آخر الأخبار

من دون نار ولا شرر.. كيف تلتحم المعادن في الفضاء؟

شارك

اعتاد الإنسان ربط فكرة اللحام بالنار والحرارة العالية والشرر المتطاير، إلا أن الفيزياء في الفضاء تخالف هذا التصور تماما. ففي الفراغ شبه التام خارج الغلاف الجوي للأرض، يمكن لقطعتين من المعدن نفسه أن تلتحما دون حرارة، ودون أدوات.

هذه الظاهرة، المعروفة باسم "اللحام البارد"، ليست خيالا علميا، بل حقيقة موثقة شكلت تحديا حقيقيا لهندسة الفضاء منذ بدايات عصر الأقمار الصناعية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 تلسكوب جيمس ويب يكشف عن خريطة جديدة لتوزيع المادة المظلمة في الكون
* list 2 of 2 سباق المليارديرات إلى الفضاء.. كيف أعادت "سبيس إكس" و"بلو أوريجين" رسم خريطة عصر الفضاء الجديد؟ end of list

فعلى سطح الأرض تبدو المعادن صلبة ونظيفة، لكنها في الحقيقة مغطاة دائما بطبقة رقيقة جدا من الأكاسيد والملوثات الجوية. هذه الطبقة، على ضآلتها، تؤدي دورا حاسما في منع الذرات المعدنية من الاقتراب الكافي لتكوين روابط مباشرة.

أما في الفضاء، حيث يغيب الأكسجين والهواء والغازات، فإن الأسطح المعدنية -خاصة إذا كانت مصقولة أو تعرضت لاحتكاك- تصبح شبه عارية على المستوى الذري، وعندما يلتقي سطحان نظيفان من المعدن نفسه في هذا الفراغ، لا تعود هناك حدود واضحة تفصل بين القطعتين؛ فتتشكل روابط معدنية مباشرة تجعل السطحين يتصرفان بصفتهما جسما واحدا.

مصدر الصورة التحام معدن الغاليوم النقي مع بعضه التحاما باردا (من قناة ذا أكشن لاب على اليوتيوب)

الفيزياء الدقيقة.. السر وراء الظاهرة

لا يحدث اللحام البارد بسبب انصهار المعدن، بل نتيجة تكون روابط ذرية في الحالة الصلبة. فعندما تتلامس الأسطح المعدنية النظيفة تحت ضغط ميكانيكي -حتى لو كان ضعيفا نسبيا- تصبح المسافة بين الذرات صغيرة بما يكفي لبدء التفاعل.

في هذه المرحلة لا "تعرف" الذرات أنها تنتمي إلى قطعتين منفصلتين، فتنتظم في شبكة بلورية مشتركة، وأحيانا يكون هذا الالتحام قويا إلى درجة أن محاولة فصل القطعتين تؤدي إلى تمزق المعدن نفسه بدل انفصال السطحين.

من المهم هنا تصحيح تصور خاطئ، وهو أن اللحام البارد لا يحدث تلقائيا مع أي تلامس معدني في الفضاء، فهو يتطلب شروطا محددة، مثل نعومة السطح ونظافته ونوع المعدن ووجود ضغط أو تماس مستمر. لذلك فهو خطر محتمل وليس مصيرا حتميا.

إعلان

مع ازدياد تعقيد المركبات الفضائية، بدأت آثار اللحام البارد تظهر عمليا. أحد أشهر الأمثلة التاريخية هو ما واجهته مركبة غاليليو التي أرسلتها وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" إلى كوكب المشتري في أوائل التسعينيات. فبعد وصولها إلى الفضاء، فشل الهوائي عالي الكسب في الانفتاح الكامل، وهو ما اضطر المهندسين إلى الاعتماد على هوائي احتياطي أضعف بكثير.

لاحقا أشارت تحليلات هندسية إلى أن الاحتكاك الطويل بين أجزاء معدنية في بيئة الفراغ، إلى جانب الاهتزازات أثناء الإطلاق، قد ساهم في التصاق بعض العناصر الميكانيكية.

لم تكن هذه الحادثة استثناء، فالأجزاء المتحركة مثل المفاصل والتروس وآليات الطي والنشر، كلها عرضة لخطر الالتصاق غير المقصود، وبما أن أي فشل ميكانيكي في الفضاء قد يعني نهاية مهمة كلفت مليارات الدولارات، أصبح اللحام البارد مصدر قلق دائم لمهندسي الفضاء.

مصدر الصورة صورة تخيلية لرائد فضاء أثناء "طيرانه" خارج مركبة فضائية (شترستوك)

من خطر يجب تجنبه إلى أداة محتملة

المثير للاهتمام أن النظرة إلى اللحام البارد بدأت تتغير في السنوات الأخيرة، فبدل اعتباره خطرا فقط، بدأت وكالات الفضاء بدراسة إمكانية استغلاله، فعلى متن محطة الفضاء الدولية، أجريت تجارب بحثية لاختبار استخدام اللحام البارد في إصلاح الهياكل المعدنية من الداخل، خصوصا في حالات الثقوب الصغيرة الناتجة عن الحطام الفضائي الدقيق.

الفكرة تقوم على الاستفادة من قدرة المعادن على الاندماج في الفراغ لإجراء إصلاحات موضعية دون الحاجة إلى معدات لحام تقليدية أو درجات حرارة عالية.

كيف يواجه المهندسون الظاهرة اليوم؟

للحد من مخاطر اللحام البارد، يعتمد المهندسون على حلول ذكية، منها استخدام معادن مختلفة في الأجزاء المتلامسة، وتطبيق طلاءات خاصة تعزل الأسطح، واستخدام مواد تشحيم صلبة مصممة خصيصا للعمل في الفراغ. كما تُصمم بعض الأسطح بخشونة مدروسة عمدا، لأن النعومة الزائدة تزيد من احتمال الالتحام الذري.

اللحام البارد يذكرنا بأن الفضاء ليس مجرد فراغ هادئ، بل هو بيئة فيزيائية مختلفة جذريا عن الأرض، إذ تتصرف فيه المواد بطرق غير مألوفة.

وبينما شكل هذا السلوك خطرا على المهام الفضائية في الماضي، فإنه اليوم يفتح بابا لأفكار هندسية جديدة قد تجعل المركبات الفضائية أكثر قدرة على التكيف والبقاء.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار