في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قد يبدو البحث عن الهلال مساء اليوم التاسع والعشرين من الشهر الهجري أمرا بديهيا؛ فمنذ الطفولة ونحن نسمع من المختصين أن الشهر القادم يبدأ برؤية الهلال، لكن خلف هذه البساطة سؤال يستحق التوقف: لماذا نترقّب الهلال تحديدا بوصفه علامة البداية، لا أي طور آخر من أطوار القمر كالتربيع الأول مثلا؟
للإجابة عن هذا السؤال، نحتاج أن نتعلم بعضا من علم الفلك عن حركة القمر في السماء، الأمر الذي يعطينا فهما لدورة القمر حول الأرض، ومن ثم نفهم لم تبدأ الشهور وتنتهي بالأهلة.
هنا دعنا نبدأ بتجربة بسيطة، ضع أمامك – على الطاولة – مصباحا ذا قدرة إضاءة عالية، ثم أمسك بكرة بلاستيكية صغيرة ومد يديك بها إلى الأمام، ثم در حول نفسك أمام المصباح.
هنا سوف تلاحظ أن إضاءة المصباح ستنعكس على تلك الكرة في يديك، لكن هذا الانعكاس سيعطي إضاءة تختلف شيئا فشيئا مع دورانك، فمثلا حينما تكون في مواجهة المصباح لن تتمكن من رؤيتها بوضوح لأن شدة إضاءة المصباح تعميك، في هذه الحالة تكون الكرة "مظلمة تماما".
أما حينما تبدأ في الدوران فسوف تلاحظ تزايد إضاءة المصباح على الكرة، بالضبط كأطوار القمر التي تبدأ بالهلال، ثم يتزايد قليلا فيمتلئ حتى التربيع الأول، ثم البدر، يحدث البدر حينما يكون ظهرك للمصباح والكرة أمامك فتراها مضيئة بالكامل من منظورك (تخيل فقط أنك صغير الحجم بحيث تمرر الضوء للكرة)، ثم بعد ذلك تتناقص إضاءة القمر حتى تعود إلى الصفر من جديد.
يعني ذلك أن أطوار القمر بالأساس ليست إلا منظورنا على الأرض تجاه القمر؛ أما القمر نفسه فهو مضاء دائما بنسبة 50 بالمئة من قبل الشمس كما يظهر بالتصميم المرفق.
الآن دعنا نتأمل تلك الدورة الخاصة بالقمر لكن من منظورنا على الأرض، يولد الشهر القمري الجديد حينما يكون القمر واقفا تماما بجوار الشمس "قمر جديد"، فلا نتمكن من رؤيته لأن نور الشمس يعمينا عنه، ثم في اليوم التالي يكون القمر قد تحرك في دورته قليلا مبتعدا عن الشمس، في تلك الحالة سنرى الشمس تغرب ثم يغرب القمر بعدها.
بالنسبة إلينا يتأخر غروب القمر بعد الشمس بنحو 50 دقيقة كل يوم، هذا ليس سحرا، ولكنه فقط المقابل الطبيعي لحركة القمر حول الأرض، من منظورنا على الأرض.
يعني ذلك أنه في يوم البدر، بعد نحو 14 يوما، سيكون قد مر عدد من الدقائق يسمح أن يشرق القمر (من الشرق) في اللحظة التي تغرب فيها الشمس من الجهة الأخرى، ويظل القمر يتباعد في غروبه عن الشمس يوما بعد يوم، حتى يصل إليها من الجهة الأخرى فيتقابلان من جديد ويبدأ شهر آخر.
بحلول نهاية الشهر القمري، تتناقص الإضاءة على سطح القمر شيئا فشيئا، فهو يقترب من الشمس، ويعني ذلك أننا نرى هلالا في بداية الشهر وهلالا في نهايته، لكن هناك فارق لطيف بينهما يمكن لك في العالم العربي أن تلاحظه، فعندما يكون القمر في الهلال المتزايد يبدو كأنه حرف سي (C) معكوس، وإذا رأيته بهذه الهيئة فهذه عادة إشارة إلى أننا في بدايات الشهر القمري، وفي نهاية الشهر نصل إلى الهلال المتناقص الذي يشبه حرف سي (C) عادي، وعندها نكون قد اقتربنا من نهاية الشهر القمري.
يستمر الأمر حتى نصل مجددا إلى لحظة المحاق أو القمر الجديد، وهي النقطة التي تبدأ معها الشهور القمرية.
الشهور الهجرية على الجانب الآخر لا تبدأ بالمحاق، بل برؤية الهلال الأول الذي يلي المحاق، وهو أول علامة واضحة يمكن رؤيتها بالعين المجردة بعد اختفاء القمر في المحاق، بشكل يتناسب مع مفهوم "الشهر" كدورة كاملة، من ظهور الهلال إلى اختفائه ثم ظهور هلال جديد؛ دورة قابلة للتكرار والعد.
كانت تلك هي طبيعة نظر البشر للتقاويم القمرية على مر التاريخ، وجاء الإسلام بمفهوم "الرؤية"، وهو مفهوم شرعي واسع، فقد ترى بعض التوجهات الفقهية أن الرؤية تكون بالعينين المجردتين، وترى أخرى أنها من خلال تلسكوب، ويرى فريق ثالث أن الرؤية تكون عبر تلسكوبات نهارية متقدمة، ويرى فريق آخر أن المعرفة الفلكية تعد نوعا من البصيرة، وتساوي الرؤية، وداخل كل رأي مما سبق توجد آراء أخرى أكثر تنوعا وتعقيدا، والفكرة الأساسية أن لكل دولة معاييرها الشرعية التي اتفق عليها فقهاؤها بعد بحث وتمحيص.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة