آخر الأخبار

عمود السواري فوق الفراغ.. كيف صمد 285 طنا فوق فراغات الأنفاق؟

شارك

لا يزال عمود السواري بمحافظة الإسكندرية يقف شامخا منذ تم إنشاؤه في العصر الروماني، بفعل مبدأ هندسي يسمى "الحبس الانضغاطي"، لكن دراسة نشرتها دورية "هيرتغ ساينس" (Heritage Science)، تلقي بظلال من الشك حول قدرة هذا الأثر الفريد الذي يبلغ ارتفاعه ما يعادل عمارة سكنية من 16 طابقا، على مقاومة التحديات الإضافية التي تفرضها التغيرات المناخية.

ما سبق يقتضي بحسب تلك الدراسة، التي أعدها الدكتور سيد حميدة، رئيس قسم الترميم بكلية الآثار جامعة القاهرة، إخضاع هذا الأثر الفريد، الذي يعد أعلى نصب تذكاري في العالم، لفحوصات هندسية بشكل مستمر تضمن تدخلا مبكرا يحميه من الانهيار.

ويعرف هذا العمود ايضا باسم "عمود بومبي" بسبب اعتقاد خاطئ أن رأس القائد الروماني "بومبي"، الذي قتل في مصر بعد هروبه إليها فراراً من يوليوس قيصر قد دفنت في جرة جنائزية ثمينة وضعت فوق تاج العمود، ويعود أصل الاسم المتداول حاليا إلى فترة الحكم الإسلامي، حيث أسماه العرب بـ "عمود الصواري"، لتشابهه في الشكل مع صواري السفن، ثم حرف الاسم فيما بعد إلى "السواري".

وتصف الدراسة الجديدة بدقة النظام الإنشائي المعقد الذي يوجد داخله هذا العمود، وكيف يحقق مبدأ "الحبس الانضغاطي" لهذا النظام ما يمكن تسميته بـ "توازن حرج"، قد لا يستطيع الصمود في مواجهة تأثيرات التغيرات المناخية التي تضرب استقراره.

ويعرف "الحبس الانضغاطي" بأنه حالة ميكانيكية تعمل على تعزيز صمود المواد ورفع قدرتها على التحمل، وذلك عبر تطويقها بضغوط خارجية تمنع تمدد جزيئاتها أو تفكك كتلتها، ويتجسد هذا المفهوم بوضوح في نظام عمود السواري، الذي يتواجد فوق أنفاق يونانية قديمة ومكتبة ملحقة بها (أنفاق السرابيوم القديمة).

ويتحول هذا المنشأ الجرانيتي الهائل بوزنه البالغ 285 طناً إلى قوة ضغط إيجابية تحمي أنفاق السرابيوم، فمن خلال هذا الثقل، يقوم العمود بتثبيت الصخور الضعيفة المحيطة بتلك الأنفاق التي تمثل "فراغات داخلية" وسط الكتلة الصخرية، مما يضمن بقاء النظام في حالة توازن مستقر رغم هشاشة الصخر الحاضن.

مصدر الصورة مدخل الأنفاق اليونانية القديمة (السرابيوم والمكتبة التابعة له) أسفل عمود السواري (الفريق البحثي)

منهجية بحثية غير مدمرة

وانطلقت الدراسة من توجه فريد من نوعه يعتمد على دراسة تفاعل العمود مع محيطه، وذلك عبر منهجية صارمة تستخدم أدوات غير تدميرية.

إعلان

ويقول سيد للجزيرة نت: "بدأ العمل بتوصيف هندسي ومكاني للموقع من خلال دمج الخرائط الأثرية التاريخية والبيانات الطبوغرافية مع الملاحظات الميدانية التي رصدت عيوباً واضحة كالتشققات وتقشر الجدران".

وبما أن الأنفاق التي يوجد فوقها العمود محفورة داخل صخر، كان لابد من معرفة مدى قوته، وهنا تأتي المرحلة الثانية، حيث تم الحصول على عينات صخرية لإجراء اختبارات معملية عليها لقياس الوزن، والمسامية، والقدرة على امتصاص الماء، وقياس (مقاومة الضغط) للصخر، والتي تبين أنها ضعيفة جدا وتتأثر بشدة بالرطوبة.

وبمجرد اكتمال البيانات المعملية، انتقل الباحث إلى مرحلة بناء المختبر الافتراضي باستخدام "بلاكسيس ثنائي الأبعاد" (PLAXIS 2D)، وهو برنامج هندسي يستخدم عالميا لمحاكاة سلوك التربة والصخور والأساسات.

وأتاح البرنامج تصميم توأم رقمي معقد يحاكي تفاعل التربة مع المنشأ، واضعا في الاعتبار وزن العمود الجرانيتي الهائل البالغ 285 طنا فوق طبقات الصخر الضعيفة، ومن ثم، قام الباحث بمحاكاة "شريط الزمن" الإنشائي للموقع عبر تسلسل منطقي بدأ بحالة الأرض الطبيعية، ثم حفر الأنفاق، وانتهى بإضافة أحمال العمود، مما سمح بفهم كيفية انتقال وتغير الإجهادات داخل الصخر عبر العصور.

ولم يقف الباحث عند وصف الحالة الراهنة فحسب، بل دفع بالنظام نحو حافة الخطر افتراضياً باستخدام تقنية "خفض مقاومة القص"، وهي عملية ذكية تهدف إلى إضعاف خصائص الصخر داخل البرنامج تدريجياً حتى الوصول إلى نقطة الانهيار، وهو ما مكن الباحث من استخلاص "معامل الأمان" الفعلي للموقع.

مصدر الصورة بدأ العمل بتوصيف هندسي ومكاني للموقع (الفريق البحثي)

استقرار مشروط باستمرار الحالة الراهنة

توجت هذه الخطوات البحثية بمجموعة من النتائج الجوهرية التي رسمت صورة دقيقة للحالة الإنشائية الراهنة، حيث كشف التحليل أن أقصى إجهاد رئيسي يتركز بدقة عند زوايا سقف النفق الواقعة مباشرة أسفل محور حمل العمود، بقيمة بلغت نحو 3.16 ميغاباسكال.

ويقول سيد إن "هذه القيمة حوالي 64% من مقاومة الضغط غير المحصور للصخر، مما يعني أن المادة الصخرية في تلك النقاط الحرجة تعمل حاليا بالقرب من حدود قدرتها القصوى، رغم أنها لم تصل بعد إلى مرحلة الانهيار الفعلي".

وبالتوازي مع ذلك، سجلت الدراسة معامل أمان إجمالي قدره 1.55، وهي قيمة يصفها سيد بأنها "مقبولة هندسيا في الظروف العادية"، لكنه عاد وأكد على أنها تعتبر "هامشية" لموقع أثري بهذه الحساسية ويتعرض لتجوية مستمرة.

ومن النتائج اللافتة التي توصل إليها الباحث أن الهبوط الكلي التراكمي في النظام لم يتجاوز 0.74 ملم، وهي قيمة ضئيلة جداً تدل على أن النظام لا يعاني من هبوط فوري كبير، وأرجع سيد هذا الاستقرار الذي يتناقض مع ضعف الصخر إلى "الحبس الانضغاطي"، حيث يقوم وزن العمود الهائل بضغط كتل الصخر المتفككة وربطها معا، مما يزيد من تماسك الكتلة الصخرية المحفور بداخلها الأنفاق ويعزز مقاومتها لقوى القص.

وبناء على هذه المعطيات، أكدت الدراسة أنه يمكن وصف النظام الإنشائي للموقع بأنه يحافظ على "توازن حرج"، وهو تعبير عن واقع ميكانيكي مشروط باستمرار الحالة الراهنة.

إعلان

ويقول سيد: "التوازن الحالي يعتمد على معادلة دقيقة بين قوى ضاغطة مثبتة وأخرى قوية خطرة، ومع استمرار تأثير العوامل البيئية المرتبطة بتغير المناخ، مثل الرطوبة والسيول وارتفاع منسوب المياه، تضعف مقاومة الصخر تدريجياً، مما يهدد باختلال هذا التوازن وتحول تلك المناطق المجهدة في سقف الأنفاق إلى بؤر لفشل إنشائي مستقبلي ما لم يتم التدخل الفعال لحماية الموقع".

دعوة للوقاية لا القلق

ويشدد سيد على أن هذه النتائج التي خلصت لها الدراسة، ليست دعوة للقلق على هذا الإرث الإنساني، لكنها دعوة علمية للوقاية.

ويقول: "يجب أن يخضع النظام الإنشائي الذي يحتوي العمود لأعمال مراقبة ومتابعة هندسية، لا سيما عند زوايا سقف النفق الواقعة مباشرة أسفل محور حمل العمود، باعتبارها النقاط الأكثر عرضة لتركز الإجهادات والضغوط".

ويتزامن هذا الإجراء مع توصية حاسمة يؤكد عليها سيد، وهي ضرورة تقليل تسرب المياه والرطوبة إلى داخل الأنفاق، حيث تعد العامل الأكثر خطورة الذي يعجل بتدهور خواص الصخر الميكانيكية ويقلل من قدرته على الصمود.

وتمتد الرؤية الوقائية التي خلصت إليها الدراسة لتشمل تنفيذ برنامج رصد دوري لا يكتفي بمتابعة التشققات والإزاحات المادية فحسب، بل يمتد ليشمل مراقبة الظروف البيئية المتغيرة داخل الموقع لضمان التدخل المبكر.

وعند التفكير في حلول التدعيم الإنشائي، يدعو الباحث إلى اختيار حلول آمنة وغير معقدة، يمكن التراجع عنها إذا لم تناسب الحالة أو ظهرت آثار غير مرغوبة، وهي فلسفة ترميمية تضمن تقوية الأثر دون المساس بقيمته التاريخية أو إحداث تغييرات دائمة قد تضر بالنسيج الأصلي للصخر.

ويختم الباحث توصياته بدعوة صريحة لربط نتائج هذا التحليل الرقمي بخطط التدخل العملية على أرض الواقع، ليكون القرار في أعمال الترميم والحفاظ مستنداً إلى أساس علمي يضمن استمرارية هذا "التوازن الحرج" في مواجهة التحديات الجيولوجية والمناخية المتداخلة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار