آخر الأخبار

الأمر ليس "كبسة زر".. لهذا ستستمر معاناة أسواق الطاقة حتى بعد نهاية الحرب

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

عندما تجبرك الظروف على السفر إلى بلد آخر، قد توصي قريبا لك بالعناية بسيارتك بتشغيلها من حين لآخر، حتى تحافظ على كفاءة محرك السيارة، وإذا لم تجد من يقوم بهذا العمل، فعند تشغيلها بعد العودة، ستواجه صعوبة بسبب ترسب الزيت على المحرك وصدأ بعض أجزائه وضعف البطارية، وهذا ما يحدث بالضبط مع آبار النفط التي تم إيقاف إنتاجها لفترة طويلة، وذلك بعد تجاوزها مرحلة قصيرة من فورة الإنتاج التي تحدث بعد إعادة التشغيل.

ويحدث بعد الإغلاق الطويل فورة في الإنتاج ربما لساعات أو أيام على أفضل الأحوال، تتجاوز الوضع ما قبل الإغلاق، لكن سرعان ما تقل سريعا جدا، ليبدأ البئر في المعاناة من تداعيات الإغلاق الطويل، الذي يترك بصمة مشابهة لما يتركه الغياب لفترة طويلة عن تشغيل محرك السيارة، وهذا هو أحد الأسباب المهمة في أن سوق النفط لم يتعافَ إلى الآن، بعد فترة الإغلاق التي فرضتها الحرب الأمريكية الإيرانية.

ويقول أستاذ هندسة الاستكشاف وتقييم الطبقات بقسم هندسة البترول في كلية الهندسة بجامعة القاهرة الدكتور عبد العزيز محمد عبد العزيز، إنه "أثناء عمل البئر بشكل طبيعي، فإن النفط يتدفق باستمرار من المكمن إلى البئر ثم إلى السطح، وهو ما يؤدي إلى انخفاض الضغط تدريجيا قرب البئر بسبب السحب المستمر، وتتكون قنوات تدفق مستقرة داخل الصخور، وتبقى السوائل من النفط والغاز في حالة حركة وتوازن ديناميكي".

ومع توقف عملية الإنتاج لفترة طويلة أثناء فترة الإغلاق الطويلة، يتوقف التدفق تماما، ومع بداية فتحه من جديد تحدث قفزة إنتاجية قصيرة، ثم يبدأ المنحنى في الانكسار، وبدلا من استقرار الإنتاج، يبدأ البئر في المعاناة من أعراض فترة الإغلاق الطويلة.

وتتلخص تلك الأعراض في أن ضغط المكمن يبدأ في الارتفاع من جديد وتعيد السوائل توزيع نفسها داخل الصخور، وتحدث ترسبات لمواد مثل الأسفلتين والبارافين (الشمع)، وهو ما يؤدي إلى توقف قنوات التدفق عن العمل، والنتيجة أن النظام يفقد استقراره وتتغير خصائص التدفق، كما يوضح الدكتور عبد العزيز.

مصدر الصورة إغلاق الآبار لفترة طويلة يؤدي لفورة إنتاجية مؤقتة جدا عند إعادة التشغيل (شترستوك)

الأسفلتين.. كوليسترول النفط

ويصف عبد العزيز "الأسفلتين" بأنه المشكلة الأكبر أثناء عملية الإغلاق، فهذه المادة هي المكون الأثقل والأكثر تعقيدا في النفط الخام، وتوصف عادة بأنها "كوليسترول الشرايين" في صناعة البترول، نظرا لمسؤوليتها عن انسداد الآبار وتلف المنشآت السطحية.

إعلان

ويقول إن "بقاء هذه المادة ذائبة في النفط يعتمد على ثلاثة عوامل تختفي جميعها خلال فترات الإغلاق الطويل لآبار النفط، فيؤدي ذلك إلى ترسبها في شرايين الآبار".

وأول هذه العوامل، هو التوازن الدقيق بين الضغط ودرجة الحرارة، والذي يفتقد خلال فترات الإغلاق الطويل، حيث يبدأ الضغط داخل عمود البئر ومنطقة المكمن القريبة في الاستقرار أو التغير، وإذا وصل إلى ما يعرف بـ "ضغط بداية ترسيب الأسفلتين" تبدأ الجزيئات في الانفصال عن الحالة السائلة، كما أن توقف التدفق يعني فقدان الحرارة الطبيعية القادمة من أعماق الأرض، ويؤدي ذلك بدوره إلى برودة النفط داخل أنبوب الإنتاج، وهو ما يقلل من قدرة المذيبات الطبيعية "مثل المركبات العطرية" على إبقاء الأسفلتين ذائبا، مما يؤدي لترسبه كطبقة صلبة.

أما العامل الثاني، فهو ما يعرف بـ "حركية التجمع والوقت"، حيث لا يحدث ترسيب الأسفلتين لحظيا، بل يمر بمراحل، تبدأ بانفصال الجزيئات (الترسيب) ثم تكتل الجزيئات الصغيرة لتصبح أكبر (التندف)، وأخيرا (الترسيب الجاذبي)، وما يحدث أنه في حالات التدفق المستمر، قد لا تجد التكتلات وقتا كافيا للالتصاق بالجدران بسبب سرعة الجريان، أما أثناء الإغلاق، فإن حالة السكون تمنح جزيئات الأسفلتين الوقت الكافي لتتجمع وتترسب بفعل الجاذبية على جدران الأنابيب أو داخل المسام الصخرية، مما يصعب إزالتها عند إعادة التشغيل.

ويعرف العامل الثالث، الذي أشار إليه عبد العزيز بـ "التغيرات التركيبية"، حيث يكون النفط في أعماق الأرض مخلوطا بالغازات تحت ضغط هائل (مثل السكر المذاب في الشاي)، لكن أثناء الإغلاق، يتغير الضغط داخل عمود البئر، وإذا انخفض الضغط عن مستوى معين يسمى "نقطة الفقاعة" لا يصبح النفط قادرا على الاحتفاظ بالغازات ذائبة داخله، ويحدث انفصال غازات مثل الميثان والإيثان، لتتحول من الحالة السائلة الممتزجة بالنفط إلى فقاعات غازية حرة، ويؤدي بقاء هذه الغازات الخفيفة المنفصلة على تماس مباشر مع النفط لفترة طويلة إلى إعادة امتزاج جزء منها بالنفط بطريقة تغير من كيمياء السائل، وهو ما يقلل من قدرة الزيت الخام على إبقاء الأسفلتين ذائبا، فتتغير طبيعة السائل ولا يعود قادرا على الحفاظ على مكوناته متجانسة.

ورصدت مراجعة شاملة نشرت بدورية "فيول" (Fuel) التفاصيل الفيزيائية والكيميائية لهذه العمليات الثلاث التي شرحها عبد العزيز، وقالت إن فهم ديناميكا الترسيب لهذه المادة يعد أمرا حيويا، ليس فقط لتشخيص الانسدادات التي تعطل الآبار، بل لابتكار تقنيات تساعد على العلاج.

كما تناولت دراسات حالة بعض الآبار التي توقف إنتاجها أو قل بشكل كبير بسبب ترسبات "الأسفلتين"، ومنها حالة حقلية من جنوب غرب إيران، نشرت بدورية "جورنال أوف موليكيولار ليكودز" (Journal of Molecular Liquids).

الشمع الذي يخنق تدفق النفط

وبدرجة أقل من "الأسفلتين" تحدث ترسبات لمادة أخرى هي "البارافينات" أو ما يعرف بـ "الشمع".

ويقول عبد العزيز: "توجد عدة عوامل تتحكم في حدوث ترسب لتلك المادة، أبرزها درجة الحرارة والضغط، فأثناء التشغيل يكون النفط دافئا بفعل الجريان والاحتكاك، وعند الإغلاق يبرد السائل تدريجيا، خصوصا قرب جدار الأنبوب، وهذا يؤدي إلى تبلور جزيئات البارافين، ونفس الشيء بالنسبة للضغط، حيث يساعد الضغط العالي أثناء التشغيل على بقاء الشمع مذابا، حيث يمكن تشبيه الضغط في هذه الحالة بـ(غطاء محكم) يمنع الجزيئات من الانفصال، وعندما ينخفض الضغط أثناء الإغلاق الطويل تقل قدرة النفط على إذابة الشمع، وتبدأ جزيئاته في الانفصال والتبلور".

إعلان

ويزيد من هذا التأثير "غياب الحركة"، حيث يحمل الجريان المستمر أثناء التشغيل البلورات الدقيقة ويمنعها من الالتصاق، لكن في حالة السكون المرتبطة بالإغلاق الطويل تتجمع البلورات وتلتصق بالجدران.

وشبهت دراسة نشرت بدورية "جورنال أوف بتروليوم تكنولوجي" (Journal of Petroleum Technology) ما يحدث باستخدام ثاني أكسيد الكربون في حالته فوق الحرجة لاستخلاص الكافيين من حبوب القهوة بفعالية عالية.

وتوضح الدراسة أن الغازات الخفيفة داخل المكمن العميق تقوم بالدور نفسه، إذ تعمل كمذيبات قوية تبقى المكونات الثقيلة مثل الشمع مذابة ومستقرة، لكن ما إن تتغير الظروف، كما يحدث عند توقف الإنتاج، حتى تفقد هذه المذيبات الطبيعية قدرتها، فتخرج المواد الثقيلة من حالتها الذائبة وتترسب، تماما كما قد تترسب بعض مركبات القهوة عند تغير الحرارة.

مصدر الصورة البئر يسحب النفط باستمرار، وهذا السحب يخلق منطقة ضغط منخفض قرب البئر (الفرنسية)

إعادة توزيع الضغط داخل الصخور

وإضافة لمواد الترسيب والدور الذي تلعبه أثناء فترات الإغلاق الطويل، فإن هناك عاملا سلبيا آخر وهو "إعادة توزيع الضغط داخل الصخور".

يقول عبد العزيز إنه "أثناء الإنتاج، فإن البئر يسحب النفط باستمرار، وهذا السحب يخلق منطقة ضغط منخفض قرب البئر، بينما يبقى الضغط أعلى بعيدا عنه داخل المكمن، والنتيجة أنه يوجد فرق ضغط يدفع النفط نحو البئر، لكن عند التوقف الطويل يتوقف السحب فجأة، وبالتالي لم يعد هناك اتجاه محدد لحركة السوائل، لذلك يبدأ الضغط في إعادة التوزيع داخل الصخور، فلا يبقى منخفضا قرب البئر، ولا مرتفعا بعيدا عنه، بل يبدأ في الانتشار والاقتراب من التوازن، وتختفي الفروق بين مناطق الضغط المختلفة ويصبح الضغط أكثر تجانسا داخل المكمن".

ويشبه عبد العزيز هذا الوضع باسفنجة مبللة، فعند الضغط عليها من جهة واحدة، يندفع الماء في اتجاه معين، وعند تركها يعيد الماء الانتشار داخلها بالتساوي".

وكانت دراسة نشرتها دورية "جورنال أوف بتروليوم إكسبلوريشن آند برودكشن تكنولوجي" (Journal of Petroleum Exploration and Production Technology)، قد تناولت الأضرار التقنية داخل المكامن التي حدثت بسبب إغلاقات قسرية ومفاجئة مشابهة للوضع الحالي، وكشفت عن خسائر كبيرة في الإنتاج.

وحدث الإغلاق الذي تناولته الدراسة أثناء جائحة "كوفيد-19″، وتسبب في خسائر بالإنتاج وصلت إلى 41% من إجمالي الإنتاج التراكمي، خاصة في المكامن الضيقة وآبار النفط غير التقليدية.

حياة جديدة أو مرض صعب

ويؤدي الإغلاق الطويل إلى مرض صعب، تختلف فرص الشفاء التام منه من بئر لآخر، لكنه قبل أن يعلن عن أعراض هذا المرض، يظهر صحوة أشبه بصحوة المرضى قبل الوفاة، تتمثل في حدوث فورة خادعة في الإنتاج.

وتشرح دراسة نشرتها دورية "جورنال أوف بتروليوم ساينس آند إنجنيرينغ" (Journal of Petroleum Science and Engineering)، أسرار هذه الطفرة الإنتاجية، والتي تكمن في أنه عند إغلاق البئر فترة طويلة، يرتفع الضغط داخل الصخور فيذوب جزء من الغاز في النفط، فيصبح النفط أسهل حركة داخل المسام الضيقة، وعند إعادة تشغيل البئر ينخفض الضغط، فيتمدد الغاز المذاب ويدفع النفط بقوة نحو السطح، فيزيد تدفقه مؤقتا.

ويقول عبد العزيز إن "هذه الفورة الإنتاجية لا تعدو أن تكون قناعا مؤقتا يخفي خلفه أعراضا جسيمة لمرض صعب، يسبب حالة من الانهيار المتسارع في الإنتاج، فبعد أن يستنزف البئر طاقة الضغط المخزونة، يرتطم بحائط الصد الذي شيده الأسفلتين والشمع المترسب، وتبدأ مرحلة المعاناة التقنية، حيث يكتشف المهندسون أن النبض القوي في البداية لم يكن دليلا على الصحة، بل كان مجرد تفريغ لشحنة مؤقتة تلتها سكتة إنتاجية ناتجة عن انسداد مزمن في شرايين المكمن".

هل يمكن استعادة البئر؟

إذا كان الإغلاق الطويل مضرا لكل أنواع الآبار، فإنه لا يوجد موعد موحد لفترة الإغلاق القصير التي تكون مثالية، ويعود ذلك إلى التباين الهائل بين الآبار في مسامية الصخور ولزوجة الخام، فالفترة التي تكون مثالية لبئر في السعودية، قد تكون مضرة لبئر في تكساس بأمريكا.

إعلان

وكما تختلف الفترة المثالية للإغلاق القصير باختلاف نوعية الآبار، فإن نوع الآبار أيضا يحدد مدى قدرتها على استعادة الإنتاج بكفاءة بعد التدخلات التي سيتم تنفيذها لعلاج آثار الإغلاق الطويل.

ويشبه عبد العزيز تلك العملية بإعادة تأهيل الشرايين في الطب، وتبدأ رحلة العلاج بحقن المذيبات العطرية القوية مثل التولوين والزيلين لتفتيت الانسدادات الصلبة بسبب الأسفلتين والشمع، أو اللجوء إلى "التحميض" لإذابة القشور المعدنية وفتح القنوات المجهرية التي خنقها الركود.

أما في الحالات التي تستعصي فيها الرواسب على المذيبات، فيتم الانتقال إلى التدخلات الميكانيكية والحرارية، وتبرز هنا تقنيات "الأنابيب الملتوية" التي تضخ سوائل التنظيف بضغط عال في عمق الانسداد، جنبا إلى جنب مع عمليات "الزيت الساخن" لإذابة الشموع، وفي الحالات القصوى التي يبلغ فيها التلف مداه، لا يجد المهندسون مفرا من "إعادة التكسير الهيدروليكي" لخلق مسارات تدفق بديلة تتجاوز المناطق المتضررة تماما، وهي عملية باهظة التكلفة لكنها غالبا ما تمنح البئر عمرا إنتاجيا جديدا.

وحول إمكانية عودة البئر لنفس كفاءته السابقة، يشير عبد العزيز إلى ثلاثة سيناريوهات متباينة، ففي حالات "التحفيز الناجح"، قد يتفوق على أدائه الأصلي بفضل توسيع المسارات الصخرية.

أما السيناريو الأكثر شيوعا، فهو استعادة جزئية تتراوح بين 80% إلى 90%، حيث يظل المكمن محتفظا ببعض "الندوب" الناتجة عن تغير في خصائص سطح الصخور أو احتباس دائم لفقاعات الغاز. وأخيرا، السيناريو الثالث والأقل احتمالا، فقد يواجه البئر "عجزا مستديما" إذا ما تعرضت الشقوق لغزو مائي عميق أو تحطمت الدعامات المسامية تحت ضغط الأرض الهائل أثناء السكون.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار