في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تكيفت الكائنات البحرية عبر ملايين السنين فوجدت حلولا مدهشة للبقاء في بيئات قاسية تتفاوت فيها الحرارة والضغط والضوء بشكل كبير، وربما كان التكيف مع الظلام الدائم في أعماق المحيطات أحد أكثر هذه التحديات تعقيدا.
ومن بين هذه الحلول ما كشفت عنه دراسة حديثة تشير إلى أن بعض أسماك الأعماق تمتلك نظاما بصريا غير تقليدي قد يعيد تشكيل فهم العلماء لتطور الرؤية لدى الفقاريات، بل وقد يساعد في تفسير كيفية تكيف الكائنات الحية مع البيئات منخفضة الإضاءة أو شبه المظلمة.
تشير الدراسة التي نشرت في 11 فبراير/شباط بمجلة ساينس أدفانسز (Science Advances)، إلى أن يرقات بعض أسماك الأعماق تمتلك نوعا هجينا من الخلايا البصرية، يجمع خصائص نوعين معروفين من الخلايا المسؤولة عن الرؤية: العصي والمخاريط.
هذه النتيجة تتحدى الفكرة التقليدية التي ظلت سائدة في علم الأحياء، والتي تقول إن الفقاريات تبدأ حياتها بشبكية يغلب عليها النوع المسؤول عن الرؤية في الضوء الساطع، أي المخاريط، ثم تظهر لاحقا خلايا العصي الأكثر حساسية للضوء والتي تسمح بالرؤية الليلية أو في الإضاءة الخافتة.
لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن بعض أسماك الأعماق لا تتبع هذا المسار التقليدي، إذ تظهر لديها خلايا بصرية تجمع خصائص الاثنين معا، ما يمنحها قدرة أكبر على الاستفادة من الضوء المحدود في البيئات البحرية العميقة، حيث يكون الضوء خافتا أو متقطعا أو شبه معدوم.
وتقول فوغ، في تصريحات للجزيرة نت، إن الفريق ركز على عدة أنواع من أسماك الأعماق التي تعيش في مستويات مختلفة من الإضاءة داخل المحيط، وإن الباحثين استخدموا تحليلا جينيا متقدما وتقنيات تصوير مجهرية دقيقة لرصد خصائص هذه الخلايا.
وقد أظهرت النتائج أن يرقات هذه الأسماك تمتلك خلايا تشبه العصي من حيث الشكل الخارجي، لكنها تعمل جينيا بطريقة أقرب إلى المخاريط. وتضيف الباحثة أن هذا الدمج بين الخصائص البنيوية والجزيئية يمنح الأسماك الصغيرة قدرة بصرية محسنة في ظروف الإضاءة المتوسطة أو الخافتة، وهي الظروف التي تعيش فيها اليرقات غالبا قبل انتقالها إلى أعماق أشد ظلمة.
ويرى الباحثون أن هذه القدرة البصرية المبكرة قد تكون حاسمة للبقاء، لأنها تساعد اليرقات على العثور على الغذاء وتجنب المفترسات في مراحلها الأولى الحساسة من الحياة.
وتلفت الدراسة إلى أن بعض الأنواع المدروسة تحتفظ بهذه الخلايا الهجينة طوال حياتها، بينما تتحول أنواع أخرى لاحقا إلى شبكية يغلب عليها النوع التقليدي من خلايا العصي عندما تنتقل إلى أعماق أكثر ظلمة. ويعكس هذا التحول ارتباط النظام البصري مباشرة بالبيئة الضوئية التي يعيش فيها الكائن، فكلما ازداد الظلام زادت الحاجة إلى حساسية أعلى للضوء، وهو ما توفره خلايا العصي المتخصصة في الرؤية الليلية.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى مرونة أكبر بكثير في تطور الجهاز البصري لدى الفقاريات مما كان يعتقد سابقا، وأن البيئة قد تلعب دورا حاسما في تشكيل هذا التطور، ليس فقط على مستوى الأنواع، بل أحيانا خلال مراحل النمو المختلفة للكائن نفسه.
ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على علم الأحياء البحرية وحده، إذ تشير فوغ إلى أنها تمتد إلى فهم أوسع لتاريخ الرؤية لدى الفقاريات عموما، إذ تقدم أدلة على أن المسارات التطورية للرؤية قد تكون أكثر تنوعا وتعقيدا مما تشير إليه النماذج التقليدية التي تفترض وجود تسلسل ثابت في تطور الخلايا البصرية.
كما تشير الباحثة إلى احتمال وجود ما يمكن وصفه بـ"التحول الوظيفي للخلايا"، أي تغير خصائص الخلايا أو وظائفها استجابة لضغوط بيئية محددة، وهو مفهوم قد يساعد العلماء في تفسير تكيفات مشابهة لدى كائنات أخرى تعيش في بيئات منخفضة الإضاءة، مثل الكائنات التي تعيش في الكهوف أو في المناطق القطبية ذات الفترات الطويلة من الظلام.
وتقول الباحثة: "فهم كيفية تطور الخلايا الضوئية ووظائفها لا يقتصر على علم الأحياء الأساسي، بل قد يمتد إلى مجالات طبية وتقنية متعددة. فدراسة هذه الأنظمة قد تساعد في تطوير علاجات لأمراض الشبكية المرتبطة بفقدان الخلايا الضوئية أو تدهور وظائفها، كما قد تسهم في تحسين تقنيات الرؤية الصناعية".
وتضيف أن هذه النتائج يمكن أن تلهم تطوير أجهزة تصوير أكثر حساسية للضوء أو تقنيات بصرية متقدمة مستوحاة من الطبيعة، خصوصا في المجالات التي تتطلب العمل في ظروف إضاءة منخفضة، مثل الاستكشاف البحري أو الفضاء أو التصوير الطبي الدقيق.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة