"إنها صداقة عظيمة".. بهذه العبارة استقبل بنيامين نتنياهو -رئيس وزراء إسرائيل شبه المعزولة دوليا- رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، والقادم من واحدة من أكبر الدول الأفريقية مساحة وأكثرها ثراء بالموارد الطبيعية.
فالبلد الأفريقي، التي يزيد عدد سكانها على 100 مليون نسمة، تختزن في باطن أراضيها ثروات باتت تمثل وقود الاقتصاد العالمي الجديد، إذ تتصدر إنتاج الكوبالت عالميا، وتعد من كبار منتجي النحاس، كما تمتلك احتياطيات ضخمة من الليثيوم والكولتان والذهب ومعادن نادرة أخرى، تشكل اليوم مكونات لا غنى عنها في الصناعات التكنولوجية والعسكرية المتقدمة، وفي البطاريات والسيارات الكهربائية.
وخلال الزيارة، أمس الثلاثاء، عقد تشيسيكيدي لقاءات مع نتنياهو والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، واتفق الجانبان على توسيع التعاون في مجالات الأمن والدفاع والزراعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والاستثمار.
تركزت مباحثات الرئيس الكونغولي مع المسؤولين الإسرائيليين على تعزيز التعاون الثنائي في عدد من القطاعات الحيوية، شملت الأمن والدفاع، والزراعة والأمن الغذائي، وإدارة المياه، والطاقة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا والابتكار، إلى جانب التدريب والاستثمار وتعميق الشراكة الاقتصادية.
كما تناولت المحادثات التحديات الأمنية التي تواجه الجانبين، فضلا عن تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية وسبل توسيع آفاق التعاون المشترك في مختلف المجالات.
وأكد تشيسيكيدي أن بلاده وإسرائيل ترتبطان بعلاقات ممتدة تتطلع كينشاسا إلى الارتقاء بها، مشيرا إلى أن مباحثاته مع الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ شملت قضايا السلام والأمن إلى جانب الملفات الإقليمية والدولية.
وقال الرئيس الكونغولي إن الجانبين جددا التزامهما بإضفاء بُعد جديد على التعاون الثنائي، مع التركيز على قطاعات الزراعة والأمن الغذائي والمياه والصحة والتكنولوجيا والابتكار والأمن والتدريب والاستثمار، مؤكدا أن بلاده تسعى إلى بناء شراكة حديثة وعملية ومفيدة للطرفين تُقاس بنتائجها الملموسة وانعكاساتها على مصالح الشعبين، لا بعدد الاتفاقيات الموقعة فقط.
من جهته، أكد هرتسوغ استعداد إسرائيل لدعم جمهورية الكونغو الديمقراطية في مواجهة التحديات الإنسانية والتنموية، مشددا على الأهمية التي توليها تل أبيب لعلاقاتها مع كينشاسا.
تمثل زيارة الرئيس الكونغولي إلى إسرائيل خطوة في مسار التقارب بين الجانبين الذي بدأ ينشط في السنوات الأخيرة، كما تعكس حرص تل أبيب على تعزيز حضورها داخل أفريقيا عبر بناء شراكات مع دول تمتلك ثقلا سياسيا واقتصاديا.
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية لأنها تأتي في وقت تواجه فيه إسرائيل ضغوطا وعزلة سياسية متزايدة في العديد من المحافل الدولية، بسبب حرب الإبادة التي تشنها على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ما يدفعها إلى توسيع شبكة تحالفاتها وشركائها داخل القارة السمراء لكسب تأمين أصوات دولية مساندة لها في المحافل الدولية والأمم المتحدة.
كما أن إسرائيل تسعى إلى ترسيخ مكانتها في الصناعات التكنولوجية والعسكرية المتقدمة، ولذا تبرز جمهورية الكونغو الديمقراطية باعتبارها إحدى أهم الساحات الإستراتيجية في العالم بفضل ما تختزنه من ثروات معدنية هائلة تدخل في صلب صناعات المستقبل.
تشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن جمهورية الكونغو الديمقراطية أنتجت نحو 230 ألف طن من الكوبالت خلال عام 2025، بما يعادل قرابة 73% من الإنتاج العالمي، وهو ما يرسخ مكانتها باعتبارها اللاعب المهيمن على واحد من أكثر المعادن الإستراتيجية أهمية في الاقتصاد العالمي الحديث.
وقد فتح هذا الواقع شهية إسرائيل لتعزيز علاقاتها مع الدولة الأفريقية والانفتاح على شراكة أوسع معها، في ظل الأهمية المتزايدة للكوبالت بوصفه مادة أساسية في الصناعات العسكرية الحديثة، فالكوبالت يدخل في تصنيع بطاريات الليثيوم عالية الكفاءة المستخدمة في الطائرات المسيّرة، وأنظمة الاتصالات العسكرية، والمعدات المحمولة للجنود، والأقمار الصناعية، والمركبات العسكرية الكهربائية أو الهجينة.
كما يُستخدم في إنتاج السبائك الفائقة القادرة على تحمل درجات حرارة وضغوط مرتفعة، ما يجعله عنصرا أساسيا في محركات الطائرات المقاتلة والطائرات العسكرية الكبيرة، وتوربينات السفن الحربية، وبعض مكونات الصواريخ. كذلك تدخل السبائك المحتوية على الكوبالت في أنظمة التوجيه والمكونات الإلكترونية المتقدمة والتطبيقات الفضائية ذات الاستخدامات الدفاعية.
كما تمتلك الكونغو الديمقراطية أيضا احتياطيات ضخمة من النحاس، الذي يعد عنصرا محوريا في شبكات الكهرباء ومراكز البيانات والبنية التحتية للطاقة المتجددة وصناعة السيارات الكهربائية.
تنظر الكونغو الديمقراطية إلى إسرائيل باعتبارها شريكا يمكن أن يساهم في دعم أولوياتها الأمنية والتنموية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات متواصلة، ولا سيما في شرقها حيث تنشط جماعات مسلحة وتستمر بؤر الصراع منذ سنوات.
وفي هذا السياق، تسعى كينشاسا إلى الاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في مجالات الأمن والدفاع، بما يشمل القدرات الاستخباراتية، والتكنولوجيا الأمنية، وأنظمة المراقبة، والطائرات المسيّرة، وحماية الحدود، فضلا عن برامج التدريب الأمني والعسكري.
كما ترى الكونغو الديمقراطية في إسرائيل شريكا متقدما في عدد من القطاعات الحيوية ذات الأولوية، من بينها الزراعة الحديثة، والأمن الغذائي، وإدارة المياه، والتكنولوجيا والابتكار، والشركات الناشئة، والاقتصاد الرقمي.
وعكس الرئيس فيليكس تشيسيكيدي هذا التوجه بقوله: "أكدت نقاشاتنا التزامنا المشترك بإعطاء بُعد جديد للتعاون بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ودولة إسرائيل، لا سيما في مجالات الزراعة والأمن الغذائي، والمياه، والصحة، والتكنولوجيا والابتكار، والأمن، والتدريب، والاستثمار".
وأضاف "طموحنا هو بناء شراكة حديثة وعملية ومفيدة للطرفين مع إسرائيل، شراكة لا تُقاس فقط بالاتفاقيات التي نوقعها، بل بتنفيذها والنتائج التي تحققها لشعبينا".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة