لا ينظر العلماء إلى كسوف 12 أغسطس/آب بوصفه مشهداً سماوياً مبهراً فحسب، بل اختباراً نادراً لنماذجهم عن هالة الشمس ورياحها وعواصفها. وبين الرصد الأرضي وبيانات مسبار شارك علماء ألمان في تطوير أجهزته، يبدأ سباق علمي لا يستمر سوى دقائق.
يشكل كسوف الشمس فرصة مهمة للعلماء لاختبار ما يعرفونه عن أقرب النجوم إلى الأرض، والتأكد من صحة نماذجهم المتعلقة بمجاله المغناطيسي وهالته الخارجية والرياح الشمسية المنبعثة منه.
وخلال الكسوف المنتظر في 12 أغسطس/آب 2026، سيحجب القمر قرص الشمس كلياً في أجزاء من أوروبا، فيما ستشاهد دول أخرى الظاهرة بصورة جزئية، من بينها ألمانيا وفرنسا.
وسيكون أمام العلماء في بعض المواقع الإسبانية نحو دقيقة وأربعين ثانية لجمع أكبر قدر ممكن من الصور والقياسات، ثم مقارنتها بالبيانات التي تسجلها الأقمار والمسابير الفضائية.
يمر مسار الكسوف الكلي عبر غرينلاند وآيسلندا وشمال إسبانيا وجزء صغير من شمال شرقي البرتغال، قبل أن يصل إلى جزر البليار.
وستكون إسبانيا أبرز موقع أوروبي لدراسة الظاهرة، إذ يمتد مسار الكسوف عبر مناطق من بينها أوفييدو وبورغوس وصولاً إلى جزيرة مايوركا. أما في ألمانيا فسيكون الكسوف جزئياً، لكنه سيحجب نسبة كبيرة من قرص الشمس.
وبحسب مؤسسة القبة السماوية في برلين، يبدأ الكسوف الجزئي في العاصمة الألمانية نحو الساعة 19:15، ويصل إلى ذروته قرابة الساعة 20:08، عندما يغطي القمر نحو 85 بالمئة من قرص الشمس. وترتفع نسبة الاحتجاب كلما اتجه المراقب إلى جنوب ألمانيا وغربها.
وسيحدث الكسوف قبيل غروب الشمس، ولذلك يحتاج الراغبون في مشاهدته داخل ألمانيا إلى موقع مرتفع أو مكان مفتوح يتمتع برؤية واضحة باتجاه الأفق الغربي.
يركز الباحثون خلال الكسوف على فهم الآليات الفيزيائية التي تقف وراء نشاط الشمس وتطورها منذ نشأتها. فالشمس ليست كرة ضوئية ثابتة، بل نجم نشط يطلق باستمرار مواد وجسيمات كهربائية مشحونة. وقد تنتج عنه أحياناً انفجارات وعواصف هائلة تمتد مئات آلاف الكيلومترات في الفضاء.
ويتبع النشاط الشمسي دورة تستمر نحو 11 عاماً، تتغير خلالها أعداد البقع الشمسية والانفجارات وقوة المجال المغناطيسي. ولذلك توفر كل ظاهرة كسوف فرصة لرصد الشمس في مرحلة مختلفة من دورتها.
وتكتسب هذه الدراسات أهمية مباشرة بالنسبة إلى الأرض، لأن العواصف الشمسية القوية يمكن أن تؤثر في الأقمار الاصطناعية والاتصالات وأنظمة الملاحة، وفي الحالات الشديدة في شبكات الكهرباء .
سيركز علماء الفيزياء الفلكية في هيئة الطاقة الذرية والطاقات البديلة الفرنسية على الهالة الشمسية، وهي الطبقة الخارجية من الغلاف الجوي للشمس. ويأمل الباحثون أيضاً في رصد «الكروموسفير»، وهي طبقة رقيقة تقع فوق سطح الشمس وتحت الهالة الخارجية. وتعد هذه المنطقة مهمة لفهم الطريقة التي تنتقل بها الطاقة والحرارة من سطح الشمس إلى طبقاتها العليا.
وتقل كثافة الهالة بنحو مليون مرة عن كثافة القرص المرئي للشمس، لكنها تمتد لأكثر من عشرة ملايين كيلومتر، وقد تصل حرارتها إلى نحو مليوني درجة مئوية.
ويثير ذلك أحد أبرز ألغاز الفيزياء الفلكية: كيف تكون الهالة الخارجية أكثر حرارة بمئات المرات من سطح الشمس نفسه؟
في الظروف العادية، يحجب الضوء الشديد الصادر عن قرص الشمس معظم تفاصيل الهالة. أما أثناء الكسوف الكلي، فيعمل القمر مثل قناع طبيعي يحجب القرص المضيء ويتيح للعلماء رؤية المناطق المحيطة به.
وعندما لا يحدث كسوف طبيعي، يستخدم العلماء أجهزة تسمى «كورونوغراف»، تعمل على حجب قرص الشمس صناعياً حتى يمكن تصوير هالتها.
لكن الكسوف الكلي يسمح للباحثين بالاقتراب بصرياً من حافة الشمس أكثر مما تتيحه معظم هذه الأجهزة، وبذلك يكشف مناطق قريبة من سطحها يصعب رصدها في الظروف العادية.
ليست هذه المرة الأولى التي يتحول فيها كسوف الشمس إلى مختبر علمي. ففي 29 مايو/أيار 1919، قاد عالم الفلك البريطاني آرثر إدينغتون بعثة إلى جزيرة برينسيبي قبالة الساحل الإفريقي لرصد كسوف كلي، بالتزامن مع بعثة أخرى في البرازيل.
وقاس العلماء مواقع نجوم ظهرت قرب الشمس أثناء الكسوف، ولاحظوا أن ضوءها انحرف بفعل جاذبية الشمس، كما تنبأت نظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين.
تحذر وكالة الفضاء الأوروبية من النظر مباشرة إلى الشمس خلال الكسوف الجزئي، حتى عندما يكون معظم قرصها محجوباً. فالنسبة الصغيرة المتبقية من الضوء تكفي لإحداث أضرار خطيرة ودائمة في شبكية العين.
ولا توفر النظارات الشمسية العادية حماية كافية، بل يجب استخدام نظارات كسوف معتمدة. كما ينبغي عدم النظر إلى الشمس عبر كاميرا أو منظار أو تلسكوب من دون مرشحات شمسية مخصصة.
المصدر:
DW