في هاواي، ما زالت الطبيعة تخفي مفاجآت حتى في أكثر الكائنات تواضعا حجما. ففي أواخر فبراير/شباط 2026 أعلن باحثون من جامعة هاواي في مانوا أنهم تعرفوا على 10 أنواع جديدة و7 أجناس جديدة من "عثات لف الأوراق" المتوطنة في جزر هاواي.
ولأن وصف "نوع جديد" أمر يحدث باستمرار في علم التصنيف، فإن المفاجأة الحقيقية كانت في توصيف سبعة أجناس دفعة واحدة، وهو حدث نادر في عالم الحشرات.
قصة الاكتشاف، بحسب الدراسة التي نشرها الباحثون في مجلة "زوتاكسا" (Zootaxa)، بدأت بقيادة طالب الدراسات العليا كايل أوستن وبالتعاون مع أستاذ علم الحشرات دانيال روبينوف. ويقول الباحثون إن هذه العثات كانت تخفي تاريخها الحقيقي بسبب تصنيفات سابقة جمعت أنواعا مختلفة في مجموعات واحدة بشكل غير دقيق، فكان لا بد من إعادة بناء "شجرة العائلة" لهذه المجموعة من جديد.
الأكثر إثارة أن النتائج لا تتعلق بالأسماء فقط، بل بكيف وصلت هذه الكائنات أساسا إلى أرخبيل معزول وسط المحيط.
تشير الأدلة التي يعرضها الفريق إلى أن عثات لف الأوراق قد تكون وصلت إلى هاواي عبر ما يصل إلى 20 حادثة استعمار طبيعية مستقلة على امتداد عدة ملايين السنين، أي أنها من أكثر الحيوانات الهاوايية الأصلية قدرة على "السفر بعيدا" فوق المحيط المفتوح، أكثر مما كان يعتقد سابقا.
وعلى مستوى الشكل والسلوك، لا تبدو هذه العثات "رمادية مملة" كما يتخيل كثيرون. فبعض الأنواع الجديدة زاهية الألوان وقريبة من اللمعان القزحي، بينما يلفت الباحثون إلى نوع من جزيرة هاواي الكبرى قد يكون الأكبر ضمن فصيلته عالميا. هكذا يتحول خبر تصنيفي جاف على الورق إلى نافذة على تنوع بصري وتطوري واسع، يكشف كيف تصنع الجزر المختبرات الطبيعية للتغير والانتقاء.
لكن خلف بهجة الاكتشاف، تلوح مفارقة قاسية، فكثير من الأنواع الموصوفة حديثا تقف بالفعل على حافة الانقراض.
يربط العلماء ذلك بفقدان الموائل وتراجع النباتات العائلة التي تعتمد عليها اليرقات. بل إن بعض الأنواع توصف بأنها "مفترضة الانقراض" لأنها لم ترصد في البرية منذ أكثر من مئة عام، في إشارة إلى أن العلم قد يسمي كائنات وهي تختفي بالفعل أو تكاد.
ولأن علم التصنيف ليس منفصلا عن المكان، اقترح الفريق أسماء تكرم بيئة هاواي وثقافتها. من ذلك جنس "إيلياهيا" الذي سمي نسبة لنباته العائل وهو الإيلياهي (خشب الصندل) المهدد.
وتذكر الدراسة نوعا جديدا مصنفا "مهددا بخطر حرج" لا يعرف إلا من بقعة صغيرة في جزيرة لاناي تضم نحو 30 شجرة صندل فقط، بما يوضح كيف يمكن أن تكون حياة نوع كامل معلقة بوجود عشرات الأشجار لا أكثر.
ومن بين المفاجآت أيضا نوع تظهر فيه الإناث شكلا نادرا عديم الطيران، وهي سمة قد تتطور في بيئات الجزر حيث تقل الحاجة إلى الطيران أو تزداد مخاطره، كما اقترح الباحثون أسماء تحيل إلى جغرافيا محلية مثل هاليأكالا وإشارات ثقافية مرتبطة بالضباب، في تداخل لطيف بين لغة العلم وروح المكان.
تقنيا، استعان الفريق بتصوير متقدم بتقنية "الأوتومونتاج" لإنتاج صور شديدة التفصيل تبدو شبه ثلاثية الأبعاد، بهدف تسهيل تمييز هذه الأنواع النادرة ميدانيا. فالدراسة لا تضيف أسماء إلى القوائم فقط، بل تقدم أدوات عملية تساعد جهود الرصد والحماية، خصوصا حين تكون الأنواع نادرة أو متشابهة ظاهريا.
نشر البحث) في فبراير/شباط 2026، ويتضمن إلى جانب الأجناس والأنواع الجديدة مقترحات لإعادة ترتيب تصنيف بعض الأنواع ووضع "مفتاح تصنيفي" وقائمة مراجعة لأنواع هذه الفصيلة في هاواي. والخلاصة التي يلمح إليها الباحثون واضحة: ما نكتشفه اليوم ليس مجرد تنوع بيولوجي جديد، بل "ساعة إنذار" تذكر بأن حماية الموائل قد تكون أحيانا السبيل الوحيد كي لا يصبح العلم آخر من يكتب أسماء الكائنات قبل اختفائها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة