في تقدم علمي كبير يعيد كتابة تاريخ الكوكب الأحمر، أعلن باحثون مشاركون في دراسة دولية أن مركبة بيرسيفيرانس (Perseverance) التابعة لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا) اكتشفت أدلة على وجود شاطئ قديم في فوهة جيزيرو (Jezero Crater) على سطح المريخ.
ويرى مهتمون أن هذا دليل قوي على أن الماء السائل لم يقتصر وجوده على فترات قصيرة، بل ربما لبث على الكوكب الأحمر فترة طويلة بما يكفي لنشوء الحياة الميكروبية في الماضي البعيد.
تشير الدراسة -التي قادها باحثون من إمبريال كوليدج لندن- إلى أن الطبقات الصخرية في جزء من فوهة جيزيرو تحتوي على حصى ورمال مستديرة تم تشكيلها بفعل تأثير المياه المتحركة والأمواج كما يحدث على السواحل الأرضية.
هذا النمط من الصخور لا يتكوّن إلا عندما تتعرض الرسوبيات إلى حركة مياه ثابتة ومنتظمة لفترات طويلة، مما يجعل هذه التكوينات أقرب ما تكون إلى ساحل بحيرة قديمة منه إلى مجرد رواسب عشوائية.
لفترة طويلة ظل أصل هذه الطبقات مثار جدل بين العلماء، فقد افترض البعض أن تكون ناتجة عن تفاعلات مياه جوفية عابرة، بينما ادعى آخرون أنها كانت رواسب ساحلية حقيقية.
وتفيد النتائج الجديدة أن كلا العاملين قد لعبا دورا، لكن الجزء الخاص بالحصى والرمال المستديرة يتوافق بشكل قوي مع تأثير الأمواج على الشاطئ، وهو ما يمثل دليلا أوليا مباشرا على وجود بيئة مائية مستقرة على المريخ منذ أكثر من 3.5 مليار سنة.
إضافة إلى الدلائل الصخرية الشكلية، وجد البحث أن المياه الجوفية الغنية بالكربونات قد تفاعلت مع الصخور المشكّلة لهذه الطبقات، وتشكلت معادن الكربونات التي على الأرض، والتي ترتبط عادة ببيئات يمكن أن تستضيف حياة ميكروبية في الماضي.
هبطت مركبة بيرسيفيرانس على سطح المريخ في 18 فبراير/شباط 2021 داخل فوهة جيزيرو، التي يبلغ قطرها حوالي 45 كيلومترا، وكانت المختارة لأنها تظهر علامات واضحة لوجود بحيرة ونهر دلتا قديمين.
ومنذ هبوطها، ركزت المركبة على دراسة الطبقات الصخرية والرسوبية في هذه الفوهة، وجمعت مئات الصور والتحليلات الكيميائية والفيزيائية للصخور، إضافة إلى عينات من الصخور والتربة من مناطق مختلفة داخل الفوهة. أُطلق على هدف المهمة الرئيسي اسم البيولوجيا الفلكية للبحث عن آثار حياة محتملة في الماضي.
موقع المركبة تحديدا في جيزيرو يجعلها في قلب واحد من أفضل مواقع البحث عن آثار حياة قديمة، لأن الفوهة كانت بحيرة ومستودعا للرسوبيات، وهي بيئة على الأرض معروفة بقوتها في حفظ الأدلة الجيولوجية والعضوية على مر الزمن.
الأدلة على وجود شاطئ قديم -بجانب الدلائل الأخرى من رسوبيات وحصى مستديرة ومعادن الكربونات- تجعل العلماء يؤمنون بأن المياه السطحية على المريخ كانت مستقرة زمنا طويلا، ربما بالقدر الذي يمكن أن يستضيف حياة ميكروبية، وإن شئنا قلنا إن هذه البيئات كانت مشابهة لحياة الأرض القديمة قبل بزوغ الحياة المعقدة لدينا.
وعلى الرغم من أن الدلائل لا تعني اكتشاف حياة فعلية، فإنها توسع نطاق الفرضيات التي تقول إن المريخ كان في مرحلة ما صالحا للسكن وليس مجرد كوكب قاحل وجاف.
العينات التي جمعتها بيرسيفيرانس في المنطقة، ومنها تلك التي يتوقع أن تجلبها إلى الأرض في إطار برنامج "جلب عينات المريخ" قد تحوي أدلة قوية أكثر بمجرد تحليلها بتقنيات المعامل الأرضية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة