافر بينها أكبر من طاقة حركتها. تقوم الفكرة على أن الإلكترونات تحمل الشحنة السالبة نفسها، لذلك تتنافر؛ فإذا هدأت حركتها بما يكفي، فإن هذا التنافر قد يدفعها إلى اتخاذ مواقع شبه ثابتة، كأنها كرات صغيرة موزعة بانتظام على سطح مستو.
لكن نظرا لطبيعة تكوين هذه البلورات، فإن رؤيتها ليست سهلة؛ فهي لا تتكون من ذرات يمكن تصويرها مباشرة، بل من إلكترونات داخل مادة.
وفي الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة "نيتشر فيزيكس"، استخدم الباحثون طريقة بصرية لافتة، بحيث أرسلوا ضوءا إلى طبقة رقيقة جدا من شبه الموصل، ثم قرأوا التغيرات الدقيقة في الضوء المنعكس، كما لو أنهم يستمعون إلى صدى الإلكترونات من داخل المادة.
يقول توماش سمولينسكي -أستاذ الفيزياء في جامعة بازل والمؤلف الرئيسي للدراسة- إن أهمية العمل لا تكمن فقط في تأكيد وجود ترتيب إلكتروني، بل في رصد الطريقة التي تتفاعل بها هذه البلورة مع الضوء. فالإثارة الضوئية داخل المادة لا تمر فوق البلورة زائرا عابرا، بل يمكن أن تندمج مع اهتزازاتها وحركاتها الجماعية، وتتحول إلى كيان هجين جديد. هذا الكيان هو ما تسميه الدراسة "بولارون بلورة فيغنر".
أجرى الفريق تجاربه على جهازين من طبقة واحدة من ثنائي سيلينيد التنجستن، محاطة بطبقات عازلة، ويمكن التحكم في عدد الإلكترونات داخلها بجهد كهربائي. ووُضعت العينات في جهاز تبريد يصل إلى 1.6 كلفن، أي قريب جدا من الصفر المطلق. في هذه الظروف، تصبح حركة الإلكترونات بطيئة بما يكفي كي تظهر آثار التنافر القوي بينها بوضوح.
يوضح توماش أنه عند كثافات إلكترونية منخفضة، ظهرت في أطياف الانعكاس إشارات معروفة سابقا تدل على بلورة فيغنر. ثم ظهرت معها إشارات جديدة أضعف، لكنها مميزة. هذه الإشارات هي التي فسرها الباحثون على أنها بولارونات بلورة فيغنر؛ أي آثار لتفاعل الضوء مع البلورة الإلكترونية، لا مجرد انعكاس عادي عن المادة.
وبحسب تصريحات توماش للجزيرة نت، تكشف هذه الإشارات أن الضوء لا يقيس البلورة فقط، بل يدخل في تفاعل قوي معها. فعندما تتكون بلورة الإلكترونات، يصبح الضوء قادرا على التقاط حركتها الجماعية، وكأن المادة تترك بصمتها الخاصة في الطيف المنعكس.
وجد الباحثون أن هذه البولارونات تختفي عندما تذوب البلورة، سواء بزيادة كثافة الإلكترونات أو برفع درجة الحرارة. كما ظلت البلورة موجودة حتى نحو 30 كلفن، وهي درجة أعلى من بعض الأنظمة المشابهة. ويقترح الباحثون أن العيوب الصغيرة في العينة ربما ساعدت على تثبيت ترتيب الإلكترونات، كما قد تثبت نتوءات صغيرة كرات موزعة على سطح مهتز.
لكن حسب الدراسة نفسها، فإن هذا الدور يحتاج إلى فهم أعمق، لأن العيوب قد تكون أحيانا مصدرا مساعدا على الاستقرار، وأحيانا سببا في تشويه السلوك الكمومي المراد دراسته.
الأكثر إثارة أن الفريق استطاع التأثير في "حالة الدوران"، أو الاتجاه الكمومي للإلكترونات داخل البلورة، بطريقتين: مجال مغناطيسي خارجي، وضوء دائري الاستقطاب. وهذا يعني أن الضوء قد يصبح أداة ليس فقط لرصد هذه الحالات الغريبة، بل للتحكم فيها أيضا.
ويرى الباحثون أن ذلك قد يفتح نافذة لدراسة مواد كمومية أكثر تعقيدا، وربما ربط الضوء بحالات إلكترونية جماعية كانت بعيدة عن القياس المباشر. ففي هذه المواد، لا يكون الإلكترون مجرد جسيم منفرد، بل هو جزء من سلوك جماعي واسع، أشبه برقصة منظمة لا تُفهم إلا بمراقبة المجموعة كلها.
لكن الدراسة لا تخلو من حدود؛ فقد أُجريت في ظروف مختبرية شديدة البرودة، وعلى عينات محددة من مادة واحدة، لذلك لا يمكن نقل النتائج مباشرة إلى أجهزة عملية أو درجات حرارة عادية. كما أن التفسير يعتمد على أطياف ضوئية ونماذج نظرية، لا على تصوير مباشر لحركة كل إلكترون داخل البلورة.
ويشير الباحثون أيضا إلى أن دور العيوب في تثبيت البلورة يحتاج إلى فهم أعمق، خصوصا إذا كان الهدف هو التحكم في هذه الحالات لا مجرد رصدها. كما أن الإشارات المشابهة في حالة "الثقوب" داخل المادة لم تكن حاسمة كليا، بسبب تداخلها مع إشارات أخرى في الطيف.
ومُولت الدراسة من المؤسسة الوطنية السويسرية للعلوم، والمفوضية الأوروبية، ومؤسسة الأبحاث الألمانية، والاتحاد الأوروبي، ووادي ميونيخ الكمي، إضافة إلى دعم ياباني. وأعلن الباحثون عدم وجود تضارب مصالح.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة