في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كشفت دراسة جديدة عن خدعة بصرية دقيقة تقوم بها بعض أزهار زنبق الفراشة في سهول جنوب أفريقيا. إذ تبدو الزهرة من بعيد عادية، تتكون من بتلات صفراء أو وردية، وأسدية بارزة، وقلم أنثوي رفيع ينتهي بالميسم. لكن عند الاقتراب، تمد بعض الأزهار عضوها الأنثوي إلى اليسار، بينما تنحني سداة رئيسية إلى اليمين. وفي نباتات أخرى، يحدث العكس تماما، كأن الزهرة تنظر في مرآة.
حسب الدراسة التي نشرت يوم 30 يوليو/تموز في مجلة "ساينس" (Science) فإن هذا السلوك ليس سلوكا عشوائيا؛ ويرجح الباحثون أن هذا الاختلاف بين "زهور يمينية" و"زهور يسارية" يخدم هدفا مهما: مساعدة النبات على نقل حبوب اللقاح بكفاءة بين الأشكال المتعاكسة، وتقليل التلقيح الذاتي.
يقول مايكل لينهارد، أستاذ علم الوراثة بجامعة بوتسدام في ألمانيا والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن هذه الأزهار تمثل مثالا طبيعيا نادرا على كيفية بناء اليسار واليمين داخل الكائنات الحية.
ويشرح: "في أزهار زنبق الفراشة من جنسي "الواشندرفية" و"باربريتا" ، يقف العضو الأنثوي، أو القلم، في جانب، بينما تقف السداة المقابلة في الجانب الآخر. وعندما تزور الحشرة الزهرة، تضع الزهرة حبوب اللقاح على موضع محدد من جسمها؛ ثم تنقل الحشرة هذه الحبوب إلى زهرة من الشكل المعاكس، حيث يكون الميسم في المكان المناسب لاستقبالها".
يوضح مايكل في تصريحات للجزيرة نت أن كل شكل زهري يكمل الشكل الآخر. فالزهرة اليمينية تضع اللقاح في مكان يناسب الزهرة اليسارية، والعكس بالعكس. وبهذه الطريقة، تزيد فرصة انتقال حبوب اللقاح بين أفراد مختلفة، بدل أن تعود إلى الزهرة نفسها أو إلى زهرة من الشكل ذاته.
جمع الفريق بين تصوير تطور البراعم، والنمذجة الميكانيكية، وتحليل الجينوم، ودراسة طفرات طبيعية نادرة. ووجد الباحثون أن انحناء القلم والسداة لا يحدث بمجرد انثناء بسيط، بل نتيجة تفاعل بين عاملين: التواء داخلي في نسيج العضو، واستجابة للجاذبية في أثناء تفتح الزهرة.
وهذا يعني – وفقا للمؤلف الرئيسي للدراسة – أن الزهرة لا تحدد اليمين واليسار من داخلها فقط، بل تستخدم الجاذبية كمرجع خارجي. فالجينات والأنسجة تصنع قابلية الالتواء والانحناء، لكن اتجاه هذا الانحناء يتحدد جزئيا بحسب موقع الزهرة بالنسبة إلى الأرض.
بعد ذلك وصل الباحثون إلى المفتاح الجيني؛ فقد وجدوا منطقة كبيرة في الجينوم، موجودة فقط في النباتات ذات الأزهار اليمينية، وغائبة عن النباتات اليسارية. هذه المنطقة تعمل كـ"جين فائق" ؛ أي قطعة جينومية تضم أكثر من جين، وتورث كوحدة واحدة لأن إعادة الخلط الوراثي فيها محدودة.
داخل هذه المنطقة، حدد الفريق جينين مرشحين أساسيين، أحدهما ينشط في القلم الأنثوي، ويرتبط بتوجيهه إلى اليمين؛ في حين ينشط الثاني في خيط السداة المقابلة، ويرتبط بإنتاج هرمون الأوكسين وتوجيه السداة إلى اليسار. وبهذه الطريقة، يضمن الجين الفائق أن يرث النبات وضعا متناسقا: القلم في جانب، والسداة في الجانب الآخر.
رغم النتيجة التي تبدو مبهرة، لكن الدراسة لا تخلو من حدود؛ إذ ما زال الباحثون لا يستطيعون تعديل جينات "الواشندرفية" مباشرة بالتحويل الوراثي أو إسكات الجينات.
كما أن المصدر الفيزيائي الدقيق للالتواء الداخلي في الأنسجة لم يحسم بعد. ويقترح الباحثون أن ألياف السليلوز الدقيقة في جدران الخلايا قد تكون جزءا من القصة، لأنها قد توجه نمو الخلايا في اتجاهات معينة، لكن هذا التفسير يحتاج إلى اختبارات إضافية لإثباته، وفقا للدراسة.
مولت الدراسة من برنامج "هيومان فرونتير ساينس بروجرام" ، إضافة إلى "زمالة هاري كروسلي ريسرش" . وأعلن الباحثون عدم وجود تضارب مصالح.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة