آخر الأخبار

بوساطة عربية.. محاولة لإنهاء خصام تاريخي بين النسبية وميكانيكا الكم

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

طرح فريق بحثي بقيادة عربية، نموذجا رياضيا جديدا قد يساعد في تضييق الفجوة بين نظريتين طالما بدتا متعارضتين، وهما النسبية العامة التي تفسر سلوك الكون على المقاييس الكونية، وميكانيكا الكم التي تحكم عالم الجسيمات الدقيقة.

ويعتمد البحث المنشور حديثا في دورية "نيوكلير فيزيكس بي" (Nuclear Physics B) على تصور موسع للزمكان لا يقتصر على المكان والزمان فحسب، بل يشمل أيضا الطاقة والحركة، ما قد يفتح آفاقا جديدة لفهم طبيعة الكون عند أصغر المقاييس وأشدها تطرفاً، مثل الثقوب السوداء واللحظات الأولى لنشأة الكون.

ولفهم الفكرة، نبدأ الحكاية من زمن بعيد، عندما قدم العالم إسحاق نيوتن تصورا للكون يعتمد على أنه مسرح ثابت لا يتغير، وأن الكواكب والنجوم والمجرات ليست سوى ممثلين يتحركون فوق خشبته من دون أن يؤثروا فيها.

لكن في مطلع القرن العشرين، جاء ألبرت أينشتاين ليقلب هذه الصورة رأسا على عقب، فقد اقترحت نظريته النسبية العامة أن هذا المسرح ليس أرضية صلبة جامدة، بل أشبه بقطعة قماش مطاطية مشدودة. فإذا وضعت عليها كرة ثقيلة، مثل الشمس، انحنت القماشة تحت تأثيرها، وما نراه نحن على أنه "جاذبية" ليس سوى حركة الأجرام الأخرى داخل هذا الانحناء.

وأطلق أينشتاين على هذا النسيج اسم "الزمكان"، أي اتحاد المكان والزمان في كيان واحد، لتصبح هذه الفكرة إحدى أعظم الثورات في تاريخ الفيزياء.

مصدر الصورة ألبرت أينشتاين (دويتشه فيله)

عقدة ميكانيكا الكم

نجحت النسبية العامة نجاحا باهرا في تفسير حركة الكواكب والنجوم والمجرات، لكنها واجهت تحديا كبيرا عندما حاول العلماء تطبيقها على العالم المجهري شديد الصغر، عالم الإلكترونات والكواركات والجسيمات الأولية، الذي تحكمه ميكانيكا الكم.

في هذا العالم لا توجد مسارات ناعمة ومستقرة كما في عالمنا المألوف، بل تظهر الجسيمات في صورة احتمالات وتقلبات مستمرة، ويخضع سلوكها لما يُعرف بـ"مبدأ اللايقين"، الذي يضع حدودا أساسية على دقة قياس بعض الخصائص الفيزيائية في الوقت نفسه.

إعلان

ومنذ أكثر من قرن، يحاول الفيزيائيون التوفيق بين هاتين الصورتين المختلفتين للكون. فالنسبية العامة تصف الزمكان بوصفه نسيجا هندسيا متصلا وسلسا، بينما تصف ميكانيكا الكم العالم المجهري بلغة الاحتمالات والتقلبات الكمية.

وقد أدى هذا التعارض إلى ظهور مشكلات رياضية معقدة، أبرزها ما يُعرف بـ"التفردات"، وهي الحالات التي تشير فيها المعادلات إلى أن بعض الكميات الفيزيائية تصبح غير معرفة أو تتجه نحو اللانهاية، كما يحدث في النماذج النظرية للثقوب السوداء أو عند بداية الكون.

مصدر الصورة الدكتور عبد الناصر توفيق قائد الفريق البحثي (عبد الناصر توفيق)

البحث عن مسرح أكبر

وتبدأ هنا الفكرة التي يطرحها الدكتور عبد الناصر توفيق، الأستاذ بجامعة الأهرام الكندية في القاهرة والأستاذ الزائر بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وفريقه البحثي في الدراسة الجديدة، فبدلا من محاولة وصف العالم الكمومي داخل إطار الزمكان التقليدي ذي الأبعاد الأربعة، تساءل: لماذا نفترض أن هندسة الكون تعتمد فقط على المكان والزمان؟ ماذا لو كانت تتأثر أيضاً بالحركة والطاقة والزخم؟

ومن هذا المنطلق ينتقل النموذج الرياضي إلى ما يُعرف بـ"فضاء الطور"، وهو فضاء رياضي أوسع يضم ثمانية أبعاد، تجمع بين المكان والزمان والطاقة والحركة في إطار هندسي واحد.

وقدم الباحثون بقيادة عبد الناصر نموذجا يعتمد على أدوات رياضية متقدمة مستمدة من هندسة فينسلر وهندسة هاميلتون، بهدف بناء وصف أكثر شمولا للزمكان عند المقاييس الكمية.

مصدر الصورة الفرضية الجديدة تطرح تصورا موسعا للزمكان يسمح بدراسة الظواهر المتطرفة كالثقوب السوداء (شترستوك)

محاولة أكثر اكتمالا

ويقول عبد الناصر للجزيرة نت: "تختلف هذه المحاولة عن المحاولات السابقة التي قمت بها للتوفيق بين الجاذبية وميكانيكا الكم، في أنها توسع نطاق النموذج الرياضي المستخدم، فبدلاً من الاقتصار على الزمكان التقليدي ذي الأبعاد الأربعة، يعتمد البحث على ما يُعرف بـ"فضاء الطور" ذي الأبعاد الثمانية، والذي يضم المكان والزمان والحركة والطاقة في إطار واحد".

ويضيف: "كما يقدم البحث وصفا رياضيا أكثر شمولا لبنية الزمكان الكمومية، دون الاعتماد على بعض الفرضيات والتقريبات التي استخدمت في أعمال سابقة".

ويرى أن هذه المقاربة تمثل خطوة إضافية نحو بناء نموذج هندسي متكامل يجمع بين الجاذبية والفيزياء الكمية.

ويختلف هذا الطرح أيضاً عن أبرز نظريات الجاذبية الكمومية المطروحة حاليا، فبينما تفترض نظرية الأوتار أن اللبنات الأساسية للطبيعة هي أوتار دقيقة مهتزة في أبعاد إضافية، وترى الجاذبية الكمومية الحلقية أن الزمكان يتكون من بنية شبكية منفصلة، يعتمد البحث الجديد على تطوير الأدوات الهندسية المستخدمة لوصف الكون نفسه، كما يوضح د. عبد الناصر.

وتكمن الفكرة الرئيسية في توسيع الهندسة التقليدية للزمكان بحيث تشمل تأثيرات الحركة والطاقة، مع ربط البنية الهندسية للكون بحالة الراصد أو الجسيم الذي تتم دراسته. ويأمل د. عبد الناصر أن يساهم هذا النهج في توفير إطار هندسي موحد يقرب بين النسبية العامة وميكانيكا الكم.

حكاية الطريق المطاطي

ولتبسيط الفكرة التي يقدمها الإطار الهندسي الجديد، يمكن تخيل طريق ذكي يتغير تبعاً لخصائص المركبات التي تسير عليه.

إعلان

في نموذج أينشتاين، يتحدد انحناء الطريق أساسا بكتلة الجسم الموجود عليه. أما في النموذج الجديد، فإن الطريق لا يتأثر بالكتلة وحدها، بل يستجيب أيضا لسرعة الجسم وطاقته.

فإذا تحركت السيارة بسرعة عادية بدا الطريق مستويا تقريبا، أما إذا اقتربت سرعتها من سرعة الضوء فإن خصائص الطريق نفسها تبدأ في التغير.

ويعكس هذا التشبيه فكرة أن هندسة الكون قد لا تعتمد فقط على مواقع الأجسام، بل قد تتأثر أيضاً بحالتها الحركية وطاقتها.

مصدر الصورة قد تفتح الفرضية آفاقا جديدة لفهم طبيعة الزمكان والجاذبية على المقاييس الكمية (مايكل مانجري)

الكون والبكسلات الخفية

ثمة مشكلة أخرى تواجه الفيزياء الحديثة، وهي أن النسبية العامة، تقود في بعض الحالات القصوى مثل الثقوب السوداء، إلى تفردات رياضية تتوقف عندها قدرتنا الحالية على وصف الطبيعة بدقة.

ولشرح الحل المقترح، يمكن تشبيه الأمر بصورة رقمية عالية الدقة، فمن بعيد تبدو الصورة ناعمة ومتجانسة، لكن عند تكبيرها بدرجة كبيرة جداً نكتشف أنها مكونة من وحدات صغيرة منفصلة تُعرف بالبكسلات.

ويقترح البحث أن للكون "حجما أدنى" لا يمكن تجاوزه، تماما كما لا يمكن تكبير الصورة الرقمية إلى ما لا نهاية بسبب وجود البكسلات التي تتكون منها.

ووفقاً لهذا التصور، قد يصبح من المستحيل أن تنهار المادة إلى نقطة حجمها صفر، وهو ما قد يخفف من مشكلة التفردات التي تظهر في نماذج الثقوب السوداء ولحظات نشأة الكون الأولى.

ويقدم النموذج تصورا آخر مثيرا للاهتمام، يتمثل في أن هندسة الكون قد تعتمد على مستوى الطاقة الذي نستخدمه لاستكشافه.

ولتقريب الفكرة، تخيل شخصين يسيران في الشارع نفسه، الأول يرتدي نظارة عادية، فيرى الطريق مستويا وناعماً. أما الثاني فيرتدي نظارة فائقة الدقة تكشف أدق التفاصيل، فيرى نتوءات وتجاعيد مجهرية لا يلاحظها الشخص الأول.

وبالمثل، يقترح النموذج أن الجسيمات ذات الطاقات المختلفة قد ترى البنية الهندسية للكون بصورة مختلفة، بحيث تظهر تفاصيل جديدة عند مستويات الطاقة العالية جداً.

بيت أكبر للفيزياء

ويشدد عبد الناصر على أن هذا الطرح لا يسعى إلى إلغاء ما قدمه أينشتاين، بل إلى توسيع الإطار الهندسي الذي تعمل ضمنه النسبية العامة.

فكما أظهرت النسبية أن المكان والزمان ليسا كيانين منفصلين وثابتين، بل جزءان من نسيج واحد ديناميكي، تقترح هذه المقاربة أن خصائص هذا النسيج نفسه قد تعتمد أيضاً على الطاقة والحركة والزخم.

ويضيف أن "هذا العمل يمثل محاولة رياضية جديدة للتقريب بين النسبية العامة وميكانيكا الكم، وهي القضية التي ما زالت تُعد أحد أكبر التحديات في الفيزياء الحديثة".

وبالطبع يظل الطريق طويلا قبل التحقق التجريبي من مثل هذه الأفكار، إلا أنها بالتأكيد قد تفتح آفاقا جديدة لفهم طبيعة الزمكان والجاذبية على المقاييس الكمية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار