آخر الأخبار

لعبة غميضة فلكية.. قصة الكوكب الذي خدع تلسكوبات العلماء لـ11 عاما

شارك

بعد أكثر من عشر سنوات من المراقبة وتحليل الصور الفلكية، نجح فريق دولي من علماء الفلك في الكشف عن كوكب خارجي جديد يدور حول النجم "بيتا بيكتوريس" (Beta Pictoris) في كوكبة الرسام (Pictor)، في إنجاز يعد علامة فارقة في تاريخ التصوير المباشر للكواكب خارج المجموعة الشمسية.

ويعد هذا الكوكب أخفت كوكب خارجي تم تصويره مباشرة من الأرض حتى الآن، بعدما ظل مختبئا داخل وهج نجمه طوال سنوات، قبل أن تكشفه تقنيات الرصد الحديثة وتحليل البيانات الأرشيفية.

مصدر الصورة خريطة فلكية تُظهر موقع النجم بيتا بيكتوريس داخل كوكبة الرسام مع أبرز نجومها المرئية بالعين المجردة (الاتحاد الفلكي الدولي)

بدأت قصة نظام "بيتا بيكتوريس" قبل عقود، عندما جذب اهتمام العلماء بسبب قرص واسع من الغبار والحطام يحيط بالنجم، وهو من أوائل الأقراص التي اعتُبرت دليلا على تشكل الكواكب.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لماذا تتحول الأجسام الغامضة إلى "زوار من الفضاء"؟.. ما تكشفه واقعة شاطئ أسترالي
* list 2 of 2 من قلب درب التبانة.. العلماء يعثرون على "سكر الحياة" بين الغبار والنجوم end of list

وفي عام 2008 أصبح هذا النظام مشهورا عالميا بعد اكتشاف أول كوكب فيه بالتصوير المباشر، ثم أضيف إليه كوكب ثانٍ لاحقا، قبل أن يُعلن اليوم عن اكتشاف الكوكب الثالث الذي ظل يختبئ في الصور لأكثر من عقد.

اكتشاف جاء بالمصادفة بعد مراجعة 11 عاما من البيانات

لم يكن الباحثون يبحثون أصلا عن كوكب جديد، بل كانوا يدرسون تطور الكوكب المعروف "بيتا بيكتوريس بي" مع مرور الزمن. وأثناء تحليل الصور لاحظ الفريق إشارات خافتة أثارت الشكوك بوجود جرم آخر. دفع ذلك العلماء إلى العودة إلى أرشيف يمتد 11 عاماً من الرصد، لتظهر الإشارات نفسها في صور متعددة، مؤكدة وجود كوكب ثالث.

مصدر الصورة رسم تخيلي يُجسد الكواكب الثلاثة التي تدور حول النجم بيتا بيكتوريس في الفضاء. (روبرت ليا – كانفا)

ويقع النظام على بعد نحو 63 سنة ضوئية من الأرض، ويضم الآن ثلاثة كواكب عملاقة معروفة. ويتميز الكوكب الجديد بأنه أخفت بنحو 100 مرة من الكوكب الأول في النظام، الأمر الذي جعله أصعب هدف رُصد بالتصوير المباشر من سطح الأرض حتى اليوم.

إعلان

وقالت "جين بيركبي" من جامعة أكسفورد: "يبدو أن الكوكب الأخير كان يلعب معنا لعبة الغميضة لأكثر من عقد، والآن فقط نستطيع أن نقول: وجدناك".

أصغر وأبرد من أشقائه ويحل لغزا فلكيا

ينتمي الكوكب الجديد إلى فئة العمالقة الغازية، لكنه يختلف عن الكوكبين الآخرين في عدة خصائص. فهو يدور على مسافة أبعد من نجمه، ما يجعله أبرد بكثير، كما أن كتلته تبلغ نحو 2.4 ضعف كتلة المشتري، مقارنة بحوالي 10 أضعاف كتلة المشتري لكل من الكوكبين الآخرين.

مصدر الصورة رسم تخيلي يظهر المنظر المتوقع من سطح الكوكب الفائق الأرض جي جيه 3378بي ضمن المنطقة الصالحة للحياة (جامعة كاليفورنيا)

ويجعل ذلك الكوكب الجديد واحدا من أخف الكواكب التي صورت مباشرة بواسطة تلسكوب أرضي. كما أن موقعه وكتلته يقدمان تفسيرا مهما للشكل غير المنتظم لقرص الغبار والحطام المحيط بالنجم، إذ يرى العلماء أن جاذبيته مسؤولة عن تشكيل هذا القرص وإعادة توزيع مادته منذ نشأة النظام.

وقال "بن ساتليف" من جامعة إدنبرة في بيان صحفي رسمي: "كان هذا اكتشافا جاء بالمصادفة. فقد أردنا فقط دراسة أحد الكواكب المعروفة، لكننا وجدنا دليلا على وجود عالم جديد".

التصوير المباشر.. أصعب طرق اكتشاف الكواكب

يعد التصوير المباشر من أكثر وسائل اكتشاف الكواكب الخارجية تعقيدا، لأن ضوء النجم الساطع يحجب الضوء الحراري الضعيف الصادر عن الكوكب. ولهذا السبب، ورغم اكتشاف أكثر من 6 آلاف كوكب نجمي حتى اليوم، فإن أقل من 100 فقط اكتُشفت بهذه الطريقة.

وأوضح "ماركوس بونسه" من المرصد الأوروبي الجنوبي في البيان أن الكوكب الجديد أخفت بمقدار 100 مرة من الكوكب الشهير في النظام نفسه، ما يجعله أخفت كوكب خارجي صُوِّر مباشرة من الأرض حتى الآن، وهو إنجاز يمثل قفزة مهمة في تقنيات الرصد الفلكي.

مصدر الصورة صورة رصدية تُبرز موقع الكوكب "بيتا بيكتوريس دي" المشار إليه بسهم حول نجمه الأم (المرصد الأوروبي الجنوبي)

ولا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على إضافة كوكب جديد إلى السجل الفلكي، بل تؤكد أيضا قدرة العلماء على استخراج اكتشافات جديدة من بيانات قديمة باستخدام أدوات تحليل أكثر تطورا.

نافذة جديدة نحو اكتشاف عوالم أكثر خفاء

أصبح نظام "بيتا بيكتوريس" ثاني نظام كوكبي فقط يُكتشف فيه أكثر من كوكبين بواسطة التصوير المباشر، بعد نظام "إتش آر 8799" (HR 8799) الذي يقع على بعد نحو 133 سنة ضوئية.

وقالت "بيث بيلر" من جامعة إدنبرة: "يبدو أن الكواكب تحب أن يكون لها أصدقاء. ومن المحتمل أن تخفي هذه الأنظمة مزيدا من الكواكب الأقل كتلة، والتي قد تكشفها التلسكوبات المستقبلية".

ويتوقع العلماء أن يؤدي تشغيل التلسكوب الأوروبي العملاق الجاري بناؤه في صحراء أتاكاما في تشيلي إلى اكتشاف كواكب أصغر وأكثر خفوتا، وهو ما سيوسع فهم كيفية تشكل الأنظمة الكوكبية وتطورها، وربما يقود إلى اكتشاف عوالم لم يكن بالإمكان رصدها سابقا.

ويؤكد هذا الإنجاز أن الاكتشافات الكبرى لا تعتمد دائما على بيانات جديدة، بل قد تولد من إعادة قراءة بيانات قديمة بعين أكثر تطورا. فالعلم يتقدم بالصبر، وتراكم المعرفة، وتطور التقنيات، وكل اكتشاف جديد يفتح بابا أوسع لفهم الكون الذي لا يزال يخفي كثيرا من أسراره.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار