على ضفاف نهر دجلة في العاصمة بغداد، كان صاحب زورق صغير يراقب المياه ويشير إلى النفايات على ضفة الشاطئ قائلاً إن النهر الذي عاش منه سنوات طويلة لم يعد كما كان.
يقول الرجل، الذي يعمل في نقل المتنزهين بين ضفتي النهر من منطقة الشواكة إلى المتنبي وبالعكس إن تغير لون المياه والروائح المنبعثة منها أصبحا مشهدا متكررا، وإن الحديث عن التلوث بات جزءاً من أحاديث الناس اليومية على ضفاف دجلة التي تغنى بها الشعراء.
ومع تصاعد المخاوف من موجات التلوث التي شهدها النهر خلال الفترة الأخيرة، تتباين الروايات بشأن أسبابها وحجم آثارها، فيما تتفق الجهات الرسمية والخبراء على أن المشكلة ليست جديدة، بل هي نتيجة تراكمات امتدت لسنوات.
معاون مدير هيئة تشغيل مشاريع الري والبزل في وزارة الموارد المائية، غزوان السهلاني أوضح للجزيرة نت أن التلوث الذي شهده نهر دجلة خلال الفترة الأخيرة ناتج عن طرح مياه الصرف الصحي وبعض المبازل في نهر ديالى، مشيراً إلى أن ارتفاع مناسيب المياه في السدود والخزانات الواقعة على النهر، ومنها سدا دربندخان وحمرين، بفعل الأمطار في دول المنبع وداخل العراق، أدى إلى إطلاقات مائية كبيرة دفعت الملوثات باتجاه نهر دجلة.
وكشف غزوان عن وجود أكثر من 500 مصدر تلوث في نهري دجلة والفرات، تتبع لعدد من المؤسسات التابعة لوزارات الصحة والنفط والصناعة، إضافة إلى أمانة بغداد ودوائر المجاري، مؤكداً أن مصادر التلوث تمتد على طول مجرى دجلة والفرات من الحدود العراقية وصولاً إلى محافظة البصرة.
وأوضح أن وزارة الموارد المائية اتخذت جملة من الإجراءات للحد من آثار التلوث، من بينها زيادة الإطلاقات المائية من سد سامراء وسدة الكوت وفروعها لتخفيف تركيز الملوثات وتسريع مرورها، فضلا عن إبلاغ دوائر الماء والحكومات المحلية باحتمال وصول موجات تلوث لاتخاذ التدابير اللازمة وتأمين خزين مائي قبل وصولها.
وبين غزوان أن المشكلة الأساسية تكمن في محدودية التخصيصات المالية اللازمة لإنشاء وتطوير محطات معالجة مياه الصرف الصحي، ما أدى إلى تأخر تنفيذ عدد من مشاريع المعالجة والتوسعة، مؤكداً أن الوزارة أقامت دعاوى قضائية وخاطبت الجهات المعنية مراراً للحد من مصادر التلوث.
من جانبه، كشف المتحدث باسم أمانة بغداد، محمد الربيعي للجزيرة نت، عن استمرار التحديات المرتبطة بمعالجة مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية والطبية التي تصب في نهر دجلة، مؤكداً أن معالجة هذه المشكلة تتطلب مشاريع إستراتيجية طويلة الأمد وتمويلا كبيرا.
وأوضح أن دائرة مجاري بغداد تعمل حالياً على تنفيذ مشروع لإنشاء 17 وحدة مدمجة لمعالجة المياه العادمة (Compact Units)، إلا أن خمس وحدات فقط دخلت الخدمة حتى الآن، فيما لا تزال الوحدات المتبقية قيد التنفيذ. وأشار إلى أن هذه المشاريع تهدف إلى تقليل كميات المياه الملوثة التي تصل إلى نهر دجلة، ولا سيما في المناطق الواقعة جنوب بغداد.
وكشف عن تنفيذ مشروع جديد في منطقة البوعيثة جنوب بغداد بدعم من منحة يابانية وتمويل من البنك الدولي، مبينا أن كلفة المشروع تبلغ نحو 300 مليار دينار ، ويهدف إلى إنشاء محطة نموذجية متطورة لمعالجة المياه العادمة وفق تقنيات حديثة.
وأكد محمد أن مصادر التلوث لا تقتصر على شبكات الصرف الصحي التابعة للأمانة، بل تشمل أيضاً مخلفات عدد من المؤسسات الحكومية والقطاعات الإنتاجية، ولا سيما معامل الجلود والزيوت والمنظفات، فضلاً عن مخلفات بعض المنشآت النفطية وما تحتويه من دهون وبارافينات ومشتقات نفطية.
وأضاف أن الحكومة تتجه إلى توسيع مشاريع معالجة المياه وإعادة استخدامها لأغراض الزراعة وزيادة المساحات الخضراء ضمن مشروع الحزام الأخضر لبغداد، بما يسهم في تقليل كميات المياه الملوثة المطروحة في نهر دجلة مستقبلا.
ويرى رئيس مرصد العراق الأخضر، عمر عبد اللطيف، في تصريح للجزيرة نت، أن التلوث الدائم في نهر دجلة لم يدخله بعد في "المنطقة الحمراء"، إذ لا تزال هناك إمكانية لمعالجة المياه عبر محطات التصفية قبل إيصالها إلى منازل المواطنين، إلى جانب ضرورة إنذار الدوائر الحكومية لوقف رمي المخلفات في النهر دون معالجة، وتحذير المواطنين من استخدام المياه بشكل مباشر، خصوصاً في المناطق التي تعتمد عليها في الزراعة.
وأشار عمر إلى أن من أخطر الملفات المرتبطة بالتلوث طرح بعض المؤسسات الصحية لمخلفات المرضى في مياه النهر، مؤكداً أن انخفاض مناسيب المياه خلال السنوات الماضية أسهم في تفاقم المشكلة، إذ قلّ من قدرة النهر على تخفيف تركيز الملوثات والتخلص منها، ما أدى إلى تراكمها في مجراه وارتفاع آثارها البيئية والصحية.
وبحسب عمر، فإن موجة التلوث الأخيرة بدأت مع ظهور بقعة نفطية في قضاء بيجي شمال محافظة صلاح الدين قبل أن تتم معالجتها، إلا أن الخطر الأكبر تمثل في مياه الصرف الصحي التي اختلطت بمياه النهر، حتى امتدت آثار التلوث إلى محافظات جنوبية.
وفي الجانب الصحي، قالت المختبرية في أحد المراكز الصحية بمنطقة بغداد الجديدة، سارة حامد للجزيرة نت إن التعرض للمياه الملوثة قد يؤدي إلى الإصابة بأمراض معوية مثل الإسهال والمغص، فيما قد تتسبب الملوثات المتراكمة على المدى البعيد بأمراض أكثر خطورة، منها تلف الكبد والتهابات الجهاز الهضمي ومضاعفات صحية مزمنة أخرى.
ولم تقتصر آثار التلوث على الجوانب البيئية والصحية، بل امتدت إلى النشاط الاقتصادي المرتبط بالنهر. ففي قضاء العزيزية شمال محافظة واسط، تحدث عمار الشمري، صاحب بحيرة أسماك، للجزيرة نت عن خسارته الكبيرة بعد نفوق ما يقارب 70 طنا من الأسماك بسبب تلوث المياه.
يقول عمار متحسرا: "خسرت كل أموالي وضاع مجهود شهور طويلة"، مضيفاً أنه بات يفكر جدياً بعدم تكرار هذه التجربة التجارية، لأن مشكلة التلوث، بحسب وصفه، قد لا تجد حلا قريبا.
ورغم تصاعد المخاوف إثر تلك التحذيرات، برز تضارب في الخطاب الرسمي بشأن حجم الأزمة. ففي حين تابعت مؤخرا وزيرة البيئة سروة عبد الواحد الملف ميدانيا، توعدت الجهات المسؤولة عن التلوث باتخاذ إجراءات قانونية، ووصفت استمرار رمي الملوثات في دجلة بأنه "أمر غير مقبول ويهدد الأجيال المقبلة"، نفى المتحدث باسم وزارة البيئة، لؤي المختار في بيان رسمي، صحة بعض التصريحات التي تحدثت عن عدم صلاحية المياه للشرب والاستخدامات المنزلية، لافتا إلى ضرورة التمييز بين المياه الموجودة في المصادر المائية والمياه التي تخضع لعمليات المعالجة والتجهيز قبل وصولها إلى المواطنين.
وبين تحذيرات الخبراء وشكاوى المتضررين وتأكيدات الجهات الرسمية، يبقى نهر دجلة أمام تحد متواصل يتمثل في الحد من مصادر التلوث المتزايدة، وإنقاذ أحد أهم الموارد المائية في العراق من أزمة تتجاوز آثارها البيئة لتطال الصحة العامة والاقتصاد والأمن المائي للبلاد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة