في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في الأساطير اليونانية القديمة، كان الهيدرا وحشا ينبت له رأسان عند قطع كل رأس. أما الهيدرا الحقيقي، فهو كائن صغير بطول بضعة مليمترات يعيش في المياه العذبة، في جوانب البرك الهادئة، والجداول البطيئة الجريان، أو البحيرات الصغيرة الغنية بالنباتات المائية، وقد سمي تيمنا بتلك الأسطورة.
بالطبع لا تنبت لهذا الكائن رؤوس متعددة، ولكنه قادر على تجديد رأسه -وبقية جسمه- إلى ما لا نهاية، وعلماء الأحياء يعرفون مثلا أن الهيدرا الشائع -وهو أحد أنواع الهيدرا يستخدم كثيرا في المختبرات- لا يظهر أي علامات شيخوخة، ومن ثم فنظريا، يمكن للهيدرا أن تعيش لزمن طويل، ما لم تتعرض لحوادث أو مفترسات.
تحقق الهيدرا هذا الإنجاز بامتلاكها مددا مستمرا من الخلايا الجذعية التي تبدل جميع خلاياها بشكل نشط، ومن اللافت للنظر أن الهيدرا تبدل جميع خلاياها كل 20 يوما تقريبا.
الخلايا الجذعية هي خلايا "البدايات" في الجسم، وتمتلك ميزتين مهمتين، الأولى أنها تستطيع أن تنقسم لتُنتج خلايا جديدة لفترة طويلة، والثانية أنها تستطيع أيضا أن تتحول إلى أنواع مختلفة من الخلايا، مثل خلايا الدم أو العضلات أو الأعصاب، حسب الإشارات التي تتلقاها.
لذلك، تعد هذه الخلايا أساس نمو الجنين، كما تساعد لاحقا في ترميم بعض الأنسجة وتجديدها، ولهذا يهتم بها الطب والبحث العلمي في فهم الأمراض وتجديد الأعضاء.
بالنسبة للهيدرا، فقط تخيل ذلك: في أقل من 3 أسابيع، تتغير كل خلية في جسم الهيدرا. هذا الكائن في حالة تجدد مستمر، كما لو أن الوضع الافتراضي للهيدرا هو تجديد نفسها.
ولهذا السبب لا يمكن تمييز الهيدرا القديمة عن الهيدرا الشابة، فهي لا تراكم آثار التآكل والتلف كما تفعل معظم الكائنات الحية، أو كما نفعل نحن البشر. لهذا السبب، مُنح بعض هذه الكائنات لقب "الجنين الأبدي"، فكأنه طوال حياته يظل بنشاط خلايا جنين في بطن أمه.
ولعل أشهر الكائنات الحية في دراسة الشيخوخة هي هيدرا المياه العذبة (هيدرا ماجنيبابيللاتا)، ففي بحث نشر في دورية نيتشر 2014، قُدر أنه بناء على بيانات ديمغرافية تظهر عدم تغير معدلات الوفيات أو الخصوبة طوال عمر الهيدرا، سيبقى 5% من الأفراد البالغين لهذا النوع على قيد الحياة بعد 1400 عام من الآن، في ظل ظروف معملية مراقبة، وبدون التعرض لحوادث بالطبع.
في الواقع، وفي ظل الظروف المثلى، تفتقر خلايا هذا النوع من الهيدرا إلى أي خلايا مسنة، مما يشير إلى أنها قادرة على التجديد الذاتي بشكل غير محدود. وفقط في ظل ظروف معينة، مثل تغير درجة الحرارة المحيطة، قد تستنفد الخلايا المسؤولة عن التجدد، مما يؤدي إلى عمليات تشبه الشيخوخة والموت.
وفي حين أن معظم أنواع الهيدرا لا تعرف معنى الشيخوخة، اكتشف العلماء أن بعض أنواعها يمكن أن تجبر على الدخول في حالة شبيهة بالشيخوخة إذا تغيرت ظروفها البيئية بشكل متطرف، مثل التعرض للبرودة الشديدة. هذا يعني أن الخلود ليس بالضرورة سمة مطلقة، بل قد يكون قابلا للتعطيل أو التفعيل حسب الظروف.
يفترض بعض الباحثين أن الهيدرا ستشيخ يوما ما لكن ببطء لا يمكن لنا تتبعه، حيث تتراكم الطفرات الجينية في مجموعات الخلايا الجذعية ذاتية التجديد، مما يؤدي بدوره إلى ظهور خلايا جسدية أكثر تدهورا تدريجيا، مما يزيد من احتمال الوفاة. إذا كانت هذه هي الحال، فإن "الجنين الأبدي" ليس أبديا، لكن ذلك لم يؤكد بعد.
تقليديا، استندت النظريات التي تشرح الشيخوخة إلى فكرة واحدة أساسية، وهي أننا نشيخ ببساطة لأن حمضنا النووي يتلف مع الزمن، حيث يختبر هذا الشريط الطويل من المعلومات مجموعة من الطفرات/ التغيرات، عادة ما تكون هذه الطفرات غير مفيدة وتسمح بتلف تدريجي للحمض النووي.
لو أن أحد الأفلام التي تحبها كان محمّلا على أسطوانة مدمجة، فإن كثرة الاستخدام والتعرض للظروف الجوية وطبيعة مادة الأسطوانة نفسها تدفعها مع الزمن لتصبح أقل جودة، وبالتالي ستعمل ببطء وسيتأخر رد فعلها، ومن حين لآخر قد تتوقف أو تتعطل بعض المشاهد، وفي مرحلة ما سوف تتوقف عن العمل تماما. كذلك حمضنا النووي يتلف مع الزمن، وبالتبعية تتلف وظائف الخلايا، وفي مرحلة ما يتوقف كل شيء ونموت.
في هذا السياق، يدرس العلماء الهيدرا ليس فقط بدافع الفضول، بل على أمل أن يكشف لنا هذا الكائن عن طرق جديدة لمكافحة أمراض الشيخوخة لدى البشر. إذا تمكنا من فهم كيف تحافظ الهيدرا على شباب خلاياها، فقد نتمكن يوما ما من إعادة تنشيط الآليات نفسها في خلايانا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة