استخرجت الفرق البحثية الدولية من قبل ثلاث حفريات للقردة من منطقة "دور الطلح"، وهي منطقة أحفورية تقع في حوض سرت بوسط ليبيا.
لكن الحفرية الرابعة التي اكتشفها فريق بحثي فرنسي بالتعاون مع الدكتور عوض بلال من قسم علوم الأرض بكلية العلوم جامعة بنغازي، والدكتور أسامة هلال من قسم الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة طرابلس، من نفس المنطقة، وتم الإعلان عنها مؤخرا في دورية "جورنال أوف هيومن إيفولوشن" (Journal of Human Evolution)، كانت مميزة بشكل كبير، إلى درجة يمكن وصفها بأنها "أغرب قرد في السجل الأحفوري عرفه العلماء".
وعادة تستطيع الفرق البحثية عند اكتشاف حفرية من حفريات القردة تحديد ما إذا كانت ذات سمات بدائية أم حديثة، وهو ما حدث مع حفريات الأسنان الثلاث المكتشفة سابقا في "دور الطلح"، والتي كانت لكائنات أطلق عليها الباحثون أسماء "بيريتيا بيفيتوي" و"تالاهبيثيكوس بارفوس" و"أفروتارسيوس ليبياكوس"، لكن الحفرية الرابعة، والتي سميت باسم "صحرابيثيكوس سالمي"، أظهرت نمطا "فسيفسائيا" من الصفات، وقف معه العلماء عاجزين عن تحديد تصنيفها التاريخي إلى الآن.
ويقول ياوالاك تشايماني من مختبر علم الأحياء القديمة والتطور والنظم البيئية القديمة وعلم الرئيسيات القديمة، بالمركز الوطني للبحث العلمي بجامعة بواتييه الفرنسية، والباحث الرئيسي بالدراسة للجزيرة نت: "يمتلك صحرابيثيكوس سالمي، الذي يعود تاريخه إلى قبل نحو 39-38 مليون سنة، مزيجا فريدا من السمات السنية البدائية والأحدث، والتي لم ترصد من قبل في أي من الرئيسيات العليا من العصر الإيوسيني، حيث تجمع أضراسه العلوية بين نتوءات مستديرة، وأخرى مخروطية متطورة، وحافة داخلية كاملة تمتد على الجانب الداخلي من السن، ونتوءات متخصصة، هي بمثابة قمم إضافية على السن الخلفي، وعُرف صغير يُسمى "ما قبل العرف السفلي"، وهو خط أو "حافة صغيرة" تصل بين أجزاء السن، وتساعد في توجيه حركة المضغ".
ويوضح أن "هذا المزيج غير المألوف من السمات يميز "صحرابيثيكوس سالمي" عن جميع الرئيسيات العليا الأفريقية والآسيوية المعروفة من العصرين الإيوسيني والأوليغوسيني، والأهم من ذلك، أن أسنانه تشبه أسنان العديد من مجموعات الرئيسيات العليا المختلفة دون أن تُصنف ضمن أي منها بشكل واضح، وهو ما يشير إلى أن هذا القرد يمثل فرعا غير معروف سابقا من الرئيسيات العليا المبكرة".
واكتشفت هذه الحفرية الفريدة خلال مهمة عمل في منطقة "دور الطلح" بدأت بجمع عينات الرواسب من الطبقة الحاملة للأحافير، ثم غُسلت ونُخلت، وبعد ذلك، فُحصت البقايا الجافة المتبقية بدقة تحت المجهر.
ويقول ياوالاك تشايماني: "من بين آلاف الشظايا الأحفورية الصغيرة، استخرجنا عددا قليلا من أسنان الرئيسيات، بما في ذلك السن المميز الذي تم تحديده لاحقا على أنه نوع جديد من الرئيسيات العليا يُدعى "صحرابيثيكوس سالمي".
وتُعد الأسنان من بين أكثر الأحافير إفادة في دراسة تاريخ الثدييات، فهي تحفظ قدرا هائلا من التفاصيل التشريحية، كما أنها أكثر عرضة للنجاة من التحجر من العظام الهيكلية الهشة.
ويقول إن "ترتيب النتوءات، والقمم، والأحزمة، وأنماط التآكل، يمكن أن يكشف عن العلاقات التاريخية، والتكيفات الغذائية، وحتى جوانب من السلوك، وفي الرئيسيات المبكرة، حيث الهياكل العظمية الكاملة نادرة للغاية، غالبا ما تشكل الأسنان الدليل الوحيد المتاح لإعادة بناء السلالات وتتبعها تاريخيا عبر القارات، وقد تم تحديد العديد من فروع الرئيسيات العليا بشكل أساسي من خلال الأدلة السنية".
وتكمن أهمية الاكتشاف الأخير الذي قادت إليه أسنان "صحرابيثيكوس سالمي"، ليس فقط في غرابته، ولكن لأنه يعزز فرضية أن أفريقيا استوطنتها عدة سلالات مختلفة من الرئيسيات العليا قادمة من آسيا،
بدلا من سيناريو شائع يتحدث عن أنه قبل نحو 45 إلى 41 مليون سنة، وصل نوع واحد فقط من القردة البدائية من آسيا إلى أفريقيا، وبعد وصوله إلى أفريقيا، بدأ يتفرع تدريجيا، ومنه نشأت جميع المجموعات الأفريقية اللاحقة من القردة العليا.
ويقول: "في منطقة "دور الطلح"، وجدنا الآن أدلة على وجود أربع مجموعات على الأقل من الرئيسيات العليا عاشت معا قبل حوالي 38-39 مليون سنة، بما في ذلك "بيريتيا بيفيتوي" و"تالاهبيثيكوس بارفوس" و"أفروتارسيوس ليبياكوس" و"صحرابيثيكوس سالمي" المكتشف حديثا".
ويُعد "دور الطلح" حاليا أقدم موقع معروف في أفريقيا وشبه الجزيرة العربية يحفظ مجتمعا متنوعا من الرئيسيات العليا، ويعود تاريخ الموقع إلى ما يقارب 39-38 مليون سنة، وهي فترة حاسمة أعقبت دخول أولى الرئيسيات البشرية إلى أفريقيا.
ويقول ياوالاك تشايماني إن "الموقع كشف عن مجموعة رائعة من الرئيسيات صغيرة الحجم، تمثل عدة سلالات متميزة، كما يقدم لمحة نادرة عن مجتمع رئيسيات بشرية بدائي قبل ظهور رئيسيات الفيوم المصرية الأكثر شهرة، ونتيجة لذلك، يتيح الموقع فرصة ممتازة لفهم المراحل الأولى لتنوع الرئيسيات البشرية في أفريقيا".
ورغم أهمية ما تم اكتشافه حتى الآن من الموقع، إلا أن ياوالاك تشايماني يؤكد أنه لم يبح بكل أسراره، ويقول: "مع كل موسم تنقيب جديد، نجحنا في زيادة التنوع المعروف للموقع، ومن المؤكد أنه يوجد أنواع إضافية لم يتم اكتشافها بعد".
ويضيف أن "شمال أفريقيا تحتوي على رواسب ضخمة من العصر الإيوسيني لم تحظ إلا بقدر ضئيل من الاستكشاف الأحفوري مقارنة بأوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، وقد تكشف الاكتشافات المستقبلية في ليبيا والمناطق المجاورة عن مجموعات جديدة كليا من الرئيسيات العليا، وتساعد في الإجابة عن بعض أهم الأسئلة العالقة حول أصل الرئيسيات العليا".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة