آخر الأخبار

على خط العطش.. أفغانستان تدفع ضريبة مناخية لم تسهم فيها

شارك

لم يعد نور محمد كامران، المزارع في ولاية أروزغان جنوبي أفغانستان، يتذكر آخر مرة جرى فيها النهر القريب من أرضه الزراعية بصورة طبيعية. فالجفاف المتواصل خلال السنوات الأخيرة دفعه إلى حفر آبار أعمق بحثاً عن المياه، لكن المحصول الذي ينتظره كل عام لم يعد كما كان.

يقول محمد للجزيرة نت: "لقد بلغ الجفاف هنا درجة جفت معها الأنهار. وأصبحنا مضطرين لاستخراج المياه من أعماق تصل إلى نحو 150 مترا تحت الأرض، لكن حتى في هذا العمق لا نحصل على كميات كافية من المياه. نحن الآن في موسم حصاد القمح، إلا أن حبوب القمح لم تنمُ بشكل جيد بسبب نقص المياه، فبقيت صغيرة وضعيفة".

وتتكرر هذه الصورة في مناطق واسعة من أفغانستان، حيث لم تعد تداعيات التغير المناخي تقتصر على تراجع المحاصيل الزراعية أو نقص المياه، بل امتدت لتؤثر على أنماط الحياة والاستقرار السكاني، مع اضطرار آلاف الأسر إلى مغادرة مناطقها الأصلية بحثاً عن مصادر للمياه أو فرص معيشية بديلة.

حاليا، تتزايد التحذيرات من أن أفغانستان، رغم مساهمتها المحدودة جدا في الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة، تُعد من أكثر الدول عرضة لتداعيات التغير المناخي.

ووفق تقارير أممية، يواجه أكثر من نصف سكان البلاد آثار الجفاف ونقص المياه، بينما تتعرض مناطق أخرى لفيضانات مفاجئة وأمطار غير موسمية تدمر المنازل والأراضي الزراعية والبنية التحتية، في مشهد يعكس التغير المتسارع في أنماط الطقس.

مصدر الصورة أفغانستان، رغم مساهمتها المحدودة جدا في الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة، تُعد من أكثر الدول عرضة لتداعيات التغير المناخي (الجزيرة)

الجفاف لم يعد ظاهرة موسمية

ولا تقتصر المخاوف على الشهادات الميدانية، إذ تؤكد دراسات علمية حديثة أن أفغانستان تشهد تغيرات مناخية متسارعة. فقد خلصت دراسة محكّمة نُشرت عام 2023 إلى أن موجات الجفاف أصبحت أكثر تكراراً واتساعاً خلال العقود الأخيرة، مع ارتفاع مستويات الإجهاد المائي في عدد من الأحواض الرئيسية.

إعلان

كما تشير دراسات أخرى إلى أن التغير المناخي في حوض نهر كابل بات يهدد الموارد المائية على المدى البعيد، مع تزايد الضغط على المياه الجوفية وتراجع التغذية الطبيعية لها.

وتنعكس هذه النتائج العلمية على الواقع اليومي للمزارعين. ففي مديرية غوشته بولاية ننغرهار شرقي البلاد، يقول أحد المزارعين محمود سعيد للجزيرة نت: «أصبح نهرنا غير قابل للتنبؤ. ففي العام الماضي جفّ في الوقت الذي كنا بأمسّ الحاجة إلى المياه، أما هذا العام فقد جاءت الفيضانات وأتلفت نصف محاصيلنا».

وتشير بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (يوناما) إلى أن الجفاف ونقص المياه يمثلان أكبر التهديدات البيئية التي تواجه البلاد حالياً، نتيجة تكرار موجات الجفاف وتراجع الأمطار والاستنزاف المفرط للمياه الجوفية.

مصدر الصورة لا تقتصر أزمة المياه في أفغانستان على الأرياف (الجزيرة)

كابل على خطّ العطش

لا تقتصر أزمة المياه في أفغانستان على الأرياف، بل تمتد إلى المدن الكبرى، وفي مقدمتها العاصمة كابل، التي تواجه ضغطاً متزايداً على مواردها المائية في ظل الاعتماد الواسع على المياه الجوفية وتراجع التغذية الطبيعية.

وتحذر دراسات علمية محكّمة من أن استنزاف المياه الجوفية في حوض كابل بات يهدد استدامة الموارد المائية، مع تزايد الطلب السكاني وتكرار موجات الجفاف.

كما لا تقتصر التحذيرات على الشهادات الميدانية، إذ تدق دراسات علمية ناقوس الخطر بشأن مستقبل المياه في البلاد. فقد خلصت دراسة منشورة في مجلة "أتموسفير" عام 2023 إلى أن حوض نهر كابل مرشح لموجات جفاف أكثر تكراراً وشدة، ما يهدد الأمن المائي والغذائي لملايين السكان.

وأظهرت دراسة أخرى في مجلة "بلوس وان" أن الجفاف بات يتوسع جغرافياً ويشتد في عدة أقاليم مائية، بما يعكس تحوله إلى اتجاه طويل الأمد لا مجرد ظاهرة موسمية.

مصدر الصورة حوض مياه في مديرية بغمان غرب العاصمة الأفغانية كابل يُعد جزءاً من مصادر الإمداد المائي للعاصمة كابل، وسط تصاعد أزمة الجفاف في أفغانستان (الجزيرة)

وفي السياق ذاته، تشير دراسة منشورة في "جورنال أوف هيدرولوجي" عام 2023 إلى تراجع ملحوظ في تغذية المياه الجوفية داخل العاصمة كابل، مع انخفاض مساهمة الأنهار في إعادة شحن الخزانات الجوفية مقارنة بالسنوات السابقة. ويحذر الباحثون من أن استمرار هذا الاتجاه قد يزيد صعوبة تأمين المياه للسكان خلال السنوات المقبلة، في ظل تزايد الطلب.

وفي هذا السياق، كانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) قد حذّرت من أن كابل قد تصبح خلال السنوات الخمس المقبلة أول عاصمة في العالم تواجه خطر النفاد الكامل للمياه إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة.

ويقول محب بهار، المتحدث باسم إدارة حماية البيئة الأفغانية، إن التحولات المناخية دفعت آلاف السكان إلى مغادرة مناطقهم نحو المدن.

ويضيف للجزيرة نت: "في العديد من الولايات، اضطر آلاف المواطنين إلى مغادرة مناطقهم بسبب نقص المياه، وانتقل بعضهم إلى المدن فيما هاجر آخرون إلى ولايات أخرى. وقد أدى ذلك إلى زيادة الضغط على المدن وارتفاع الكثافة السكانية بشكل ملحوظ".

ويشير إلى أن هذه التحولات السكانية انعكست أيضا على المدن، عبر ارتفاع مستويات التلوث وتفاقم الضغط على الخدمات والبنية التحتية.

مصدر الصورة الخسائر المتزايدة تعكس اتساع تأثير الظواهر المناخية المتطرفة (الجزيرة)

من القرى إلى المدن.. نزوح مناخي متصاعد

لم يعد النزوح في أفغانستان مرتبطاً بالعوامل الاقتصادية فقط، بل أصبح التغير المناخي أحد أبرز دوافعه، مع تزايد موجات الجفاف وتراجع الإنتاج الزراعي.

إعلان

وفي المقابل، تواجه البلاد تقلبات مناخية حادة تجمع بين الجفاف والفيضانات المفاجئة، ما يؤدي إلى خسائر كبيرة في الأراضي الزراعية والمنازل والبنية التحتية.

وبحسب الهيئة الوطنية لإدارة الكوارث، فقد أسفرت الحوادث الطبيعية خلال العام الماضي عن وفاة آلاف الأشخاص وتضرر عشرات الآلاف من المنازل، إضافة إلى خسائر واسعة في الأراضي الزراعية.

وقال محمد يوسف حماد، المتحدث باسم الهيئة للجزيرة نت، إن الخسائر المتزايدة تعكس اتساع تأثير الظواهر المناخية المتطرفة، موضحاً أن الحوادث الطبيعية خلال عام واحد أدت إلى وفاة 2440 شخصا وإصابة أكثر من 3500، وتدمير آلاف المنازل، وتلف محاصيل زراعية على نطاق واسع.

ويشير هذا التزايد في الخسائر إلى هشاشة متصاعدة في مواجهة الكوارث، مع تراجع القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.

مصدر الصورة أسفرت الحوادث الطبيعية خلال العام الماضي عن وفاة آلاف الأشخاص وتضرر عشرات الآلاف من المنازل (الجزيرة)

تدهور بيئي يفاقم الأزمة

يرى الناشط البيئي الأفغاني عبد الهادي أتشكزي أن التغير المناخي في أفغانستان لم يعد ظاهرة عابرة، بل أصبح واقعاً يومياً ينعكس على الزراعة والمياه والتربة بشكل متداخل.

ويقول للجزيرة نت إن موجات الجفاف باتت أكثر حدة وتكراراً، ما لا يمنح التربة فرصة للتعافي، ويؤدي إلى تراجع خصوبتها وانخفاض الإنتاج الزراعي على المدى الطويل.

ويضيف أن اضطراب أنماط الأمطار فاقم الأزمة، إذ لم تعد منتظمة، بل تأتي في غير مواسمها وأحياناً بشكل غزير ومفاجئ، ما يؤدي إلى فيضانات تدمر المحاصيل بدل دعمها.

ويؤكد أن هذا التذبذب بين الجفاف والفيضانات خلق حالة من عدم الاستقرار البيئي، تتجلى في انجراف التربة وتراجع الغطاء النباتي وظهور آفات زراعية جديدة.

ويشدد على أن استمرار هذا الوضع دون تدخلات في إدارة المياه وإعادة تأهيل الغابات سيزيد من هشاشة المناطق الريفية، ويرفع الضغط على المدن التي تستقبل موجات متزايدة من النازحين البيئيين.

وفي ظل هذا الواقع، تؤكد الأمم المتحدة في اليوم العالمي للبيئة أن الفرصة لا تزال قائمة للحد من آثار التغير المناخي، عبر تعزيز إدارة الموارد الطبيعية وتوسيع التعاون بين المؤسسات المحلية والدولية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار