في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لطالما أحيت الشهب والنيازك مخيلة البشر، وأثرت في معتقداتهم الشعبية والروحية، لعلاقتها بالسماء التي تسقط منها فجأة. فهي مصدر خوف وهلع حين يكون حجمها كبيرا ويسبب اصطدامها بسطح الأرض كوارث طبيعية، كما حدث بمنطقة الأطلس الكبير مخلفا ثلاث حفر نيزكية، اثنتان منها أصبحتا بحيرتين مليئتين بالمياه هما "إيسلي" و"تيسليت".
ومن المحتمل أن يكون أحد النيازك الأقل حجما قد أحدث حفرة في منطقة "إداوكازو" شمال أكادير، وأحدث خسائر فادحة، كما تصور ذلك نقوش صخرية قديمة وجدت قرب المنطقة.
هذه النيازك قد تكون أيضا مصدرا للحظ السعيد، كما هو الحال لدى الرحل من سكان الصحراء المغربية، فهم يتطلعون كل ليلة إلى السماء المضيئة، لعلهم يرصدون نيزكا شاردا يسقط بالقرب منهم، لينقلهم من المعاناة إلى الغنى والاستقرار.
هذا الحضور القوي لم يأتِ من فراغ؛ بل هو نتيجة تضافر عوامل جيولوجية وجغرافية وبشرية، جعلت من المغرب مختبرا مفتوحا لدراسة بقايا الأجرام السماوية التي تهبط من السماء إلى الأرض.
النيزك هو جرم سماوي اخترق الغلاف الجوي ووصل إلى سطح الأرض دون أن يحترق بالكامل. وتكمن أهمية النيازك العلمية في أنها عينات "طبيعية" من أجرام لا يمكننا الوصول إليها بسهولة (مثل المريخ والقمر وعطارد).
كما أن النيازك تحفظ في تركيبها الكيميائي والمعدني معلومات عن المراحل الأولى لنشأة المجموعة الشمسية، وتساعد في فهم تطور القشرة الكوكبية، ووجود الماء، والظروف الفيزيائية على الكواكب الأخرى، مما يجعلها بمثابة كبسولات زمنية تسافر عبر مليارات السنين لتستقر بين أيدينا.
وهناك عدة أسباب تجعل المغرب بلدا استثنائيا في مجال النيازك، أولها الظروف الجغرافية والمناخية، حيث تتسع الصحاري في الجنوب والجنوب الشرقي، مثل طانطان، السمارة، الريصاني.
ويساهم الجفاف وقلة الغطاء النباتي في جعل أي حجر "غريب" بارزا على سطح الأرض، بالإضافة إلى التعرية البطيئة نسبيا في مناطق واسعة، مما يسمح بحفظ النيازك لفترات طويلة جدا.
هذه الخصائص المناخية الفريدة حولت الفيافي المغربية إلى "مخزن طبيعي" للأجرام السماوية التي سقطت منذ عصور غابرة وظلت تنتظر من يكتشفها.
وتتميز البيئة الجيولوجية في المغرب بوجود مساحات شاسعة من الصخور الرسوبية والسطوح المستوية التي تسهّل التعرف على الأجسام الدخيلة. كما أن اكتشاف حفر نيزكية قديمة مثل بحيرتي "إيسلي" و"تيسليت" في الأطلس الكبير، وحفرة "أكودال"، يؤكد تاريخا طويلا لسقوط النيازك في المنطقة.
هذا الاستقرار الجيولوجي يمنح العلماء والباحثين فرصة ذهبية لمسح الأرض بحثا عن صخور لا تشبه جيولوجية المكان، مما يقلص الجهد المبذول في البحث العشوائي ويحول الرحلة إلى عملية تنقيب علمية دقيقة ومنظمة.
يعد العامل البشري المحرك الأساسي لهذه الظاهرة، حيث ينتشر الرحّل والرعاة الذين يقضون فترات طويلة في الصحراء، فيصبحون "عيونا" تراقب السماء والأرض بدقة متناهية.
لقد أدى هذا الاحتكاك المستمر بالخلاء إلى نشوء شبكة من "صيادي النيازك" من أبناء المنطقة، يعملون بين الصحراء والأسواق والمختبرات. وهؤلاء الأشخاص لم يعودوا مجرد عابرين، بل أصبحوا خبراء ميدانيين يمتلكون حدسا جيولوجيا يضاهي في أحيان كثيرة التجهيزات التقنية المعقدة، وباتت معرفتهم بالصحراء مفتاحا للوصول إلى أندر العينات العالمية.
في دول متقدمة مثل الولايات المتحدة وفرنسا، تستخدم الرادارات وشبكات الكاميرات لرصد الشهب والنيازك في السماء، لكن في المغرب، يلعب الرحّل الدور نفسه تقريبا. فهم يراقبون السماء ليلا، فيميّزون الكرات النارية اللامعة التي تعبر السماء بسرعة، وعندما تكثر الروايات عن "شعلة سقطت" في منطقة معينة، يتحركون للبحث في الميدان.
إنهم يمتلكون قدرة فطرية على رصد الظواهر الفلكية العابرة وتوثيق لحظة الارتطام بالعين المجردة، وهو ما يوفر بيانات أولية غاية في الأهمية للمسارات النيزكية.
يملك هؤلاء الرحل خبرة ميدانية مذهلة في التفريق -ولو جزئيا- بين الحجر العادي والحجر "الغريب" الثقيل داكن اللون. فهم يشكلون الحلقة الأولى في سلسلة البحث، حيث يلتقطون العينات، ثم يبيعونها أو يسلّمونها للوسطاء والعلماء.
هذه المعاينة اليومية للفضاء المفتوح جعلت من الرحّل في المغرب "رادارا بشريا" يسبق أحيانا أي جهاز إلكتروني، فبينما قد تغفل الكاميرات عن رصد زاوية معينة، تكون آذان وأعين الرعاة حاضرة لتوثيق الصوت والضوء وتحديد مكان الارتطام بدقة مدهشة.
من بين الظواهر اللافتة في المغرب بروز مهنة صياد النيازك؛ فهم أشخاص يكرّسون وقتهم للبحث عن الأحجار القادمة من الفضاء.
فمجيء الأوروبيين الباحثين عن أحجار معينة في الصحراء أواخر التسعينيات علمهم كيف يميزون العينات، ويستخدمون الموازين والمغانط، ويفهمون الطلب العالمي على أنواع معينة من النيازك. هذه المهنة تتطلب صبرا أيوبيا وجلدا على تحمل قسوة الطبيعة، فهي مطاردة لسراب قد يتحول فجأة إلى حقيقة ملموسة.
ويعمل هؤلاء الصيادون وفق مسارين إما الخروج في حملات بحثية في الصحراء (وهي مغامرة مكلفة وغير مضمونة النتائج)، أو شراء الأحجار من الرحّل والبائعين المحليين ثم إعادة بيعها لهواة جمع النيازك أو للعلماء.
هذه المهنة غيّرت حياة كثيرين من سكان الجنوب، إذ يمكن لنيزك نادر أن يساوي آلاف أو عشرات آلاف الدولارات، في بيئة تعاني من قلة الموارد وفرص العمل. فقد خلقت هذه "التجارة الفضائية" اقتصادا موازيا في القرى النائية، محولة الحجر الصامت إلى ذهب أسود يغذي آمال العائلات.
في عام 2004 كان سقوط نيزك في منطقة بنكرير نقطة مفصلية؛ فقد دفع الأستاذ الباحث عبد الرحمن إبهي الذي يعد من رواد علم النيازك في المغرب والعالم العربي إلى إطلاق مشروع علمي منظم لدراسة النيازك في جامعة ابن زهر بأكادير.
ومنذ ذلك الحين، تأسست وحدة بحث متخصصة في علم البلورات والنيازك، وأسّس المتحف الجامعي للنيازك بأكادير، كما أشرف على مختبر متخصص في الصخور والمعادن والنيازك، وله مؤلفات علمية عربية مهمة حول النيازك المغربية والأفريقية.
وتتم في المختبر دراسة تركيب النيازك (معدنيا وكيميائيا)، وتمييز أنواعها سواء كانت حجرية (كوندرايتية)، وحديدية، أو صخرية-حديدية، ومن ثم تصنيفها وتوثيقها بالتعاون مع قواعد البيانات والمراكز الدولية.
كما ظهر في المغرب أساتذة وعلماء يدرسون هذا العلم ويتخصصون به أمثال الدكتورة حسناء الشناوي أستاذة الجيولوجيا وعلوم النيازك في جامعة الحسن الثاني بمدينة الدار البيضاء. كما تقود أبحاثاً متخصصة في علم النيازك وعلوم الكواكب، وتُشرف على فرق بحثية تهتم بتوثيق النيازك المغربية ودراسة الفوهات الصدمية والكواكب.
وإلى جانب عملها الأكاديمي، أسست مؤسسة "الطارق" المتخصصة في تبسيط علوم الفلك والنيازك ونشر الثقافة العلمية بين الشباب والجمهور في المغرب والعالم العربي. وتعد الشناوي أول امرأة مغربية وعربية وأفريقية تحصل على دكتوراه في علم النيازك، كما شغلت عضوية الهيئة العالمية لتسمية النيازك، وأسهمت في وضع المغرب على خريطة أبحاث النيازك عالميا.
وقد كان هذا الانتقال من "البحث الفطري" إلى "البحث الأكاديمي" خطوة ضرورية لحماية التراث الجيولوجي الوطني وتوثيقه علميا قبل أن يغادر الحدود نحو المجموعات الخاصة.
برزت خلال السنوات الماضية عدة نيازك مغربية ذاع صيتها عالميا، منها نيزك "تيسينت" الذي سقط قرب القرية التي تحمل اسمه جنوب شرق المغرب في يوليو/تموز 2011. شاهد السكان حينها كرة نارية تخترق السماء، ليتبيّن لاحقا أنه نيزك مريخي نادر جدا.
لقد اشترى متحف التاريخ الطبيعي في لندن أجزاء منه بمبالغ طائلة، واهتمت به الصحافة العلمية العالمية، حيث ساهمت دراسته في فهم تاريخ الماء والعمليات الجيولوجية على المريخ، مما جعل اسم المغرب محفورا في أهم الأبحاث الفلكية المعاصرة.
نيزك "الجمال الأسود" المريخي، عثر عليه في المغرب سنة 2012 وعمره 4.4 مليار سنة (الجزيرة الوثائقية)كما يُعد نيزك "الجمال الأسود" (Black Beauty) نيزكا مريخيا آخر عُثر على أجزاء منه في المغرب، وهو من أغلى النيازك سعرا بسبب ندرته والقيمة العلمية الكبيرة لعيناته. أ
ما نيزك "الجمال الأخضر" (Green Beauty) فهو نيزك نادر عُثر عليه قرب منطقة السمارة، وتشير دراساته إلى أنه جاء من كوكب عطارد. وتكمن أهمية هذا النيزك في كونه يتيح للعلماء لأول مرة فحص مادة قادمة من أقرب كوكب إلى الشمس، وهو كوكب شديد الحرارة لا يمكن الوصول إليه بسهولة بمهمات بشرية مأهولة.
لا يمكن الحديث عن النيازك دون ذكر نيازك "أنيف" و"زاكورة" التي كانت من أوائل النيازك التي جرى التعرف عليها في الصحراء المغربية في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات. فقد شكلا بداية الوعي بوجود نيازك قابلة للتجارة والبحث العلمي في المنطقة، وفتحا الباب أمام الاكتشافات الكبرى التي تلت ذلك.
كانت نيازك "أنيف" و"زاكورة" الشرارة الأولى التي نبهت المجتمع المحلي والمؤسسات العلمية إلى أن أرض المغرب ليست مجرد رمال، بل هي مستودع لرسائل كونية تنتظر من يفك شفراتها.
وتحتفظ الثقافة الأمازيغية بقصة أسطورية عن بحيرتي "إيسلي" و"تيسليت" في منطقة "إملشيل" بالأطلس الكبير، مفادها أن البحيرتين هما دموع حبيبين من قبيلتين متخاصمتين اختارا الانتحار بسبب رفض زواجهما.
بحيرتا إيسلي وتيسليت المغربيتان يعتقد بأنها فوهتان نيزكيتان (الجزيرة الوثائقية)لكن الدراسات الجيولوجية التي أُجريت في مختبر جامعة ابن زهر توصلت إلى أن البحيرتين تقعان داخل حفرتين ناتجتين عن اصطدام نيازك كبيرة بسطح الأرض. وقد أدى سقوط هذه النيازك إلى حفر عميقة امتلأت لاحقا بمياه الأمطار والثلوج الذائبة، مما يثبت أن العلم أحيانا يمنح الأسطورة أبعادا أكثر واقعية وإبهارا.
كما اكتُشفت أيضا حفرة نيزكية أخرى في منطقة "أكودال"، مما يؤكد أن الأطلس الكبير شهد أحداثا نيزكية عنيفة في تاريخه الجيولوجي. وهكذا تتجاور في المخيال المغربي رواية الأسطورة مع تفسير العلم، في مشهد يجمع الحس الرمزي للجماعة بالتحليل العلمي الحديث.
فهذا الاصطدام العنيف الذي وقع قبل آلاف السنين لم يترك فقط ندوبا على وجه الأرض، بل ترك قصصا تتوارثها الأجيال، حيث يتحول "الغضب السماوي" في الأسطورة إلى "كشف معرفي" في المختبر، ليتصالح التراث مع العقل.
يوفر بيع النيازك للرحّل وصيادي النيازك دخلا مهما في مناطق تعاني الهشاشة الاقتصادية، حيث تتكوّن سوق دولية تتقاطع فيها المختبرات الجامعية ومتاحف الهواة.
لكن هذه السوق تواجه تحديات جمة، مثل عدم تنظيم المجال بشكل كامل، وخروج الكثير من العينات النادرة إلى الخارج دون استفادة كافية للبحث العلمي المحلي، بالإضافة إلى غياب أطر قانونية واضحة في بعض الحالات لضبط جمع النيازك وتصديرها، وإن تنظيم هذا القطاع كفيل بتحويله إلى رافعة تنموية مستدامة تجمع بين السياحة العلمية والتجارة المنظمة.
"ألان كاريون" جامع نيازك فرنسي يعتبر المغرب أكبر مصدر للنيازك البحثية في العالم (الجزيرة الوثائقية)ومن الناحية العلمية، يضع المغرب نفسه على خريطة الدول المساهمة في علم الكواكب والنيازك، حيث تمكّنت مختبرات مغربية من نشر أبحاث في مجلات دولية مرموقة. كما يتيح وجود متحف ومجموعات نيزكية في المغرب تدريب جيل من الباحثين وطلاب الجيولوجيا والفيزياء الفلكية.
وتعد تجربة النيازك في المغرب مثالا لافتا على تفاعل المعرفة الشعبية للرحل مع العلم الأكاديمي الصارم، في تناغم فريد جعل من حجر صامت جسرا يصل بين خيمة بدوية وبحث علمي ينشر في أرقى المجلات العالمية.
النيازك في المغرب ليست مجرد أحجار داكنة تسقط من السماء؛ إنها قصص متراكبة؛ قصة حبيبين تتحول دموعهما في الأسطورة إلى بحيرتين في الأطلس، وقصة راعٍ بسيط يحدّق في السماء ليلا لعل "حجر الحظ" يسطع ثم يسقط قريبا منه، وقصة عالم جامعي يقرأ تحت المجهر رسالة قديمة حملتها الصخور من المريخ أو عطارد قبل ملايين السنين.
فبين الأسطورة والعلم، وبين الجنوب والشمال، أصبح المغرب اليوم نقطة مضيئة على خريطة علوم النيازك، وفضاء مفتوحا لمن يريد أن يفهم كيف يمكن لحجر صامت أن يحكي تاريخ الكواكب، وأن يغيّر في الوقت نفسه حياة البشر على الأرض.
البحث عن النيازك، مهنة وتجارة وعلم في حياة أهل الصحراء في المغرب (الجزيرة الوثائقية)فهل كان أولئك الشباب من الرحل وهم ينتقلون بين رمال الصحراء وصخورها يعلمون أن هذا الحجر الأسود الصامت قد يغير حياتهم بشكل صارخ لم يحلموا به؟
صحيح أنه لم يكن ينتمي إلى تربتهم، لكنهم وجدوه هناك وأصبح لقاؤهم به أعز ما يطلب في تلك الرحلة المتأرجحة بين الأسطورة والعلم، بين الجنوب والشمال، بين الأرض والسماء، فيتطلع إلى مستقبل قد يأتي سريعا كشهاب ثاقب، وقد يظل معلقا في أفق الانتظار، تماما كسرٍّ كونيّ أزليّ لا يبوح بكل أسراره إلا لمن أخلص في قراءة لغة النجوم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة