إذا كنت من السكان المحليين أو المتنزهين في منطقة جبال عسير جنوب غرب المملكة العربية السعودية، قد يمر العمر دون رؤية ضبع أو وشق، لكن كاميرات نصبها باحثون من قسم الحياة البرية والتراث الطبيعي بالهيئة الملكية للعلا بالسعودية، كشفت أن هذه "الأشباح" التي لا يراها البشر نهارا، تملأ المكان وتتحرك بنشاط تحت جنح الظلام.
وخلال دراسة تعد هي الأولى من نوعها التي تقدم ليس فقط إحصاء عدديا شاملا، لكن أيضا وصفا سلوكيا لكيفية تعايش تلك الأشباح الليلية مع بعضها، تمكن الباحثون من سد فجوة معرفية كبيرة، مستخدمين لتحقيق ذلك، 36 كاميرا مراقبة موزعة في منطقتي النماص وظهران الجنوب، واستمرت في الرصد لمدة عام كامل.
وتعد منطقة جبال عسير "نقطة ساخنة" للتنوع البيولوجي، لكنها لم تُدرس بما يكفي بسبب تضاريسها الوعرة، وهي المشكلة التي حلتها تقنية "كاميرات الرصد" التي استخدمها الباحثون في دراستهم المنشورة بدورية "غلوبال إيكولوجي آند كونسرفيشن" (Global Ecology and Conservation).
ويقول خبير الحياة البرية والأستاذ المشارك في علم الأحياء الحفظي بقسم العلوم البيولوجية والبيئية بكلية الآداب والعلوم بجامعة قطر الدكتور محمد علي نواز، (لم يشارك بالدراسة)، إن "كاميرات المراقبة تعد تقنية فعالة للغاية في رصد أنواع الثدييات، شريطة اتباع بروتوكول أخذ عينات فعال، يتضمن عددا كافيا من الكاميرات، وتغطية مكانية تشمل نطاقات معيشية متعددة للأنواع المستهدفة، ومدة رصد تمتد لعدة أسابيع، ومسافة مناسبة بين الكاميرات.
ويرى محمد أن الدراسة التي قادها الدكتور هادي الحكماني وآخرون، اتبعت تصميما جيدا كما هو موضح في منهجيتهم، حيث استخدم الباحثون 36 كاميرا من طراز "ريكونيكس إكس بي 9 (ألترا فاير)"، ظلت تعمل في الرصد لمدة عام كامل، ووُضعت على ارتفاع 30 سم عن الأرض، وكانت تبعد عن الممرات (الدروب) مسافة من 2 إلى 3 أمتار، وتمت برمجتها لالتقاط 3 صور متتالية عند كل استشعار للحركة مع تأخير لمدة ثانية واحدة بين الصور. وتم الحفاظ على مسافة لا تقل عن 1 كم (تصل إلى 10 كم) بين كل كاميرا وأخرى لضمان استقلالية البيانات.
وكانت حصيلة هذه المنهجية التي أشاد بها محمد، صيدا علميا ثمينا، تضمن تسجيل 15 نوعا من الثدييات البرية المتوسطة وكبيرة الحجم من خلال أكثر من 9000 صورة تم التقاطها.
وكانت معظم الأنواع تنشط ليلا بشكل أساسي، مع زيادة في النشاط خلال أوقات الغسق والفجر في المواسم الباردة (الخريف والشتاء).
وسجلت خمسة أنواع من الحيوانات حضورا واسعا في أكثر من 78% من المواقع، وهي قرود البابون، الضبع المخطط، النيص الهندي، الوشق الآسيوي (الكركال)، والذئب العربي.
وكان توزيع بعض الأنواع متوسطا (أقل من 22% من المواقع)، وهي ثعلب بلانفورد، النمس أبيض الذيل، القط البري الأفريقي، الثعلب الأحمر، الزريقاء (العناق)، وغرير العسل.
أما الحيوانات التي كانت نادرة جدا (أقل من 17% من المواقع)، فتشمل الوبر الصخري، الأرنب البري، الوعل النوبي، والقنفذ الجبلي.
وكان من اللافت أنه لم يتم رصد النمر العربي بالكاميرات خلال فترة الدراسة رغم وجود علامات ميدانية على وجوده مثل الخدوش.
ويخدش النمر العربي الأرض بأطرافه الخلفية أو جذوع الأشجار بأنيابه ومخالبه لتحديد نفوذه ومنطقته، فهذه العلامات تُعد "بصمة" سلوكية تتركها النمور للتواصل مع أفراد جنسها الآخرين.
ورغم غياب الدليل الفيزيائي على وجوده، فإن هناك ما يدعم تفسير وجود تلك العلامات، كإشارة على أنه مقيم في تلك البيئة، وهو وجود فرائس طبيعية مثل "الوعل النوبي" و"الأرنب البري" و"الوبر"، بالإضافة إلى كثرة "الوشق" و"الذئاب"، فهذا الهرم الغذائي المتكامل في جبال عسير يجعل البيئة "صالحة" تقنيا لاستضافة النمر العربي كقائد لهذا النظام.
ولم يكتف الباحثون بالرصد العددي، إذ اهتموا أيضا بتحليل آليات التعايش والتنافس من خلال ما تم التقاطه من صور، وكانت أبرز نتائجهم في هذا الإطار هي أن المفترسات الكبيرة (الضبع، الذئب، والوشق) هي الأكثر وفرة، ويبدو أنها تفرض سيطرتها على الأنواع الأصغر.
وأكدت الدراسة وجود تداخل مكاني منخفض جدا بين المفترسات الكبيرة والمفترسات المتوسطة (مثل الثعالب)، مما يشير إلى أن الأنواع الأصغر تتجنب التواجد في نفس أماكن الأنواع الكبيرة لتقليل التنافس أو خطر الافتراس.
ولوحظ أيضا ارتفاع في أعداد الثعالب عند انخفاض أعداد المفترسات الكبيرة، خاصة في الصيف بظهران الجنوب، مما يدعم فرضية "تحرر المفترسات المتوسطة" عند غياب المنافس الأكبر.
ويرى محمد أن مجرد الاعتماد على تكرار ظهور الحيوان في الصور لا يكفي لإثبات هروبه أو تجنبه لمنافسيه، داعيا إلى استخدام نماذج إحصائية أكثر عمقا تعرف بـ (نمذجة الإشغال المشترك)، في الدراسات المستقبلية.
ولا تكتفي هذه النماذج المتقدمة بما ترصده العدسة فحسب، بل تحلل احتمالات وجود الحيوان حتى في حال عدم ظهوره، معتبرة أن الغياب أمام الكاميرا لا يعني بالضرورة الغياب عن الميدان.
ويقول إن "تبني هذا النهج الرياضي من شأنه أن يرفع من موثوقية النتائج، ويقدم صورة أدق حول كيفية إدارة الحيوانات البرية لصراعاتها الصامتة على النفوذ والمساحة في تضاريس عسير الوعرة، مما ينعكس بشكل مباشر على جودة خطط حماية هذه الأنواع المهددة".
وعن الأهمية التطبيقية لنتائج الدراسة، يختم محمد بأنها تقدم إرشادات مهمة للحماية، بإيلاء الأولوية للمناطق التي تتداخل فيها الأنواع، وفي المناطق التي تتوفر فيها الأدلة على تأثير الإنسان على سلوك الأنواع، إذ يجب اتخاذ تدابير للحد من هذا التأثير.
وكانت الدراسة قد أظهرت أن الحيوانات مثل الذئاب والضباع والنيص، يتغير سلوكها الزمني استجابةً للنشاط البشري، ففي المناطق ذات النشاط البشري العالي، تميل الحيوانات إلى تقليل نشاطها النهاري والتحول أكثر نحو السلوك الليلي لتجنب البشر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة