يربط كثيرون اليوغا بالاسترخاء والتأمل فقط، لكن هذه الممارسة أعمق من مجرد تمارين هادئة؛ فهي تجمع بين الحركة والتنفس والتركيز الذهني في نظام واحد يهدف إلى تحقيق التوازن بين الجسد والعقل.
فهي ليست مجرد حركات رياضية أو وضعيات جسدية معقدة، بل أن هذه الأوضاع ترتبط بالتنفس مباشرة، كما يقول مدرب يوغا متمرس.
نشأت اليوغا في شمال الهند منذ أكثر من 5000 عام. ويعود أصل الكلمة إلى المصطلح السنسكريتي "يوج" (yuj) الذي يعني الربط أو التوحيد، والفكرة هي أن اليوغا وسيلة لتوحيد الجسم والعقل، وكذلك توحيد روح الفرد مع الروح الكونية.
غالبًا ما يتعامل البعض مع اليوغا على أنها مجرد نوع من التمارين ووسيلة لشد عضلات البطن والأرداف. ويرى بعض العلماء أن اليوغا بشكلها الحالي ظهرت قبل نحو قرن فقط، أثناء الاستعمار البريطاني للهند، عندما قام الغربيون بتجريدها من جوانبها الروحية والنفسية وقدموها كممارسة جسدية بحتة. كما كتب موقع "ذا غارديان". واليوم يمارس مئات الملايين من الناس حول العالم اليوغا كتمرين يوحّد بين العقل والجسد من أجل تحسين الصحة الجسدية والنفسية في جميع الأعمار.
في السنوات الأخيرة، جذبت اليوغا اهتمامًا جادًا من قبل الأوساط الطبية والعلمية. وقد كشفت مجموعة متزايدة من الأدلة العلمية عن مجموعة من التأثيرات الإيجابية والقابلة للقياس لممارسة اليوغا. إذ يمكنها تقليل التوتر والقلق وتحسين القوة والمرونة.
كما بدأ الباحثون في اكتشاف فوائد محتملة أقل وضوحًا لليوغا. على سبيل المثال، هناك أدلة متزايدة على أن اليوغا يمكن أن تدعم صحة الدماغ، سواء من خلال تحسين الذاكرة أو إبطاء التدهور المعرفي.
على موقعها تشجع منظمة الصحة العالمية القراء على ممارسة اليوغا ، فكتب الموقع "وجدت تجربة عشوائية كبيرة عُرضت في اجتماع الجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريري لعام 2026 أن برنامج يوغا منظم ولطيف لمدة شهر يمكن أن يحسّن المزاج، ويقلل القلق، ويخفف التعب لدى الناجين من السرطان، عند دمجه مع الرعاية القياسية بعد العلاج".
كما افترضت أبحاث أخرى أن اليوغا قد تحسّن في الوقت نفسه حالات صحية متعددة مثل القلق والاكتئاب والألم المزمن، من خلال تحفيز العصب المبهم والتأثير على الجهاز العصبي.
نساء يمارسن اليوغا على ساحل البحر في إسبانيا صورة من: Clara Margais/dpa/picture allianceسلطت منظمة الصحة العالمية الضوء على هذه النتائج وغيرها في سياق اليوم الدولي الثاني عشر لليوغا في 21 يونيو 2026. وقد تناول هذا العام موضوع "اليوغا من أجل الشيخوخة الصحية"، مع الاعتراف بالفوائد المحتملة لممارسة اليوغا مع التقدم في العمر.
من خلال الجمع بين الحركة اللطيفة، والتنفس، والانتباه الذهني، تدعم اليوغا التوازن والمرونة والقوة والحركة، وهي قدرات أساسية للبقاء نشطين ومستقلين مع التقدم في العمر.
كما تعزز اليوغا الصحة النفسية، مما يساعد على تقليل التوتر وتحسين جودة الحياة بشكل عام. ومن المتوقع أن تصبح هذه الفوائد أكثر أهمية مع ازدياد متوسط العمر حول العالم.
يعكس اهتمام منظمة الصحة العالمية بالأدلة العلمية حول اليوغا تزايد الاهتمام بفوائد الطب التقليدي من قبل المجتمعين الطبي والعلمي. فقد شهد العام الماضي اعتماد الاستراتيجية العالمية للطب التقليدي 2025–2034، بالإضافة إلى القمة العالمية الثانية للطب التقليدي وإعلان دلهي الناتج عنها، الذي يلتزم بتعزيز قاعدة الأدلة والتنظيم للطب التقليدي.
ويعكس هذا التحول إدراكًا بأن الاستخدام المتزايد للطب التقليدي يجب أن يقابله تعزيز الأدلة والمعايير والتنظيم لضمان أنه آمن وفعال وعادل ومستدام. وتدعو منظمة الصحة العالمية إلى دمج الطب التقليدي القائم على الأدلة في الأنظمة الصحية، إلى جانب شراكات شاملة بين مختلف القطاعات لدعم التغطية الصحية الشاملة، وأنظمة الرعاية الصحية المرنة، وصحة ورفاه الناس والكوكب.
اليوغا ممارسة روحية وجسدية صورة من: Sergei Karpukhin/TASS/picture allianceترتبط اليوغا بالحكمة القديمة والتقاليد الخالدة. لكن ما سمح لها بأن تصبح ممارسة شائعة حول العالم هو مرونتها وقدرتها على التكيف. وما يوحّد مجموعة متنوعة بشكل متزايد من ممارسي اليوغا هو الرغبة في تحسين صحتهم الجسدية والنفسية.
وهذه بلا شك إحدى أكبر نقاط قوة اليوغا. فمرونتها تعني أن الأشخاص من جميع الأعمار والقدرات يمكنهم الاستفادة منها، مما يجعلها طريقًا متاحًا نحو صحة أفضل في كل مكان.
كما أن اليوغا المُعدّلة وفق القدرة الحركية والقوة تضمن حتى لأولئك الذين لديهم قيود حركية أن يتمكنوا من الاستفادة من فوائدها بأمان. ينقل موقع منظمة الصحة العالمية "في تجربة عشوائية على مجموعة متنوعة ومنخفضة الدخل تعاني من آلام مزمنة في أسفل الظهر، أثبت برنامج يوغا لمدة 12 أسبوعًا فعاليته بقدر فعالية العلاج الطبيعي، مع استمرار الفوائد لمدة عام، مما يجعله بديلًا موثوقًا وميسرًا للأشخاص الذين يواجهون صعوبة في الحصول على الرعاية التقليدية أو الاستمرار فيها".
وتعد مرونة اليوغا وسهولة الوصول إليها مهمة بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالصحة النفسية. وباعتبارها ممارسة منخفضة التكلفة وقابلة للتطبيق والتوسع، يمكن لليوغا أن تساعد في تقليل فجوة العلاج في الصحة النفسية عالميًا، خاصة حيث يكون الوصول إلى الخدمات المتخصصة محدودًا.
من أشهر أنواع اليوغا اليوم: فينياسا (vinyasa): سريعة ومتدفقة، اثا (hatha): وضعيات تُحفظ لفترة أطول، أشتانغا (ashtanga): تسلسل محدد من الحركات، يين (yin): بطيئة ومريحة.
عباس الخشالي
تحرير: يوسف بوفيجلين
المصدر:
DW