كشفت دراسة جديدة عن تجاهل السجلات المناخية العالمية والصور الصادرة عن الأقمار الاصطناعية نسبة ليست قليلة من الانبعاثات الصادرة عن حقول النفط والغاز في الشرق الأوسط وقارة أفريقيا.
حسب الدراسة التي نشرت يوم 31 يوليو/تموز في مجلة "ساينس أدفانسز"، فإن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في أفريقيا والشرق الأوسط قد تكون أعلى بنحو 30% مما تذكره قواعد البيانات العالمية المعتمدة.
ترجع الدراسة السبب إلى تأخر الإبلاغ أو ضعف البيانات إضافة إلى غياب بعض مصادر الانبعاثات من الحسابات، خاصة تلك المرتبطة بالبنية التحتية للنفط والغاز.
يقول تشو ليو، أستاذ علوم الأرض بجامعة تسينغهوا في الصين والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن المشكلة الأساسية هي أن "العالم لا يستطيع إدارة ما لا يراه بدقة". فخطط خفض الانبعاثات تعتمد على قوائم وطنية يفترض أن تصف حجم التلوث الكربوني بدقة. لكن إذا كانت نقطة البداية ناقصة، فقد تكون الأهداف المناخية نفسها مبنية على أرض غير ثابتة.
استخدم الباحثون طريقة غير مباشرة لقراءة الانبعاثات من الفضاء، فالأقمار الصناعية لا تلتقط ثاني أكسيد الكربون بسهولة وبكثافة مكانية وزمنية كافية في كل المناطق.
لذلك اعتمد الفريق على غاز آخر يخرج غالبا مع النشاط البشري نفسه: أكاسيد النيتروجين، وهذه الغازات تظهر بوضوح أكبر في بيانات جهاز "تروبومي" على القمر الصناعي "سينتينال 5 بي".
بعد ذلك، عزل الباحثون الجزء البشري من انبعاثات أكاسيد النيتروجين، مستبعدين ما يأتي من التربة والحرائق، ثم استخدموا العلاقة بين أكاسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكربون لتقدير الانبعاثات الكربونية.
وبذلك صنعوا خريطة بديلة لا تعتمد فقط على إحصاءات الوقود والطاقة التي تجمعها الدول والشركات، بل على إشارات جوية يلتقطها القمر الصناعي من أعلى، وفقا لتصريحات تشو للجزيرة نت.
يقول الباحث: "لم يحاول الفريق رؤية ثاني أكسيد الكربون مباشرة في كل مكان، بل تتبع غازا مرافقا له، ثم استخدمه كدليل على مصادر الانبعاثات التي قد تغيب عن الجداول التقليدية".
وكانت النتائج لافتة، بحسب الفريق، ففي عام 2019، قدر الفريق انبعاثات شمال أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا معا بنحو 7.2 مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا، مقابل 6.3 مليارات طن في متوسط 5 قواعد بيانات عالمية. وكانت الفجوة أكبر في أفريقيا والشرق الأوسط، إذ بلغت نحو 28% في أفريقيا و30% في الشرق الأوسط، بينما كانت أقل في أوروبا، عند نحو 15%.
كانت إيران ومصر والعراق والجزائر بين أبرز الحالات. ويقول تشو إن الفريق قدر أن القوائم التقليدية تقلل انبعاثات مصر بنحو 262 مليون طن سنويا، أي حوالي 50%، والعراق بنحو 190 مليون طن، أي 51%، وإيران بنحو 314 مليون طن، أي 34%، والجزائر بنحو 114 مليون طن، أي 45%.
ولا تتوقف المشكلة عند حقول النفط والغاز، فالدراسة تشير أيضا إلى أن قطاع النقل قد يكون أقل تمثيلا في قوائم ثاني أكسيد الكربون في بعض الدول، مقارنة بما يظهر في بيانات أكاسيد النيتروجين، إذ يقول المؤلف الرئيسي للدراسة إن "السيارات والشاحنات والأنشطة الحضرية قد تضيف إلى الانبعاثات أكثر مما تقوله السجلات الحالية".
ويرى تشو وفريقه أن لهذا النقص أثرا سياسيا مباشرا، فعندما طبق الباحثون فجوة الانبعاثات على مسارات تحقيق التعهدات المناخية لعام 2030، وجدوا أن المنطقة قد تتأخر في بلوغ أهدافها بنحو 5.2 سنوات. وقد يكون التأخر أكبر في دول بعينها، مثل الجزائر ومصر ونيجيريا، إذا لم تصحح نقطة البداية التي تبنى عليها خطط الخفض.
لكن الدراسة ليست بلا حدود، فهي تعتمد على علاقة بين أكاسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكربون، وهذه العلاقة مستمدة جزئيا من قواعد بيانات قائمة قد تحمل أخطاء، خاصة في الدول النامية. لذلك فإن الطريقة لا تلغي الحاجة إلى قوائم وطنية أفضل، بل تكشف أين قد تكون هذه القوائم ناقصة وتحتاج إلى مراجعة.
كما أن القمر الصناعي يمر مرة واحدة تقريبا في اليوم، حوالي الساعة 1:30 ظهرا بالتوقيت المحلي، ما يعني أنه ربما لا يرى كل تغيرات الانبعاثات خلال اليوم. فالانبعاثات قد تختلف بين الليل والنهار، أو بين أيام العمل والعطلات، أو حسب تشغيل المنشآت الصناعية وحركة النقل. كذلك تبقى تقديرات مصادر النفط والغاز حساسة لاختيار معامل التحويل بين أكاسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكربون.
وعن التمويل، فقد مولت الدراسة من البرنامج الوطني الصيني للبحث والتطوير، والمؤسسة الوطنية للعلوم الطبيعية في الصين، وبرنامج التحول نحو حياد الكربون ونظم الطاقة. وأعلن الباحثون عدم وجود تضارب مصالح.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة