في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
ما الذي يحدد سرعة سقوط قطرات المطر، أو ترسب الرواسب في مصبات الأنهار، أو اندفاع المادة المقذوفة في انفجارات النجوم المستعرة؟ رغم تباعد هذه الظواهر ظاهريا، فإنها تشترك في مبدأ فيزيائي واحد يبدو بسيطا في صياغته، لكنه بالغ التعقيد في تفسيره، وهو معدل اختلاط سائل يحتوي على جسيمات دقيقة بسائل آخر خال منها.
في هذا السياق، حقق فريق بحثي مشترك من معهد أوكيناوا للعلوم والتكنولوجيا في اليابان وجامعة تورينو في إيطاليا تقدما علميا بارزا، إذ تمكن للمرة الأولى من صياغة عامة تصف كيفية اختلاط طبقات الجسيمات الثقيلة، وتحدد الخصائص المشتركة التي تحكم هذه الظواهر. وقد نُشرت نتائج هذا العمل في مجلة "فيزيكال ريفيو ليترز" (Physical Review Letters) المتخصصة في الفيزياء.
وأثناء دراستهم لمدى سرعة امتزاج سائل يحتوي على جسيمات دقيقة (مثل الرواسب أو الحبيبات) مع سائل خال منها، أعلن الباحثون أنهم نجحوا في حل ما وصفوه "مشكلة المئة ألف جسم"، وهي امتداد شديد التعقيد لمشكلة الأجسام الثلاثة الكلاسيكية الشهيرة، التي طالما مثلت تحديا في الفيزياء والرياضيات لأكثر من قرن، وتعجز فيها قوانين الحركة والجاذبية عن التنبؤ بدقة بالمستقبل.
يوضح البروفيسور ماركو إدواردو روستي، رئيس وحدة السوائل المعقدة والتدفقات في معهد أوكيناوا للعلوم والتكنولوجيا والباحث المشارك في الدراسة، أن هذه المعضلة الفيزيائية والرياضية تعكس صعوبة التنبؤ الدقيق بحركة ثلاثة أجسام تخضع لقوى الجاذبية المتبادلة، مثل الأرض والقمر والشمس، حيث تؤدي التفاعلات المستمرة بينها إلى مسارات معقدة وفوضوية وغير قابلة للتنبؤ في كثير من الأحيان.
ويضيف روستي في حديثه للجزيرة نت أنه "على خلاف المسارات البسيطة التي تضم جسمين فقط، والتي يمكن وصف حركتها بدقة من خلال معادلات معروفة، لا توجد صياغة رياضية عامة مغلقة قادرة على التنبؤ بسلوك ثلاثة أجسام متجاذبة عبر الزمن، ما يعكس تعقيدها الكبير"، متسائلا "إذا كانت ثلاثة أجسام فقط تمثل هذا التعقيد، فكيف يمكن تصور نظام يضم مئة ألف جسم؟".
في الفيزياء، يعد حساب حركة جسم واحد أمرا بسيطا نسبيا، إذ يمكن التنبؤ به بدقة باستخدام قوانين واضحة. لكن إدخال أكثر من جسمين في النظام يحول الحسابات إلى تحد كبير، نتيجة التفاعل المستمر والمتبادل بين هذه الأجسام، مما يجعل المسألة مفتوحة وغير قابلة للحل بسهولة.
ولا يقتصر هذا التعقيد على الأجرام السماوية، بل يظهر أيضا في الأنظمة الدقيقة جدا. فمثلاً، قد يبدو سقوط الرواسب من مياه النهر إلى مياه البحر ظاهرة بسيطة، لكن وصفها علميا يتطلب فهما دقيقا لكيفية حركة كل حبيبة رمل على حدة، وكيفية تفاعلها مع السائل ومع الجسيمات الأخرى المحيطة بها.
ويخضع هذا التعقيد لنفس المبادئ الفيزيائية التي تحكم ظواهر أخرى يمكن ملاحظتها بسهولة في الحياة اليومية، مثل اختلاط الرواسب في الدخان الصاعد، وسقوط قطرات المطر، وترسب الجسيمات في مصبات الأنهار، وسلوك العواصف الترابية، وديناميكيات الانفجارات النووية، وعمليات تكرير الهيدروكربونات، وصهر المعادن، ومعالجة مياه الصرف.
وترتبط هذه الظواهر جميعها بعامل واحد أساسي يبدو بسيطا للوهلة الأولى، لكنه شديد التعقيد علميا، وهو معدل اختلاط سائل يحتوي على جسيمات بسائل آخر خالٍ منها. فكما تنتقل قطرات المطر من طبقة هوائية إلى أخرى، تندفع المواد الناتجة عن انفجار النجم عبر سحب الغبار المحيطة به، متبعة نفس القواعد الفيزيائية المعقدة للاختلاط بين السوائل والجسيمات.
ورغم أن القوانين الفيزيائية العامة التي تحكم سلوك السوائل واضحة وبسيطة نسبيا، فإن حل المعادلات التي تصف هذه السلوكيات بدقة يمثل تحديا كبيرا يعزوه روستي إلى تعدد القوى المؤثرة وتداخلها، إضافة إلى الطبيعة غير المتوقعة للتفاعلات طويلة الأمد بين الجسيمات، والتي تتسم بدرجة عالية من عدم القدرة على التنبؤ.
ويشير إلى أن جوهر هذه المسائل يكمن في فهم آلية اختلاط السوائل التي تحتوي على جسيمات صلبة أو دقيقة مع السوائل النقية، وهو ما يتطلب تحليل عدة عوامل معقدة تشمل وزن كل جسيم وتأثيره على إزاحة السائل، وقوى الاحتكاك التي تجذب السائل أثناء حركة الجسيم، إضافة إلى تأثير العوامل الخارجية مثل الجاذبية أو أي قوى تسارع أخرى، فضلا عن التفاعلات المتبادلة بين الجسيمات التي يؤثر كل منها في سلوك المحيطين به.
لمواجهة هذا التعقيد، استخدم الباحثون محاكاة رقمية متقدمة شملت حركة مئة ألف جسيم ثلاثي الأبعاد معلق داخل سائل يتم تمثيله رياضيا عبر مئات الملايين من النقاط الحسابية، التي تقسم السائل إلى وحدات دقيقة لتسهيل دراسة سلوكه بدقة.
ويعد هذا النوع من المحاكاة من أكثر المهام الحسابية تعقيدا، نظرا لتعدد وتزامن التفاعلات بين الجسيمات والسائل المحيط بها. وكان يُعتقد حتى وقت قريب أن التعامل مع هذا الحجم الهائل من المتغيرات مستحيل حاسوبيا.
وتتم عملية المحاكاة عبر سلسلة من العمليات المتكررة، تبدأ بحساب القوى التي يمارسها كل جسيم على السائل المحيط به، ثم القوى التي يؤثر بها السائل على الجسيم، قبل جمع هذه القوى لكل جسيم على حدة.
استنادا إلى هذه الحسابات، تُحل معادلات نافييه-ستوكس التي تصف حركة السوائل، ثم يُحرز تقدم خطوة زمنية صغيرة في المحاكاة، وتتكرر هذه العملية ملايين المرات للوصول إلى نتائج دقيقة، مما يتيح تتبع تطور النظام بدقة فائقة.
ونظرا لتعقيد هذه المسألة، اعتمد الفريق على برمجيات متخصصة تم تطويرها على مدى سنوات، بالإضافة إلى بنية حاسوبية فائقة بمعهد أوكيناوا للعلوم والتكنولوجيا في اليابان، تتميز بقدرة معالجة عالية على محاكاة مئات الآلاف من الجسيمات في وقت واحد ضمن فضاء ثلاثي الأبعاد كامل.
ويؤكد روستي -الذي تركز أبحاثه بشكل رئيسي على مسائل ديناميكيات الموائع- أن هذا الإنجاز لم يكن ممكنا بدون الجمع بين الحوسبة الفائقة والنماذج الرياضية المتقدمة، إذ يمثل كل منهما عنصرا أساسيا لحل هذه الحسابات المعقدة، مما أتاح دراسة ظواهر كانت سابقا خارج نطاق التحليل العلمي الدقيق.
لاختبار النموذج، قام الفريق بمحاكاة ظاهرة تكون "أعمدة الرواسب"، وهي سحب من الجسيمات التي تهبط داخل السائل، والتي تتشكل عادة في البيئات المائية نتيجة تراكم الجزيئات العالقة، مثل الرمال والطين، بفعل تيارات العكارة أو سقوط المواد الثقيلة، مشكلة أعمدة كثيفة تترسب لاحقا عند انخفاض سرعة المياه، خصوصا في حالات تعرية التربة والعواصف والفيضانات.
وأظهرت المحاكاة أن الجسيمات الثقيلة المعلقة تهبط بفعل الجاذبية، وتسحب معها السائل المحيط بها نتيجة الاحتكاك. ولا يقتصر تأثير هذه الحركة على الجسيمات نفسها، بل يمتد ليؤثر في الجسيمات المجاورة، ودفعها إلى الحركة أيضا، ما يزيد من تدفق السائل، ويؤدي في النهاية إلى تكون سحب من الرواسب لم يكن من الممكن حسابها بدقة في السابق.
يقول روستي: "لاحظنا أن السائل النقي يُزاح إلى الأعلى لتعويض حجم الجسيمات الهابطة، بينما تدفع هذه الحركة السائل المحمل بالجسيمات إلى الأسفل بشكل أكبر، مع تحرك الجسيمات الموجودة في مركز السحب بسرعات أعلى من غيرها، ما يخلق حركة غير متماثلة داخل السائل".
وأظهرت الدراسة أيضا آلية إضافية مهمة، إذ تعتمد السرعة النهائية للجسيمات على خصائص الوسط المحيط بها، ما يؤدي إلى تسارع تدريجي للجسيمات في مركز السحب إلى سرعات أعلى. ويسهم هذا التسارع غير المتوازن بشكل مباشر في تعزيز اختلاط السائل بالجسيمات، وبالتالي تسريع تشكل سحب الرواسب.
يوضح روستي أن النماذج السابقة لم تكن قادرة على رصد هذه الظواهر بدقة، بسبب تجاهلها التفاعلات المعقدة بين الجسيمات والسائل. مضيفا أن "هذه الدراسة تمثل المرة الأولى التي تتيح فيها النمذجة محاكاة هذه السلوكيات وفهمها بدقة علمية".
ويشير إلى أن النتائج تشكل قطعا أساسية لفهم اضطرابات الأنظمة المعقدة التي تجمع بين السوائل والجسيمات على نطاق واسع، حيث يصبح سلوك السائل غير مستقر ومعقد نتيجة وجود الجسيمات داخله.
وبفضل المحاكاة المطورة والإطار النظري المصاحب لها، أصبح لدى الباحثين أدوات أكثر دقة لدراسة طيف واسع من الظواهر الفيزيائية الأساسية، إلى جانب التطبيقات العملية في هندسة الموائع، مثل تحسين كفاءة تدفق السوائل في أنظمة معالجة مياه الصرف، وتطوير عمليات التكرير الكيميائي، وتحسين تصميم المجاري المائية.
ويؤكد الباحثون أن طريقتهم الجديدة يمكن أن تسهم في التعامل مع الظواهر البيئية المعقدة التي يصعب التنبؤ بها، مثل الانهيارات الأرضية المفاجئة، كما تساعد في حماية البيئة من ظواهر مثل انجراف التربة، وتعزز فهم الأنظمة الديناميكية للسوائل في البيئات الطبيعية والتطبيقات الصناعية على حد سواء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة