لم يعرف المجتمع الفلكي العربي، بل وحتى شريحة واسعة من المهتمين بعلم الفلك عالميا، مصطلحات مثل "القمر الأزرق" أو "القمر الأسود" إلا في العقود القليلة الماضية. فهذه التسميات لم تنشأ من صلب الأدبيات العلمية الكلاسيكية، بل ولدت في المساحة الرمادية بين العلم والإعلام.
وللعناوين الجذابة ووسائل التواصل الاجتماعي دور أساسي في تضخيم الظواهر الطبيعية وإعادة تسويقها بوصفها "أحداثا نادرة" أو "استثنائية".
ورغم أن القمر يمر بدوراته المنتظمة منذ مليارات السنين دون أن يهتم بما نطلقه عليه من أسماء، فإن العولمة الإعلامية جعلت من بعض مراحله العادية قصصا كونية مثيرة، والقمر الأسود مثال واضح على ذلك.
القمر الأسود ليس مصطلحا فلكيا رسميا معتمدا من الاتحاد الفلكي الدولي، بل هو توصيف اصطلاحي شائع الاستخدام في الإعلام وبعض مواقع الفلك التثقيفية. ووفقا لموقع "تايم آند ديت"، هناك تعريفان متداولان لهذا المصطلح.
التعريف الأول، وهو الأكثر شيوعا، يصف القمر الأسود بأنه ثاني قمر جديد يحدث في شهر ميلادي واحد، وبما أن الدورة القمرية تستغرق نحو 29.5 يوما، فإن تزامن قمرين جديدين في شهر واحد لا يحدث إلا كل نحو 29 شهرا.
أما التعريف الثاني فيرتبط بالفصول، إذ يطلق مصطلح القمر الأسود على القمر الجديد الثالث في فصل يحتوي على أربعة أقمار جديدة بدلا من ثلاثة (تذكر أن كل فصل مكون من ثلاثة أشهر)، وهي حالة أندر قليلا، وتتكرر كل نحو 33 شهرا.
في جميع الأحوال، القمر الأسود غير مرئي تقريبا، لأن القمر في طور "المحاق" يكون مواجها للشمس، بينما يواجه جانبه المظلم الأرض. أي أن الحدث، على عكس اسمه المثير، لا يرى بالعين المجردة ولا بالتلسكوبات الصغيرة.
سبب الندرة لا يعود إلى شيء استثنائي في سلوك القمر نفسه، بل إلى التقويم البشري، فالسنة القمرية لا تتطابق تماما مع السنة الشمسية، مما يؤدي أحيانا إلى "فائض" في عدد الأطوار داخل الشهر أو الفصل الواحد، وهذا الفائض هو ما يمنحنا تسميات مثل القمر الأسود أو الأزرق، وليس تغيرا فيزيائيا حقيقيا في القمر.
لهذا السبب يؤكد الفلكيون أن القمر الأسود لا يختلف فيزيائيا عن أي قمر جديد آخر، ولا يحمل أي تأثيرات خاصة على الأرض أو الإنسان، خلافا لما تروّجه بعض المنصات ذات الطابع الغيبي أو التنجيمي.
لفهم القمر الأسود، لا بد من العودة إلى "شقيقه الإعلامي" الأشهر: القمر الأزرق. فقد ظهر هذا المصطلح في الثقافة الغربية منذ قرون، وكان يستخدم في اللغة الإنجليزية للدلالة على الندرة، كما في التعبير الشهير "ذات مرة في قمر أزرق" (Once in a blue moon).
لكن المعنى الفلكي الحديث للقمر الأزرق، وهو ظهور بدرين في شهر واحد، يعود إلى خطأ تحريري نشر عام 1986 في مجلة "سكاي آند تلسكوب" (Sky & Telescope). ورغم كونه خطأ في تفسير تقويم فلكي قديم، انتشر المصطلح بسرعة، وتبنته وسائل الإعلام، ثم عاد لاحقا إلى القواميس الفلكية الشعبية بوصفه توصيفا شائعا لا رسميا.
ومن هنا ولد القياس: فإذا كان البدر الثاني "قمرا أزرق"، فلماذا لا يكون القمر الجديد الثاني "قمرا أسود"؟ وهكذا ظهر المصطلح في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، خاصة مع ازدهار الصحافة الرقمية.
في أغسطس/آب 2027 سجل التقويم حدثا فلكيا يشار إليه إعلاميا باسم القمر الأسود، وذلك عندما يحدث المحاق الجديد الثاني في شهر ميلادي واحد، وهو النوع الأشهر من هذا المصطلح. سيكون المحاق الأول يوم 2 أغسطس/آب 2027، يليه المحاق الثاني يوم 31 أغسطس/آب 2027.
ووفق التعريف الشائع في مواقع الفلك التثقيفية فإنه يطلق على الثاني في تلك الظروف اسم القمر الأسود لأن الشهر يحتوي على محاقين جديدين متباعدين.
وقد سبق أن وقع حدث مشابه يوم 23 أغسطس/آب 2025، عرف أيضا إعلاميا باسم القمر الأسود لكنه وفقا لتعريف مختلف قليلا، إذ إنه كان المحاق الثالث في موسم فلكي يحوي أربعة محاقات جديدة في فصل الصيف، وهو ما يعد تعريفا موسميا آخر للمصطلح ويحدث بمعدل أقل تواترا.
لكن الحدث الوحيد الملحوظ هو أن السماء تكون أكثر ظلمة في الليالي المحيطة بالمحاق، ما يجعلها فرصة جيدة لرصد الأجرام الخافتة، مثل المجرات البعيدة والسدم، بعيدا عن إضاءة القمر.
يرى فلكيون مثل جو راو وديزي دوبريغيفيتش، وهما من كتّاب موقع "سبيس دوت كوم"، أن هذه التسميات تؤدي دورا مزدوجا، فهي من جهة تبسّط الفلك وتقرّبه من الجمهور العام، لكنها من جهة أخرى قد تخلق التباسا بين المفهوم العلمي الدقيق والتهويل الإعلامي.
ويؤكد علماء في وكالة ناسا، ومنهم باحثون في مركز غودارد لرحلات الفضاء، أن لا مشكلة في استخدام هذه المصطلحات ما دامت تقدَّم في سياقها الصحيح، دون إضفاء دلالات غامضة أو غير علمية عليها.
والخلاصة أن القمر الأسود مثل القمر الأزرق، قصة عن اللغة أكثر مما هي عن الفلك. إنه مثال حي على كيف يمكن لظاهرة فلكية عادية أن تتحول إلى حدث استثنائي بفعل التسمية والتوقيت والسرد الإعلامي.
وبينما يستمر القمر في دورانه الهادئ، يبقى البشر هم من ينسجون حوله الحكايات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة