في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تخيل تاريخ البشرية كمكتبة ضخمة جدا، تحتوي آلاف الأرفف، وقد وضعت الكتب الحديثة في المقدمة، فصارت تخطف الاهتمام، وبقيت الكتب القديمة تكسوها الأتربة، بعد أن تجاهلها الزوار، رغم أهميتها وما تحتويه من معارف مهمة.
بعد سنوات من الإهمال، جاء أمناء جدد للمكتبة، قرروا إزاحة الأتربة عن الكتب القديمة، ومنحها أغلفة جديدة، ليكتشف الزوار أن كنزا من المعارف كان بين أيديهم وأغفلوه لعقود.
بالمثل، فإن علماء "مشروع تقييم التنوع الجيني في إفريقيا"، هم الأمناء الجدد، الذين قطعوا خطوات مهمة في سبيل تحقيق الجزء الأول من المهمة، وهو إزالة الأتربة عن أهم الفصول المنسية في تاريخ البشرية الجيني، ويأملون في أن يقود هذا الجهد لاحقا إلى الكشف عن ملايين المتغيرات الجينية الجديدة التي قد تغير جذريا كيفية التنبؤ بمخاطر الأمراض وكيفية تصميم العلاجات.
وأنتج المشروع حتى الآن بيانات تسلسل الجينوم الكامل لأكثر من ألف فرد من مجتمعات إفريقية ممثلة تمثيلا ناقصا في قواعد البيانات الجينومية العالمية، وتم الإعلان عن هذا الجهد في دورية "نيتشر" (Nature)، ويطمح العلماء لاحقا للحصول على بيانات من ملايين الأفراد من مختلف أنحاء القارة الإفريقية، بالإضافة إلى بيانات عن صحتهم وسلوكهم وبيئاتهم، كما تقول للجزيرة نت البروفيسورة ميشيل رامزي، مديرة معهد سيدني برينر للعلوم البيولوجية الجزيئية بجامعة ويتس بجنوب إفريقيا، والمؤلفة الرئيسية للدراسة.
وتضيف ميشيل أن "البيانات التي جمعها المشروع جاءت حتى الآن من دول أنغولا، جمهورية الكونغو الديمقراطية، كينيا، ليبيا، موريشيوس، رواندا، تونس، وزيمبابوي، واختيرت هذه الدول لأنها مجتمعات نادرا ما شملتها الأبحاث، واستفدنا من شبكاتنا القائمة هناك".
والفوائد المتوقعة من هذا المشروع كبيرة، منها ما سيعود بالنفع بشكل مباشر على القارة الإفريقية، بالإضافة إلى فوائد عابرة لحدود القارة، كما توضح ميشيل.
وتبدأ ميشيل بالمنافع التي ستعود على البشرية جميعها، قائلة إن "جنسنا البشري، الإنسان العاقل أو الإنسان الحديث، أمضى أكثر من 95% من تاريخه في إفريقيا، ومنذ حوالي 70 إلى 100 ألف سنة، كانت هناك هجرات خارجية متعددة إلى أجزاء مختلفة من العالم، وبعض الهجرات العكسية، لذا، تتمتع المجتمعات الإفريقية بتنوع جيني هائل، ولم يغادر القارة سوى جزء من هذا التنوع الجيني الواسع، وإتاحة البيانات الجينومية الإفريقية في قواعد البيانات الدولية سيعزز الاكتشافات التي ستعود بالنفع على البشرية جمعاء".
أما ما سيعود بالنفع بشكل مباشر على المواطن الإفريقي، فهو كسر الاحتكار الأوروبي للأنماط الجينية التي توجه الطب الحديث، وتقول ميشيل إن: "معظم مجموعات البيانات الجينومية المستخدمة للتنبؤ بمخاطر الأمراض تأتي من أشخاص من أصول أوروبية، ونتيجة لذلك تتمحور "الأنماط" الجينية التي توجه الطب الحديث حول أوروبا بشكل كبير، ولا تتنبأ بالأمراض لدى السكان الأفارقة بدقة، ومشرعنا سيزيد من تمثيل البيانات الجينومية الإفريقية في مجموعات البيانات العالمية لمعالجة هذا التفاوت، ولضمان استفادة السكان الأفارقة أيضا".
وتضيف أن "هذه البيانات تقربنا خطوة نحو بناء معرفة يُمكن استخدامها للبدء في العمل على مناهج مخصصة لتحسين الصحة في إفريقيا، مع ذلك، سيتطلب الأمر المزيد من البيانات، وبيانات متعددة الوسائط أكثر تعقيدا، للوصول إلى هذا الهدف، فهذا ما ينطبق عليه المثل الغاني: (كثرة اللحم لا تُفسد الحساء)".
ولا يخلو هذا العمل من تحديات تعود بالدرجة الأكبر لكون الجينومات الإفريقية أقدم وأكثر تنوعا من جينومات أي قارة أخرى.
وتقول ميشيل: "يكفي معرفة أنه قد يختلف اثنان من الأفارقة من مناطق مختلفة وراثيا أكثر من اختلاف أوروبي وآسيوي، لذلك عند غياب البيانات الإفريقية، قد تعجز الأدوات الجينية عن رصد المتغيرات الجينية المهمة المسببة للمرض، ما يؤدي إلى تنبؤات غير دقيقة بمخاطر الإصابة بالأمراض".
وعن المعلومات التي حصلوا عليها حتى الآن، توضح أن الوصول لمرحلة جمع بيانات جينومية لأكثر من ألف إفريقي استغرق عدة سنوات، ولدينا الآن ثلاث مجموعات من المحللين يعملون على تحليل البيانات لاستخلاص أنواع مختلفة من المعلومات".
وينتمي الألف إفريقي الذين شملتهم البيانات إلى مجموعات إفريقية مختلفة (مثل الصيادين وجامعي الثمار، والناطقين باللغات النيلية الصحراوية، والسكان الناطقين باللغات البانتوية، ومجتمعات جزر المحيط الهندي).
وتقول ميشيل: "نتوقع أن يقودنا التحليل لأنماط فريدة من التباين، مطبوعة في الجينومات على مدى مئات آلاف السنين نتيجة لتغير المناخ، والتعرض لمسببات الأمراض المعدية، والتكيف الغذائي، بالإضافة إلى هجرة السكان واختلاطهم، وأخيرا الانحراف الجيني العشوائي، فهذا التاريخ مكتوب في جينومات البشر الحاليين، ويكمن التحدي الذي نواجهه في تفسير هذه اللغة الجينية، ومن الأفضل قيادة هذا العمل من إفريقيا، وفريقنا من الباحثين الموهوبين على أتم الاستعداد لمواجهة هذا التحدي".
وتضيف: "نتوقع العثور على ملايين المتغيرات الجديدة غير الموثقة حاليا في أي من قواعد البيانات الجينومية العالمية، وباستخدام الحوسبة المتقدمة، يمكننا معرفة متى ظهرت كل طفرة جينية لأول مرة، وما إذا كانت نفس الطفرة حدثت أكثر من مرة بشكل مستقل في أماكن مختلفة أو أجيال مختلفة، هذا يساعد على فهم تاريخ الإنسان وانتشار الصفات الوراثية والأمراض عبر الزمن والمجموعات البشرية المختلفة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة