آخر الأخبار

جزيء "نصف-موبيوس".. صيغة جديدة للمادة تعيد تعريف الذرة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

للمرة الأولى، نجح فريق دولي من العلماء في ابتكار شكل جزيئي جديد أكثر تعقيدًا وغرابة من شريط موبيوس الملتوي المعروف، حيث تتحرك الإلكترونات عبره في مسار حلزوني يشبه المثقاب، ما يؤدي إلى تغيير ملحوظ في سلوكه الكيميائي، ويعيد تعريف ما تعنيه الذرات على المستوى الأوسع.

يعد شريط موبيوس الشهير مثالًا كلاسيكيًا على كيف يمكن لتعديل هندسي بسيط أن يقلب تصوراتنا المعتادة عن العالم، إذ يتم لف شريط من الورق أو مادة أخرى بزاوية 180 درجة ثم وصل طرفيه، لينتج شكلًا رياضيًا مميزًا بسطح مستمر واحد وحافة واحدة فقط. ورغم بساطة هذا النموذج، فإن تحقيقه على مستوى جزيء واحد يعد أمرًا مختلفًا تمامًا.

وفي منتصف عام 2022، أعلن كيميائيون عن تصنيع أول جزيء كربوني يأخذ شكل موبيوس، غير أن باحثين من عدة جامعات بالتعاون مع مختبر آي بي إم (IBM) للأبحاث في زيورخ ذهبوا مؤخرًا خطوة أبعد، إذ تمكنوا من تجميع جزيء شديد الالتواء ببنية إلكترونية حلزونية غير مسبوقة، تختلف نوعيًا عن جميع الجزيئات المعروفة سابقًا.

يتكون النوع الجديد والغريب من ذرات مرتبطة في شكل حلقي، كما هو الحال في كثير من الجزيئات البسيطة، لكن إذا أمكن التكبير لرصد الإلكترونات المتحركة حول هذه الذرات، فسيلاحظ أن حركتها على امتداد الحلقة أصبحت غير معتادة وملتوية بشكل لافت، بحيث يبلغ مقدار الالتواء عند نقطة التقاء الطرفين 90 درجة بدلاً من 180 درجة.

ووفق نتائج دراسة جديدة نُشرت مؤخرًا في مجلة "ساينس" (Science)، يُعرف هذا النمط البنيوي الجديد باسم طوبولوجيا نصف-موبيوس، ويُنظر إليه كأداة جديدة تتيح التحكم في المادة والتلاعب بخصائصها، كما يمثل خطوة أولى لهندسة الجزيئات المفيدة من خلال ضبط أشكالها الثلاثية الأبعاد أو طوبولوجيتها.

مصدر الصورة صورة لكثافة المدارات الإلكترونية في جزيء نصف-موبيوس الجديد (يسار)، وصورة محاكاة لكثافة المدارات للجزيء (جامعة مانشستر)

هندسة البنية الجديدة

يتميز شريط موبيوس التقليدي بخاصية فريدة وغريبة تجعل كائنًا صغيرًا جدًا، مثل نملة، يحتاج إلى الدوران حوله مرتين كاملتين ليعود إلى نفس النقطة والسطح الذي بدأ منه. بعبارة أخرى، يتطلب تتبع سطحه دورتين كاملتين للعودة إلى نقطة البداية، بخلاف الأشكال البسيطة التي تكفي فيها دورة واحدة. أما في جزيء نصف-موبيوس، إذا سافر كائن كمومي صغير على طول الذرات، فلا يمكنه العودة إلى نقطة الانطلاق إلا بعد أربع دورات كاملة.

إعلان

يقول أستاذ الكيمياء بجامعة أكسفورد، والمؤلف المشارك للدراسة، الدكتور هاري أندرسون: "يمكن تشبيه حلقة نصف-موبيوس بشريط موبيوس التقليدي، لكنها تحتوي على نصف الالتواء فقط">

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن "الجزيء الذي ابتكره فريق البحث يمتلك هذه الطوبولوجيا الفريدة، مما يجعله مختلفًا جوهريًا عن كل الهياكل الجزيئية المعروفة سابقًا".

وتمكن الفريق من رصد هذه البنية غير الاعتيادية للمرة الأولى عام 2024، كمرحلة وسيطة أثناء تصنيع وتوصيف أول جزيء كربوني حلقي بعدد فردي من الذرات، وهو سيكلوكربون، عبر معالجة سطحية لمركب ديكاكلوروفلورين أولي. ويُعتقد أن التفاعل حدث من خلال آلية إعادة ترتيب لمركبات البنزين الوسيطة تُعرف باسم "تفاعل ماساموني-بيرغمان".

يقول أندرسون: "على الرغم من التحكم في التفاعل الكيميائي بدقة، فإننا حين نشرنا لأول مرة عن تصنيع هذا الجزء في مجلة "ساينس" (Science) قبل عامين، لم ندرك بعد مدى تفرد الطوبولوجيا التي يمتلكها". وهذا يعني أن الاكتشاف المذهل لطوبولوجيا نصف-موبيوس جاء لاحقا كنتيجة لمزيد من التحليل والفهم العميق.

وتحمل الصيغة الكيميائية للجزيء الجديد بساطة نسبية: 13 ذرة كربون وذرتي كلور، لكن تركيبه كان معقدا للغاية، إذ تم تجميعه ذرة تلو الأخرى عبر التلاعب بروابط ذرية منفردة، ثم تصويره باستخدام تقنيات مجهرية عالية الدقة، في مختبر "آي بي إم" للأبحاث في زيورخ، ما أتاح التحكم بالذرات ورسم خريطة خصائص إلكتروناتها، بدلا من مجرد خلط العناصر وترك التفاعلات تسير تلقائيا.

لهندسة هذا الجزيء غير المألوف، يوضح أندرسون أنه جرى نزع ذرات الكلور واحدة تلو الأخرى على سطح من كلوريد الصوديوم عند درجة حرارة منخفضة للغاية، عبر مجهر المسبار الماسح، الذي استخدم طرفه لتوصيل نبضات جهد كهربائي تزيل ذرات الكلور من الجزيء الأولي، كما استخدم أيضا لتصوير الناتج النهائي ومراقبة خصائصه.

وبعد تصنيع الجزيء، بدأت مرحلة التحقيق. إذ جُمعت تقنيات الرصد والتلاعب بالذرات مثل مجهر القوة الذرية والمجهر النفقي الماسح. ولاحظ الباحثون إشارة إلكترونية تلتف بزاوية 90 درجة، ولا تعود إلى طورها الأصلي إلا بعد أربع دورات كاملة.

ويوضح أندرسون أن الالتواء الذي يظهر في الجزيء يقلل من طاقته الإجمالية، ويعد سمة أساسية لهندسة الحالة الأرضية للجزيء، أي أن الشكل الملتوي للجزيء هو أكثر استقرارًا من الناحية الطاقية مقارنة بالشكل المستوي أو غير الملتوي.

مصدر الصورة رسم تخطيطي يوضح طوبولوجيا نصف موبيوس (جامعة مانشستر)

الحاجة إلى الحوسبة الكمومية

تكون إلكترونات الذرات الخمس عشرة في الجزيء مترابطة كموميًا، بحيث يؤثر كل منها في الآخر، مما يجعل سلوكها بالغ التعقيد من حيث النمذجة، ويصعب محاكاتها بدقة باستخدام الحواسيب التقليدية، إذ لم ينجح أي حاسوب تقليدي في محاكاة تفاعلات أكثر من 18 إلكترونًا مترابطًا كموميًا.

وانطلاقا من قدرة الأنظمة الكمومية على تمثيل التفاعلات المعقدة، اعتمد الفريق على قدرات الحواسيب الكمومية المتطورة التابعة لشركة "آي بي إم"، لمحاكاة سلوك 32 إلكترونا خارجيا في الجزيء. وربما لا تقل أهمية هذه المحاكاة عن ابتكار الجزيء نفسه، إذ أظهرت توافقا مع النتائج التجريبية.

إعلان

وعلى الرغم من أن الحوسبة الكمومية ظلت لفترة طويلة محصورة في نطاق العروض المخبرية والتطبيقات التجريبية المحدودة، فإن هذه الدراسة تمثل استخداما عمليا لها، وتقدم رؤى جديدة حول الطوبولوجيا الإلكترونية، وتبين أن حركة الإلكترونات داخل الجزيئات يمكن هندستها والتحكم فيها عمدا بطرق لم تُرصد في الطبيعة سابقا.

وبحسب أندرسون، وفرت محاكاة الحوسبة الكمومية وحدها وصفا أكثر دقة للبنية الإلكترونية للجزيء مقارنة بما يمكن الحصول عليه من خلال أساليب الحوسبة التقليدية، وساعدت على تحديد توزيع الإلكترونات بدقة أكبر، وفهم كيفية تكوين الالتواء الطوبولوجي الفريد في الجزيء.

ويعد هذا الإنجاز تطورا بارزا في مجال الكيمياء الطوبولوجية، وهو الحقل الذي يدرس الخصائص البنيوية للجزيئات ذات الأشكال غير التقليدية، كما يبرز دور الحوسبة الكمومية في فهم ومحاكاة الظواهر دون الذرية المعقدة، بما يفتح آفاقا لاكتشاف ظواهر جديدة قائمة على الطوبولوجيا الجزيئية، ويعمق فهمنا لفيزياء الكم، أي القوانين الأساسية التي تحكم عالمنا.

ويتطلع الفريق مستقبلا إلى استكشاف الأسس النظرية والإمكانات الكامنة لهذه البنى الجزيئية. ويقول أندرسون: "نخطط لدراسة جزيئات أخرى تحتوي على مدارات حلزونية مماثلة، وقد تكون أكثر تعقيدا من حيث الطوبولوجيا، بما في ذلك احتمالية وجود التواءات متعددة أو هياكل مضفرة".

ويبدي أندرسون شكوكه بشأن امتلاك هذه الجزيئات تطبيقات عملية مباشرة قريبا، إذ إن هذه الدراسة تندرج ضمن نطاق البحث الأساسي. ويشير إلى أن "الهدف الحالي هو فهم الخصائص الطوبولوجية والإلكترونية الفريدة لهذه الجزيئات، وليس استخدامها في تطبيقات واقعية في الوقت الراهن".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار