قد يدفع الناس أسعارا أعلى للطعام والوقود والكهرباء، في وقت تصبح فيه فرص العمل أقل، والزيادات في الرواتب أبطأ، بينما ترتفع كلفة القروض والتمويل.
هكذا ينعكس الركود التضخمي مباشرة على حياة الأفراد، في واحد من أكثر السيناريوهات الاقتصادية تعقيدا وإثارة للقلق.
ومع دخول الحرب الإيرانية شهرها الثالث واستمرار إغلاق مضيق هرمز، تتزايد التحذيرات من عودة شبح "الركود التضخمي" إلى الاقتصاد العالمي، وسط ارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ النمو الاقتصادي.
وتشير تقارير اقتصادية وتحليلات مؤسسات مالية دولية إلى أن العالم يواجه مزيجا معقدا من تباطؤ النشاط الاقتصادي وارتفاع الأسعار، وهو السيناريو الذي يخشاه صناع القرار منذ أزمة السبعينيات النفطية.
الركود التضخمي هو حالة اقتصادية تجمع بين أمرين متناقضين عادة: الركود الاقتصادي وارتفاع التضخم في الوقت نفسه.
فالركود يعني تباطؤ النمو وتراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع البطالة، بينما يعني التضخم ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للأفراد.
وفي الظروف الطبيعية، تلجأ البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، أو خفضها لتحفيز النمو، لكن المشكلة في الركود التضخمي أن أي إجراء لمعالجة أحد الجانبين قد يزيد الآخر سوءا.
ويعني ذلك عمليا أن الناس قد يدفعون أسعارا أعلى للطعام والوقود والكهرباء والإيجارات، في وقت تصبح فيه فرص العمل أقل والزيادات في الرواتب أبطأ، وهو ما يجعل الحياة المعيشية أكثر صعوبة.
لا يظهر أثر الركود التضخمي فقط في المؤشرات الاقتصادية وأسعار النفط، بل ينعكس مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية للأسر والأفراد، من تكلفة الغذاء والسكن إلى فرص العمل والادخار والاستثمار.
يُعد ارتفاع الأسعار الأثر الأكثر وضوحا للركود التضخمي، إذ ترتفع تكاليف الغذاء والمواد الأساسية، الوقود والمواصلات، الكهرباء والطاقة، الإيجارات والخدمات.
ويحدث ذلك لأن الشركات تواجه ارتفاعا في تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة، فتنقل جزءا كبيرا من هذه الزيادة إلى المستهلك النهائي.
ومع استمرار التضخم لفترة طويلة، تصبح الزيادات المتكررة في الأسعار عبئا يوميا على الأسر، خصوصا ذات الدخل المحدود والمتوسط.
حتى إذا بقي الراتب كما هو، فإن قيمته الحقيقية تتراجع مع ارتفاع الأسعار.
فعلى سبيل المثال، إذا ارتفعت أسعار الغذاء والطاقة بنسبة 10% بينما ارتفع دخل الفرد بنسبة 2% فقط، فإن القوة الشرائية تنخفض فعليا.
وهذا يعني أن الأسرة قد تضطر إلى تقليص الإنفاق على الترفيه والسفر، تأجيل شراء السيارات أو المنازل، خفض جودة بعض السلع الاستهلاكية، تقليل الادخار.
وفي الحالات الحادة، قد تجد الأسر صعوبة في تغطية الاحتياجات الأساسية.
في فترات الركود التضخمي تتراجع مبيعات الشركات وأرباحها بسبب ضعف الطلب وارتفاع التكاليف، ما يدفعها إلى تجميد التوظيف، خفض العمالة، تقليل الرواتب أو الحوافز، تأجيل التوسع والاستثمار.
وتكون القطاعات الأكثر تأثرا عادة الصناعة والعقارات والتجزئة والشركات المعتمدة على الاستهلاك.
أما الشباب والخريجون الجدد، فيواجهون صعوبة أكبر في دخول سوق العمل بسبب انخفاض فرص التوظيف.
تحاول البنوك المركزية عادة مكافحة التضخم عبر رفع أسعار الفائدة، ما يجعل الاقتراض أكثر تكلفة.
ويؤثر ذلك مباشرة على القروض العقارية، وتمويل السيارات وبطاقات الائتمان، وقروض الشركات، والتمويل الشخصي.
فعندما ترتفع الفائدة تزيد الأقساط الشهرية، وترتفع كلفة شراء المنازل والسيارات، وتتراجع قدرة الشركات على التوسع، ويصبح الحصول على تمويل أصعب.
وفي بعض الحالات، يؤدي ذلك إلى تباطؤ قطاع العقارات والاستثمار بشكل واضح.
رغم أن بعض الأصول قد ترتفع قيمتها مؤقتا خلال التضخم، فإن حالة الركود تضغط في النهاية على معظم الاستثمارات.
فالأسهم تتأثر بتراجع أرباح الشركات، بينما تتضرر السندات من ارتفاع الفائدة والتضخم، وقد تشهد العقارات تباطؤا بسبب ضعف الطلب وارتفاع التمويل.
كما أن المستثمرين الأفراد قد يتعرضون لخسائر بسبب التقلبات الحادة، وقرارات الشراء العاطفية، والمضاربات السريعة، وضعف السيولة.
وفي المقابل، تميل الأموال خلال فترات الركود التضخمي إلى البحث عن "الملاذات الآمنة" مثل الذهب أو النقد أو بعض الأصول الدفاعية، لكن حتى هذه الخيارات لا تضمن دائما تحقيق أرباح مستقرة.
لا يقتصر أثر الركود التضخمي على الاقتصاد فقط، بل يمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي، إذ يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة، والخوف من فقدان الوظيفة، وتراجع الادخار، وزيادة الديون، إلى ارتفاع مستويات القلق المالي لدى الأسر، خصوصا مع استمرار عدم اليقين الاقتصادي لفترات طويلة.
بحسب تقرير سابق للجزيرة نت، ينصح خبراء الاقتصاد باتخاذ خطوات احترازية خلال فترات الركود التضخمي، أبرزها:
ويرى خبراء أن الأزمات الاقتصادية، رغم صعوبتها، قد تخلق فرصا استثمارية مهمة لمن يمتلكون السيولة والخطط طويلة الأجل، لكنهم يحذرون في الوقت نفسه من القرارات العاطفية أو الاستثمار غير المدروس خلال فترات التقلب الحاد.
يقول تقرير لوكالة رويترز، فإن استمرار إغلاق مضيق هرمز نتيجة حرب إيران أدى إلى أطول اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية، مما دفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات مرتفعة وأعاد المخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي مصحوب بتضخم مرتفع.
وارتفع خام برنت إلى 126 دولارا للبرميل، وهو مستوى أعلى بكثير من متوسط الأسعار خلال السنوات الأخيرة، كما يزيد بأكثر من 50% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
وترى مؤسسات مالية أن استمرار هذا الارتفاع قد يخفض النمو العالمي إلى ما بين 1.5% و2%، مع ارتفاع التضخم العالمي إلى قرابة 5%.
ويقول محللون إن ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على المستهلكين والشركات معا، إذ ترتفع تكاليف النقل والتصنيع والغذاء والأسمدة، مما يؤدي إلى تراجع الطلب وتباطؤ النمو.
وخفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، الناجم عن الحرب في الشرق الأوسط، وأشار إلى أن العالم يتجه بالفعل نحو سيناريو أسوأ يتسم بنمو أضعف كثيرا مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز.
وتشير توقعات سيناريو أسوأ الظروف، أو السيناريو القاسي، في تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" الصادر عن الصندوق إلى ما يلي إلى أن من المتوقع أن يتجاوز التضخم العالمي لعام 2026 نحو 6% ، مقارنة بنسبة 4.4% في السيناريو المرجعي الأكثر تفاؤلا، وهو افتراض تستند إليه توقعات الصندوق للنمو على مستوى البلدان والمناطق.
تبدو أوروبا الأكثر هشاشة أمام هذا السيناريو بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة.
وتشير بيانات اقتصادية إلى تباطؤ النشاط التجاري وتشديد معايير الإقراض المصرفي، أي زيادة صعوبة حصول الشركات والأفراد على التمويل والقروض، إضافة إلى ارتفاع توقعات التضخم.
ورفع معهد "آي إم كي" IMK الألماني نسبة احتمال دخول الاقتصاد الألماني في ركود خلال الربع الثاني إلى 34%.
كما حذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار اضطرابات هرمز لشهر إضافي قد يدفع منطقة اليورو إلى "ركود تقني"، وهو مصطلح يشير عادة إلى تسجيل الاقتصاد انكماشا لربعين متتاليين.
وفي بريطانيا، خفض صندوق النقد الدولي توقعات النمو، بينما ارتفعت عوائد السندات الحكومية بوتيرة حادة، مما يعني زيادة تكلفة الاقتراض على الحكومة والشركات والأفراد.
كما تراجعت أسواق الأسهم الأوروبية مع تصاعد المخاوف من تباطؤ الاقتصاد وارتفاع التضخم في الوقت نفسه.
ورغم أن الولايات المتحدة تواجه ضغوطا تضخمية متزايدة، فإن تأثير صدمة الطاقة على النمو يبدو أقل مقارنة بأوروبا، بسبب انخفاض اعتمادها على واردات النفط عبر مضيق هرمز.
لكن المخاوف لا تزال قائمة، خاصة مع ارتفاع توقعات التضخم الاستهلاكي وتصريحات مصرفيين كبار، بينهم الرئيس التنفيذي لبنك "جيه بي مورغان" جيمي ديمون، الذي أكد أن أسوأ سيناريوهات الركود التضخمي ما زالت مطروحة.
أما آسيا، فتتحمل العبء الأكبر بسبب اعتمادها الواسع على النفط والغاز الخليجيين، إذ تستحوذ عادة على نحو 80% من صادرات النفط الخليجية و90% من شحنات الغاز الطبيعي المسال.
وتواجه بعض دول جنوب وجنوب شرق آسيا بالفعل نقصا في الطاقة وضغوطا على الشركات والعملات المحلية، بينما تبدو الصين في وضع أفضل نسبيا بفضل احتياطياتها النفطية الكبيرة وتنوع مصادر الطاقة لديها.
الولايات المتحدة تواجه ضغوطا تضخمية متزايدة (رويترز)ارتبط الركود التضخمي تاريخيا بصدمات الطاقة الكبرى والحروب والأزمات الجيوسياسية.
وكانت أبرز موجاته خلال سبعينيات القرن الماضي بعد حظر النفط العربي عام 1973، حين قفزت أسعار النفط بشكل حاد عقب حرب أكتوبر/تشرين الأول، مما أدى إلى تباطؤ اقتصادي واسع وارتفاع كبير في الأسعار.
وتشير بيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أن التضخم تجاوز آنذاك 10% في بعض الاقتصادات الكبرى، بينما عانت الأسواق من ارتفاع البطالة وضعف النمو.
وتكررت المخاوف من الركود التضخمي بعد الثورة الإيرانية عام 1979، عندما تسببت اضطرابات إنتاج النفط الإيراني في موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، مما دفع البنوك المركزية -وفي مقدمتها الاحتياطي الفدرالي الأمريكي- إلى رفع أسعار الفائدة بشكل حاد لكبح التضخم، الأمر الذي أدخل الاقتصاد الأمريكي لاحقا في ركود مطلع الثمانينيات.
كما عادت التحذيرات من الركود التضخمي خلال جائحة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، مع اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالميا، إلا أن الاقتصاد العالمي تجنب حتى الآن الدخول في موجة ركود تضخمي واسعة النطاق مشابهة لما حدث في السبعينيات.
أبرز موجات الركود التضخمي كانت خلال حرب أكتوبر 1973 (غيتي)رغم كل هذا قلل الأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ماتياس كورمان، من احتمالات دخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود تضخمي نتيجة تداعيات الحرب على إيران، مشيرا إلى أن السيناريو الأساسي لا يتضمن هذا الخطر.
وقال كورمان، خلال مشاركته في منتدى اقتصادي بمدينة دلفي اليونانية قبل نحو أسبوع إن ما يشهده العالم حاليا يختلف عن أزمات السبعينيات، موضحا أن الضغوط التضخمية الراهنة ناتجة أساسا عن صدمة عرض مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة، وليس عن اختلالات هيكلية عميقة في الاقتصاد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة