آخر الأخبار

خبراء يجيبون الجزيرة نت: هل تثق الجماهير العربية بالعلم والعلماء؟

شارك

في الأول من يوليو/تموز نشرت دورية نيتشر (Nature) العالمية مقالا افتتاحيا بعنوان "الحقيقة المعقدة حول الثقة في العلم"، وخلص المقال إلى أن ثقة الجماهير في العلم لم تنهر، لكن العلماء لديهم مشكلات ملحة يتعين عليهم معالجتها.

وفي اليوم ذاته خصصت الدورية عددا خاصا نشرت فيه مقالات أخرى تجيب عن أسئلة متعلقة بثقة الجماهير في العلوم؛ مما يدفعنا للتساؤل أيضاً، هل تثق الجماهير العربية بالعلم والعلماء؟

مصدر الصورة يقول الخبراء إن العلم يجب أن يمتلك تطبيقات تفيد الجمهور بشكل واضح (شترستوك)

دور للعلم

وفي تصريح خاص للجزيرة نت عن ثقة الجماهير العربية بالعلم والعلماء يقول الدكتور محمد ثروت حسن، أستاذ الفيزياء في جامعة أريزونا الأمريكية: "بشكل كبير، تثق الجماهير بشكل عام وفي كل الدول في العلم والعلماء وخصوصا إذا كانت المجتمعات مهتمة بالتعليم وتوجد بها نسبة تعليم جيدة، فهذا الأمر هو الذي يؤدي إلى الثقة في العلم والعلماء".

ويضيف: "لكن في الوقت عينه يظهر في بعض المجتمعات بعض مدعي العلم، ونحن نشاهد هذا في مجتمعات كثيرة وليس فقط في المجتمعات العربية، ولكن أيضا في المجتمعات الغربية، حيث سنجد أن هذه الخرافات تدفع الجماهير في النهاية لسؤال العلماء".

وحول قدرة العلم على المساهمة في حل مشكلات المنطقة العربية يقول محمد إن العلم ليس عصا سحرية قادرة على حل جميع المشكلات الموجودة في أي مجتمع، ولكن العلم يساهم بشكل كبير في تقدم المجتمع، ومن الممكن أن يحل بعض المشكلات الاقتصادية أو الصناعية التي يواجهها مجتمع ما، عن طريق التمويل في أبحاث علمية بغرض حل مشكلة معينة، قد تكون هذه المشكلة مشكلة جفاف أو طاقة أو أي مشكلة أخرى، لكن العلم ليس عصا سحرية قادرة على حل كل مشكلة.

ولكن التاريخ يظهر لنا، بحسب محمد، أن تقدم أي مجتمع بشكل كبير يكون مصاحبا له تقدم علمي بشكل أكبر، وفي الوقت الحالي يظهر هذا بشكل واضح في التقدم الاقتصادي الذي حدث في الصين وصاحبه تقدم علمي ساهم في تغير الخريطة العلمية العالمية حاليا، حيث أصبحت الصين تفرض نفسها بقوة.

إعلان

ويضيف: "دائما نرى أن تقدم وقوة أي مجتمع أو دولة على مر العصور كان يصاحبه تقدم هذه الأمة في النواحي العلمية، فهناك ارتباط بين الأمرين، ولكن عندما يتم استخدام العلم بشكل صحيح في حل مشكلات معينة موجودة في المجتمع".

وعن أهمية ثقة الجماهير في العلم والعلماء يقول محمد إن هذا الأمر يمثل أهمية كبيرة لأن الفكرة الأساسية هي "ما الهدف الأساسي للعلم"، الهدف من العلم أولا هو المعرفة، أما الهدف الثاني فهو تسهيل حياة المجتمعات والناس والبشرية، أو مساعدتهم في إيجاد حلول لمشكلات مرضية أو غيرها، وإذا لم يكن هناك جسر من الثقة مبني بين العلماء والجماهير، فكيف ستصدق الجماهير العلماء وكيف ستستفيد من التقدم أو المعرفة؟

وينوه العالم المصري إلى نقطة مهمة، وهي أن العلم قائم على فكرة الإثبات بالدليل، فالباحث يقوم ببعض الأبحاث حول نقطة معينة من أجل الوصول إلى نتيجة، لكن هل هذه النتيجة تعتبر نهائية؟

الإجابة هي لا، كما يوضح محمد؛ فلابد أن يتم تأكيدها بمجموعة من الأبحاث الأخرى، وبمجموعات بحثية مستقلة، حتى نستطيع أن نعتمد هذه النتيجة كمسلمات، وهذا مثلا سبب أن أبحاث الأدوية تأخذ سنوات طويلة قبل أن تبدأ نتائجها في الظهور بشكل واضح وتصبح موثوقا فيها.

العلم في هذا السياق، رحلة لاستكشاف المجهول من أجل زيادة المعرفة المقدمة للجماهير وللشعوب، فلابد أن تكون هناك ثقة متبادلة، ولابد أن يكون هناك نوع من التواصل، بمعنى أن العلم لا ينتج بغرض بقائه في المعمل، فإنتاج العلم يكون بغرض أن نتواصل به ونخبر الجماهير بما نفعله في المعامل وما الذي توصلنا إليه، وبعدها يتم تأكيد هذا الكلام ويتم استخدامه في إفادة البشرية.

مصدر الصورة اهتمام الجمهور بالعلم أساسي لتقدم المجتمعات (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ثقة في العلماء

وفي تصريح خاص للجزيرة نت يقول الدكتور وائل الدليمي، أستاذ الصحة العامة في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، ورئيس مجلس إدارة جمعية النهوض بالعلوم والتكنولوجيا في العالم العربي، إن الجماهير العربية بشكل عام لديها ثقة بالعلم والعلماء مقارنة بالشعوب الأخرى بحسب تجربته العلمية والبحثية في عدة بلدان حول العالم، وربما هذا بسبب التاريخ العريق للعلم والعلماء في الحضارة الإسلامية التي سبقت الثورة الصناعية والعلمية في أوروبا وباقي العالم.

ولكن بعض العلماء العرب ليس لديهم خبرة في التعامل مع الجماهير من ناحية تفسير النتائج العلمية إلى تطبيقات عملية، بحسب الباحث، وهذا بسبب عدم وجود تدريب للعلماء في مراحل دراستهم بكيفية التعامل مع عامة الناس وترجمة النتائج البحثية بشكل مبسط ومفهوم وعملي، مما يولد نوعا من الحواجز بين العلم والعلماء والجماهير العربية، بحسب الباحث.

ويضيف: "من الممكن أن يساهم العلم في حل مشكلات المنطقة العربية مثلما ساهم في تقدم كل الدول المتقدمة الآن في الغرب وفي الشرق. ولكي نصل إلى هذه المرحلة يجب أن يكون كل مشروع بحثي ملزما بأن تكون له تطبيقات عملية على المدى القصير والمتوسط أو البعيد، وبذلك تتم ترجمة المشاريع العلمية والأبحاث إلى تطبيقات عملية يمكن الاستفادة منها في بناء المجتمع المتقدم، وهذا ما حدث في أوروبا وأمريكا ودول آسيوية مثل سنغافورة وماليزيا والآن الصين".

إعلان

ويضرب وائل مثالا بشركة "بي واي دي" الصينية التي أصبحت رائدة في تطوير البطاريات الكهربائية للسيارات، ويضيف أن الأمثلة على ذلك كثيرة، ويقول: "مثلا نحن لدينا مركز بحثي في الأردن يساهم فيه 30 باحثا من خمس جامعات أمريكية وأردنية يهدف لإيجاد حلول علمية وتطبيقات عملية لتحلية المياه الجوفية المالحة وتزويد السكان المحتاجين للمياه ومن ثم قياس التأثيرات الصحية والجدوى الاقتصادية لمثل هذا المشروع لكي يتم تعميمها على باقي الأردن ومناطق العالم الأخرى التي تعاني من زيادة الملوحة في المياه الجوفية. وأحد أهداف المشروع هو التوعية بمخرجات هذا المشروع وإشراك الصحافة وأصحاب القرار السياسي فيه خلال مراحل المشروع من بدايته إلى انطلاقه وتطبيقه".

ويقول وائل إن ثقة الجمهور بالعلم والعلماء هي من أسباب نجاح العلم والعلماء لأن العلم إذا بقي في الكتب والمكتبات ولم تتم ترجمته إلى نتائج ملموسة للجماهير سيفقد قيمته، وهذا للأسف حال أغلب الأبحاث العلمية في مناطقنا العربية".

ويضيف: "ومما زاد الطين بلة منصات التواصل الاجتماعي التي يستطيع فيها أي شخص -حتى ولو كان جاهلا بالاختصاص العلمي الذي يتحدث عنه- أن يقنع الجماهير العربية بمعلومات غير علمية وغير دقيقة، وفي بعض الأحيان مضرة كما حدث في جائحة كوفيد-19 وترويج الأفكار الغريبة ونظريات المؤامرة ضد الإرشادات والنصائح الطبية لمنع نشر الوباء؛ مما أدى إلى وفيات بسبب انتشار المرض في بعض المناطق التي كان يمكن منع انتشاره فيها".

ويوضح: "لذلك نحن نحتاج إلى زيادة تبادل الثقة بين العلماء والجماهير وإدخال مناهج لتدريب العلماء والباحثين في مراحل دراستهم في الجامعات على كيفية التعامل وترجمة أبحاثهم إلى نتائج علمية ملموسة، بل وحتى التخطيط للمشروع من بدايته ليكون له نتائج عملية على المدى القصير والمتوسط أو البعيد".

مصدر الصورة بإمكان العلم تحسين حياة الناس وتوسيع المعرفة البشرية (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

هل تثق شعوب العالم بالعلم؟

وفقا للمقال الافتتاحي الذي خصصته دورية نيتشر للحديث عن الثقة بالعلم، فإن بإمكان العلم تحسين حياة الناس وتوسيع المعرفة البشرية، إذا ما حظي بدعم شعبي قوي. ومع ذلك ثمة قلق كبير من تآكل هذه الثقة. إلا أن ثقة الجمهور بالعلم لا تزال مرتفعة.

في الوقت نفسه، ثمة مخاوف حقيقية ومتزايدة بشأن نزاهة بعض الأبحاث العلمية. فقد أدت ثقافة "انشر أو اندثر" وظهور أدوات الذكاء الاصطناعي إلى تزايد أعداد الأبحاث المزيفة والمشكوك في صحتها التي تغمر الأدبيات العلمية؛ مما أدى إلى سباق محموم للتصدي لها.

وفي عصر المعلومات المضللة واسعة الانتشار، لابد أن يتم الحفاظ على قيم النزاهة والشفافية والشمولية والتواصل السليم من أجل تعزيز ثقة الجمهور بالعلم والعلماء.

وتُظهر الاستطلاعات باستمرار أن العلم يحظى بثقة كبيرة. ويُظهر استعراضٌ للأبحاث نُشر في يونيو/حزيران من قِبل مؤسسة ويلكوم ، وهي مؤسسة تمويل للبحوث الطبية الحيوية في لندن، ومركز راند أوروبا للأبحاث السياسية العامة في كامبريدج بالمملكة المتحدة، أن الثقة في العلم والعلماء تتراوح بين المتوسطة والعالية، وليست في حالة انهيار.

وأظهر استطلاعٌ أُجري عام 2024 وشمل أكثر من 23 ألف شخص في 32 دولة، من قِبل شركة إيبسوس لأبحاث السوق ومقرها لندن، أن 56% من المشاركين يثقون بالعلماء.

ورصدت دراسة سابقة أجريت في 68 دولة من قبل مجموعة دولية من الباحثين أن معظم الناس يضعون ثقتهم في العلماء ويتفقون على أن العلماء يجب أن يكون لهم تأثير كبير على حياة المجتمع وصنع السياسات.

وأجرى الباحثون استطلاعا لآراء ما يقرب من 72 ألف مشارك، وقسمت الدراسة مستويات الثقة بالعلماء على مقياس من 1 إلى 5.

إعلان

وسُجل أعلى مستوى ثقة بالعلوم في مصر (4.30)، تلتها الهند (4.26). وشملت المراكز الخمسة الأولى أيضا نيجيريا (3.98)، وكينيا (3.95)، وأستراليا (3.91).

وغطى هذا الاستطلاع 31% من دول العالم، والتي تشكل معا 79% من سكان العالم. وتم جمع البيانات بين نوفمبر/تشرين الثاني 2022 وأغسطس/آب 2023. وكان عدد المشاركين من كل دولة يتراوح بين 500 وألف شخص.

وتختلف مستويات الثقة بالعلم والعلماء من بلد لآخر، وهي آخذة في التراجع لدى بعض الفئات. وفي بعض المناطق تنقسم الثقة على أسس سياسية. ففي الولايات المتحدة، تتراجع الثقة لدى من يُعرّفون أنفسهم بأنهم جمهوريون أو يميلون إلى الحزب الجمهوري، بينما لا تتراجع لدى الديمقراطيين. وقد ظهر هذا الاتجاه قبل نحو 20 عاماً، لكنه تسارع خلال جائحة كوفيد-19.

وتُلحق المعلومات غير الدقيقة وغير الموثوقة ضرراً بالغاً عندما تؤدي إلى قرارات فردية تضر بالصحة، كالعزوف عن التطعيمات، أو عندما تُضعف الدعم لجهود مكافحة تغير المناخ المنقذة للكوكب وتدابير الصحة العامة المنقذة للأرواح. لذا يجب على الباحثين بذل المزيد من الجهود لتعزيز دقة النتائج، وأن يتذكروا أن الثقة تُهدر وتُفقد بسهولة.

آراء سياسية تهدد الثقة بالعلم والعلماء

في مقاله في عدد نيتشر المخصص لمناقشة الثقة بالعلم والعلماء يقول مارك هندرسون، مدير الشؤون المؤسسية في مؤسسة ويلكوم بالمملكة المتحدة، إنه من أجل بناء ثقة الجمهور ينبغي على العلماء أن يدركوا تحيزاتهم السياسية الخاصة.

ويضيف أنه ينبغي على المجتمع العلمي أن يُدرك أن المعتقدات والقيم السياسية التي تبدو طبيعية لا تحظى دائمًا بتأييد واسع، خاصة أن بعض العلماء يميلون إلى المبالغة في تقدير الدعم الشعبي لمواقفهم.

فإذا افترض العلماء وجود اتفاق وإجماع على آرائهم، على خلاف الحقيقة، فإنهم يُخاطرون بالظهور بمظهر المتعجرف والمتعالي والمنفصل عن الواقع.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار