كشفت دراسة حديثة عن حالة ملفتة في عالم الحيوان، إذ نجح ببغاء مهدد بالانقراض في الوصول إلى موقع القيادة داخل مجموعته، رغم معاناته من إعاقة جسدية شديدة.
وتقدم هذه الحالة مثالا نادرا على قدرة الكائنات الحية على تحويل نقطة ضعف واضحة إلى مصدر قوة، حسب الدراسة التي نُشرت يوم 20 أبريل/نيسان في مجلة "كارنت بيولوجي" (Current Biology).
تناولت الدراسة حالة ببغاء من نوع "كيا" يعيش في نيوزيلندا يدعى "بروس"، فقد الجزء العلوي بالكامل من منقاره، وهو جزء أساسي يستخدمه الطائر عادة في الأكل والدفاع والقتال، ما كان يفترض أن يضعه في موقع أضعف مقارنة ببقية الذكور؛ لكن المفاجأة كانت أن بروس لم ينج فقط من هذه الإعاقة، بل أصبح الذكر المسيطر في مجموعته، متفوقا على جميع منافسيه.
خلال فترة المراقبة، سجل الباحثون 227 تفاعلا عدائيا بين أفراد المجموعة، من بينها 162 مواجهة بين الذكور.
وفي كل هذه المواجهات، فاز بروس دون أن يتعرض لأي هزيمة، "وهو إنجاز استثنائي في مجتمعات الحيوانات التي تعتمد عادة على القوة الجسدية" حسب المؤلف الرئيسي للدراسة، ألكسندر جرابهام، باحث ما بعد الدكتوراه في كلية العلوم البيولوجية في جامعة كانتربري في نيوزيلندا.
يوضح جرابهام في تصريحات للجزيرة نت أن هذا التفوق يُفسَّر بسلوك مبتكر طوره الطائر بنفسه، فبدلا من استخدام المنقار بالطريقة المعتادة، استخدم الجزء السفلي المكشوف منه كأداة هجومية، موجها ضربات سريعة ومباشرة نحو خصومه. أطلق الباحثون على هذه الطريقة اسم "الطعن بالمنقار"، لأنها تشبه حركة دفع أو طعن للأمام، وهي تختلف تماما عن أساليب القتال التقليدية لدى الطيور الأخرى.
وتظهر النتائج أن هذه التقنية كانت فعالة للغاية، إذ نجحت في إبعاد الخصوم في نحو 73% من الحالات، مقارنة بنحو 48% فقط عند استخدام الركلات، وهي الطريقة الشائعة لدى بقية الطيور. كما أن بروس استخدم هذا الأسلوب بشكل متكرر ووجه ضرباته إلى مناطق حساسة من الجسم، مثل الرأس والظهر، ما منحه أفضلية واضحة في المواجهات.
لم يقتصر تفوق بروس على القتال، بل انعكس أيضا على وضعه داخل المجموعة؛ فقد أصبح في قمة ما يمكن تبسيطه بـ"ترتيب المكانة"، أي النظام الذي يحدد من يسيطر ومن يتراجع داخل الجماعة.
ويقول المؤلف الرئيسي إن الفحوصات أظهرت أن هذا الطائر كان الأقل تعرضا للتوتر مقارنة ببقية الأفراد، وهو ما تم قياسه من خلال تحليل هرمونات الإجهاد في جسمه. كما كان يحظى بأولوية الوصول إلى الطعام، إذ كان غالبا أول من يصل إلى أماكن التغذية.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تلقى بروس أيضا نوعا من الدعم الاجتماعي، إذ كانت الطيور الأخرى تنظف منقاره – وهو سلوك تعاوني يلاحظ عادة بين الأفراد المقربين – ما يشير إلى مكانته العالية وقبوله داخل المجموعة.
يرى الباحثون أن ما حدث مع بروس يمثل أول دليل موثق على حيوان يعاني من إعاقة واضحة، لكنه يصل إلى موقع الهيمنة اعتمادا على الابتكار السلوكي وحده، دون الاعتماد على تحالفات أو دعم خاص من الآخرين.
يتحدى هذا الفكرة التقليدية التي تربط التفوق في عالم الحيوان بالقوة الجسدية فقط أو بما يمتلكه الكائن من أدوات طبيعية مثل الأسنان أو المخالب. فهذه الحالة تظهر أن القدرة على التكيف وابتكار حلول جديدة قد تكون أحيانا أكثر أهمية.
كما تسلط النتائج الضوء على ما يعرف بمرونة السلوك، أي قدرة الحيوان على تغيير طريقته في التعامل مع العالم من حوله عندما يواجه مشكلة. وهذه القدرة تكون أكثر وضوحا في الكائنات ذات الأدمغة المتطورة، مثل الببغاوات. ويرى الباحثون أن مثل هذه الحالات تساعد في فهم كيف تتغير السلوكيات لدى الحيوانات، وكيف يمكن للكائنات، بما في ذلك البشر، أن تتكيف مع الإعاقات أو الظروف الصعبة بطرق غير متوقعة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة