شهدت الفترة الأخيرة هجرة كثير من العلماء من الولايات المتحدة وتفكير آخرين في الهجرة بعد قرارات عدة اتخذتها إدارة الرئيس ترمب.
يثير ذلك تساؤلات مهمة حول دوافع إدارة الرئيس ترمب لاتخاذ هذه القرارات التي تعرقل المسيرة العلمية، وهل هي دوافع اقتصادية بغرض تقليص النفقات الحكومية، أم أن الأمر يرتبط بشخصية وقناعات الرئيس ترامب الفكرية.
وأعطت إدارة ترمب الأولوية في ولايته السابقة والحالية للمصالح الاقتصادية، وعملت على إزالة ما اعتبرته أعباء تنظيمية غير ضرورية على النشاط الاقتصادي، كما قللت من أهمية البحث العلمي.
وفي تصريح خاص للجزيرة نت يقول الدكتور بريان ساندبرغ أستاذ التاريخ في جامعة شمال إلينوي إنه لا يملك أي فكرة عن دوافع هجمات الإدارة الحالية على البحث والتعليم العالي. ولكنه يضيف أن "العديد من المقالات الإخبارية تشير إلى وجود علاقات وثيقة مع قادة شركات التكنولوجيا الفائقة والذكاء الاصطناعي، والتي يبدو أن لديها مصالح خاصة في الوصول إلى أموال الأبحاث الفيدرالية مما يؤدي إلى تعطيل أنظمة الأبحاث".
أثناء ولاية ترمب الأولى وثقت قاعدة بيانات "متتبع العلوم" جهود إدارة ترمب لتقويض العلم. وبالاستناد إلى بيانات هذه القاعدة لأكثر من أربع سنوات تبين أن إدارة الرئيس الأولى غيَّرت جذرياً كيفية أداء الوكالات الحكومية الفيدرالية المتعلق بالبحث العلمي واستخدامه.
ووفقا للمتتبع، اتخذت الحكومة الفيدرالية 346 إجراءا مناهضا للعلم في الفترة ما بين انتخاب الرئيس ترمب وتنصيب الرئيس بايدن.
وسعت إدارة ترمب الأولى إلى تقويض البحث العلمي، وتقييد الوصول إلى المعلومات العلمية أو التشكيك في صحتها. وقد أُقيل العديد من العلماء الذين اعترضوا من مناصبهم، بينما مُنع آخرون من إجراء المزيد من الأبحاث حول مواضيع مثل تغير المناخ.
وتعهد جو بايدن قبل بداية ولايته المنقضية بإنهاء السياسة واتباع العلم عند التعامل مع جائحة كوفيد-19 وغيرها من الأزمات. إلا أن الرئيس ترمب انتقده وقتها ووصف الاستماع إلى العلماء بأنه شيء لا يفعله إلا الأحمق، وحذر من أنه سيؤدي إلى كساد اقتصادي هائل.
وفي تصريح خاص للجزيرة نت يقول الدكتور بول جوزيفسون أستاذ التاريخ الفخري في كلية كولبي، والباحث في التاريخ السياسي للعلوم الحديثة، إن "دونالد ترمب يعتقد أنه أكثر دراية بأي موضوع، ويلقي خطبا حول تغير المناخ وطاقة الرياح والأسلحة النووية والمغناطيسية والبيئة، ولكن مع سوء فهم واضح لهذه المواضيع".
ويضيف الباحث: "يعتبر ترامب الفكر الليبرالي تفكيرا خاطئا، ويعتقد أن الجامعات معاقل الفكر الليبرالي"، ويعتبر بول أن ذلك أحد أسباب مشكلة ترمب مع العلماء، فهو يعتبر أن كل مصدر قوة لهم هو بالتبعية مصدر قوة للحزب الديمقراطي.
ويضيف: "كما يعتقد ترامب أن النساء وذوي البشرة الملونة يشغلون مناصبهم ليس بفضل مهاراتهم وكفاءتهم، بل بفضل أيديولوجية ليبرالية وبرامج غير عادلة للنهوض بالمرأة والأشخاص ذوي البشرة الملونة. وقد وصل به الأمر إلى حد إصدار أمر بمنع استخدام مصطلحات علمية مختلفة في المنشورات الممولة حكوميا".
من جانب آخر، بحسب بول، فإن ترمب وحلفاؤه يدعمون الشركات الكبرى، وشركات النفط والغاز، وتكنولوجيا المعلومات، ومن ثم فجهوده لإلغاء اللوائح المتعلقة بالتلوث والصحة العامة والسلامة تعكس ولائه للشركات الكبرى.
مع بداية 2025 دخل ملف الهجرة في الولايات المتحدة مرحلة أكثر تشددًا على مستوى الخطاب والتنفيذ، ففي 20 يناير/كانون الثاني 2025 صدر أمر رئاسي بعنوان "حماية الشعب الأميركي ضد الغزو"، يغير عمليات تنفيذ قوانين الهجرة، ويربط الملف صراحة باعتبارات الأمن القومي والسلامة العامة.
هذا النوع من الأوامر لا يغير فقط نصوص القوانين، لكنه يغير مزاج الجهاز التنفيذي وسلوكه اليومي، وهو ما ينعكس سريعًا على شعور الباحثين الأجانب بالاستقرار، وعلى قابلية الجامعات لاستقدام المواهب دون خوف من تغير مفاجئ في القواعد.
وفي يونيو/حزيران 2025 اتخذ التشدد شكلا أوضح عبر مسارين متوازيين، الأول هو توسيع التدقيق الأمني في تأشيرات الدراسة والتبادل، إذ أعلنت وزارة الخارجية أنها ستطبق تدقيقًا شاملًا يشمل النشاط الإلكتروني لجميع متقدمي تأشيرات الطلاب والتبادل الأكاديمي، ما يعني أن المراجعة لن تبقى محصورة في الوثائق الأكاديمية أو التمويل كما كان معتادًا، بل ستطال البصمة الرقمية أيضًا.
أما المسار الثاني، فظهر مع تقارير عن تجميد مؤقت لمواعيد المقابلات الجديدة الخاصة بتأشيرات الطلبة والتبادل في أواخر مايو/أيار 2025 ضمن التحضير لتوسيع فحص وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يعني أن هذه القيود لم تعد نظرية، بل لها علاقة مباشرة بالقبول الوظيفي.
ثم جاء تطور لافت في يونيو/حزيران 2025 كذلك مع إعلان قيود دخول وإصدار تأشيرات بحق رعايا دول معينة بذريعة قصور إجراءات التدقيق وتبادل المعلومات، بدأ سريان هذا الإجراء في 9 يونيو/حزيران 2025.
وفي 19 سبتمبر/أيلول 2025 صدر إعلان رئاسي يقيد دخول حاملي تأشيرة "إتش-1بي" القادمين من خارج الولايات المتحدة إلا إذا كان الطلب مصحوبًا بدفع 100 ألف دولارات ولمدة محددة.
تتيح هذه التأشيرة لصاحب العمل الأميركي توظيف أجنبي في "مهنة تخصصية" تتطلب عادة مؤهل جامعي أو ما يعادله من خبرة، هذه التأشيرة كانت أداة جذب للمواهب إلى الولايات المتحدة، والآن أصبحت مسارًا محفوفًا بمخاطر مالية وتنظيمية.
وإذا قررنا اختصار موقف الحكومة الأميركية في 2025 بجملة واحدة من زاوية السياسات الفعلية، فهو ببساطة تغليب منطق "الردع" و"الفرز الأمني" الصارم على منطق الجذب والانفتاح، يأتي ذلك في سياق مخاوف أمنية من "تهريب الأفكار" إلى خارج الولايات المتحدة.
يأتي ما سبق في سياقات مهمة، فقد قررت الحكومة الأميركية في مارس/آذار الماضي إلغاء منح وعقود فيدرالية بقيمة 400 مليون دولار أمريكي لجامعة كولومبيا بسبب الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في الحرم الجامعي. وقال فريق ترامب إن هذه الخطوة نابعة من "تقاعس الجامعة المستمر في مواجهة المضايقات المستمرة للطلاب اليهود".
وكان ترامب قد دعا مسؤولي الهجرة إلى "ترحيل الطلاب المتعاطفين مع حماس"، ويزعم مسؤولو الهجرة أن الاحتجاجات ضد حرب إسرائيل على غزة تشكل تهديداً للأمن القومي.
وأكد ماركو روبيو وزير الخارجية أن وكالته ألغت تأشيرات ما لا يقل عن 300 طالب مع احتمالية إلغاء المزيد، وقال: "في كل مرة سأجد فيها أحد هؤلاء المجانين، سألغي تأشيرته".
ونفس السياق، اتخذ دونالد ترامب قرارا بانسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية رغم أنها عضو مؤسس، وهي ضربة موجعة؛ ففي الفترة ما بين 2022-2023 ساهمت الولايات المتحدة بنحو سدس إجمالي دخل المنظمة.
ووقع دونالد ترامب في مارس/آذار على أمر تنفيذي يكلف وزيرة التعليم بالبدء في تفكيك وزارة التعليم.
وأصدرت ليندا ماكماهون وزيرة التعليم بيانا قالت فيه إن هذا الإجراء سيوفر على دافعي الضرائب عشرات المليارات من الدولارات المُهدرة على التجارب الاجتماعية والبرامج القديمة.
كما فرضت إدارة ترمب رسوماً جمركية على الواردات إلى الولايات المتحدة تتراوح بين 10% على المنتجات من بعض الدول و54% على السلع الصينية، أدى ذلك إلى زيادة تكاليف معدات المختبرات والأجهزة العلمية المتخصصة في البلاد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة