على كوكبنا، يأتي معظم ما نملكه من طاقة بيولوجية في الأصل من الشمس. وتُعرف العملية التي تتحول من خلالها الطاقة الشمسية إلى طاقة كيميائية مخزنة تستفيد منها الكائنات الحية باسم البناء الضوئي. وربما يكون هذا المفهوم مألوفا باعتباره عملية تقوم بها النباتات والطحالب والبكتيريا الزرقاء (الكائنات المنتجة).
ومع ذلك، تمكن عدد محدود من الحيوانات من تجاوز هذا النمط التقليدي، وأصبح قادرا على إنتاج طاقته الذاتية عبر البناء الضوئي، وهي قدرة نادرة للغاية داخل المملكة الحيوانية. وكما تفعل النباتات، تستغل هذه الحيوانات طاقة الشمس وتحولها إلى سكريات ومواد عضوية.
ومن أشهر الأمثلة وأكثرها وضوحا على ذلك أنواع من الرخويات البحرية الساكوغلوسانية المعروفة باسم بزاقات البحر المصاصة، وهي مجموعة فريدة من بطنيات الأقدام البحرية الصغيرة، تُعرف بقدرتها المذهلة على التغذي على ضوء الشمس، ما دفع العلماء إلى تسميتها بـ"رخويات البحر التي تعمل بالطاقة الشمسية".
تحقق هذه الكائنات ذلك عبر امتصاص البلاستيدات الخضراء -وهي عضيات خلوية مسؤولة عن اللون الأخضر للنباتات وعن تحويل ضوء الشمس إلى طاقة غذائية عبر عملية البناء الضوئي- من الطحالب وتخزينها داخل خلايا متخصصة، في عملية تُعرف باسم الكليبتوبلاستي، وهو مصطلح يعني حرفيا "سرقة البلاستيدات", مما أكسبها لقب "مصاصات عصير الطحالب".
لفهم هذه العملية، يوضح الأستاذ المشارك في علم الأحياء بجامعة تامبا بولاية فلوريدا الأمريكية، مايكل ميدلبروكس أن "الرخويات البحرية عند تغذيها على الطحالب، فإنها تقوم بسرقة البلاستيدات الحاوية على صبغات البناء الضوئي، ثم تحتفظ بها داخل خلاياها. وبعد ذلك، وبطريقة لا تزال غامضة إلى حد كبير، تتمكن من إبقاء هذه البلاستيدات حية وفعالة".
ويضيف عالم الحيوان المتخصص في اللافقاريات، وتحديدا في بيئة وتاريخ الرخويات البحرية الطبيعي، في حديثه للجزيرة نت أن "هذا يعد أمرا استثنائيا، لأن البلاستيدات الخضراء غريبة عن جسم الرخوي، ومن المفترض أن تعتمد في وظائفها على نواة الخلية الطحلبية الأصلية. ومع ذلك، تنجح بعض أنواع الرخويات في الحفاظ عليها واستمرار نشاطها لفترة تتراوح بين بضعة أيام وعدة أشهر، اعتمادا على نوع الرخوي ونوع الطحالب التي تغذى عليها".
ومن أبرز الأمثلة على ذلك إليسيا كلوروتيكا، المعروف باسم إليسيا الزمردية الشرقية أو الرخوي البحري الزمردي الشرقي. ورغم أن هذا نوع من الرخويات الساكوغلوسانية قد لا يبدو لافتا للنظر للوهلة الأولى، إذ يشبه ورقة نبات خضراء زاهية، إلا أنه يعد واحدا من أكثر الكائنات الحية غرابة وإثارة على كوكب الأرض.
ويعد هذا "الرخوي الشمسي" نموذجا متطرفا لعملية الاستيلاء البلاستيدي. إذ "يستخدم -بحسب ميدلبروكس- سن مجهري دقيق ومدبب يُعرف باسم الراديولا، لإحداث ثقب صغير في النسيج الطحلبي، ثم يمتص محتوياته الداخلية بطريقة شفطية، ويهضم معظم المكونات التي تدخل جسمه، باستثناء البلاستيدات الخضراء.
ويضيف "تُدمج هذه البلاستيدات داخل الخلايا الظهارية المبطنة لجهازه الهضمي، والذي يتفرع عبر جسمه المسطح إلى شبكة واسعة من الامتدادات الدقيقة. وفي نهايات هذه التفرعات توجد خلايا متخصصة تقوم بابتلاع البلاستيدات الخضراء. ويمنحه هذا التوزيع مظهرا أكثر شبها بالأوراق النباتية".
واقترح العلماء عدة تفسيرات لتطور هذه الظاهرة، إحداها تشير إلى أن اللون الأخضر الناتج عن البلاستيدات المسروقة قد يكون وسيلة تمويه يساعد الرخوي على الاندماج بصريا مع الطحالب التي يعيش بينها ويتغذى عليها. كما قد تكون هذه البلاستيدات مخزنا للطاقة يُستخدم عند ندرة الغذاء، ما يجعلها نظاما متعدد الوظائف يجمع بين الحماية والتغذية.
ورغم أن هذا التكيف يبدو استثنائيا، فإن هناك أكثر من 70 نوعا من الرخويات البحرية القادرة على سرقة عضيات خلوية من كائنات أخرى. لكن ما يميز إليسيا كلوروتيكا وعددا قليلا من الأنواع القريبة منه في مناطق البحر المتوسط والمحيط الهادئ هو طول المدة التي يمكنها خلالها الاحتفاظ بالبلاستيدات الخضراء، إذ يمكنه التغذي مرة واحدة فقط، ثم إكمال دورة حياته – التي تمتد إلى 8 أو 9 أشهر- من دون الحاجة إلى تناول الطعام مجددا، وخلال هذه الفترة، يعيش بطريقة تشبه النباتات، الأمر الذي أكسبه لقب "الأوراق الزاحفة".
والأكثر إثارة للدهشة أن هذه الكائنات مختلطة التغذية تمتلك آليات للتعامل مع الآثار الجانبية السامة للبناء الضوئي. فرغم أن هذه العملية تنتج الطاقة، إلا أنها تولد أيضا مركبات كيميائية عالية التفاعل يمكنها إتلاف الخلايا، وهو ما يشبه إشعال فتيل قنبلة داخل الجسم.
ووفقا للأستاذ المشارك في علم الأحياء الجزيئي والخلوي بجامعة هارفارد، نيكولاس بيلونو، تشير إحدى الفرضيات المطروحة إلى أن الرخويات البحرية تخزن البلاستيدات الخضراء داخل حجرات خلوية متخصصة تُعرف باسم الكليبتوسومات، وتعمل على الحفاظ على البيئة الكيميائية الضرورية للبناء الضوئي، مع احتواء النواتج السامة ومنع انتشارها إلى بقية الخلايا.
وتدعم دراسة قادها بيلونو، ونُشرت في مجلة "سيل" (Cell)، في سبتمبر/أيلول 2025، هذه الفرضية، فقد أظهرت أن هذه البنى تؤدي دورا وقائيا، إذ تحافظ على البلاستيدات الخضراء وتمكنها من الاستمرار في إنتاج الطاقة اعتمادا على ضوء الشمس دون تعريض الجسم لأضرار واسعة.
ويقول بيلونو في حديثه للجزيرة نت "عندما لا تتوفر للرخويات مصادر غذاء خارجية، يتغير دور الكليبتوسوم؛ فبدلا من الاكتفاء بحماية البلاستيدات، يبدأ في هضمها تدريجيا للاستفادة من مخزونها الغذائي. وبذلك تصبح هذه الكائنات أقل شبها بحيوانات تعمل بالطاقة الشمسية، وأكثر شبها بـ"ثلاجات متحركة" تحمل غذاءها داخل أجسامها".
يبدو سلوك هذه الرخويات، القائم على سرقة مكونات الطحالب واستغلال ضوء الشمس لإنتاج الطاقة، أقرب إلى أفكار الخيال العلمي. ويشبه ذلك إلى حد ما حبكة رواية "مشروع هايل ماري" الصادرة عام 2021، والتي تحولت لاحقا إلى عمل سينمائي.
في الرواية، تواجه البشرية خطرًا وجوديا بسبب كائنات مجهرية فضائية تُعرف باسم الأستروفاج، تنمو على سطح الشمس وتتغذى على طاقتها، حيث تمتص الإشعاع الكهرومغناطيسي وتخزنه لاستخدامه في الحركة أو التكاثر، ما يقلل كمية ضوء الشمس الواصلة إلى الأرض، ويهدد بحدوث عصر جليدي جديد.
يقول ميدلبروكس إن "البيولوجيا التي تظهر لدى كائنات أستروفاج" في الرواية تختلف كثيرا عن أي شيء معروف على الأرض. مضيفا أن "أبرز أوجه التشابه أن كلا من الرخويات البحرية وكائنات أستروفاج يعتمد على الطاقة الشمسية، إلا أن كائنات الرواية تستطيع البقاء في الفضاء، كما يمكنها امتصاص وتخزين كميات هائلة جدا من الطاقة. لكن هذا لا يعني بالطبع أن علينا القلق من رخويات قد تحجب الشمس عن الأرض".
ولا تبدو فكرة "التهام الإشعاع" مستحيلة علميا، بل توجد بالفعل في الطبيعة عبر الكائنات الضوئية التغذية التي تلتقط الفوتونات (الجسيمات الأساسية للضوء) وتحولها إلى طاقة حيوية.
وتُعرف النباتات بأنها أبرز الكائنات الضوئية، لكن امتلاك بعض الرخويات البحرية وكائنات متطرفة أخرى لقدرة مشابهة يجعلها حالة استثنائية في عالم الحيوان، ويمنحها مكانة علمية فريدة تشبه -ولو جزئيا- القدرات الخارقة المتخيلة لكائنات الخيال العلمي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة