لننطلق من حقيقة يلمسها كثير من الطلاب، سواء في المرحلة الثانوية أو الجامعة، وهي أن المواد العلمية لا تبدو صعبة لأنها "ثقيلة" فحسب، بل لأنها مختلفة في طبيعتها.
العلوم (الفيزياء وكيمياء والأحياء وعلوم الأرض، وغيرها) تقوم على 3 عناصر متداخلة، وهي المفاهيم والعلاقات والقوانين، وأخيرا التطبيق والتفسير وحل مسائل.
ولهذا فإن أساليب المذاكرة التي قد تنجح في المواد الأدبية أو الفلسفية، مثل القراءة المتكررة، وتلخيص النصوص، وحفظ العبارات، غالبا لا تكفي وحدها في العلوم. أنت تحتاج إلى استذكار بمعنى "فهم يبني الأساس"، ثم تدريب يصنع المهارة، ثم تثبيت يضمن الثبات في الامتحان.
في العلوم، المعرفة متشابكة، كل فكرة ترتكز على أخرى، فلا يمكن لك مثلا أن تُحسن فهم الكهرباء دون فهم المجال وفرق الجهد، ولا يمكن أن تُحسن فهم الاتزان الكيميائي دون معدلات التفاعل وفكرة الديناميكا الحرارية، ولا يمكن أن تحسن فهم الوراثة دون الانقسام الخلوي والحمض النووي. لذلك فإن ثغرة صغيرة في الأساس قد تتحول إلى عائق كبير لاحقا.
وبشكل عام، فقبل وضع أي خطة، صنف ما تتعلمه إلى 3 صناديق:
بناء على ما سبق، دعنا نبدأ خريطة للاستذكار العلمي في عدة مراحل، تخيل أن تعلّم العلوم يشبه تعلم قيادة سيارة: لا يصلح أن تحفظ إشارات المرور فقط، ولا أن تقرأ كتيّب القيادة 10 مرات، ولا أن تقفز مباشرة إلى القيادة في الزحام.
أنت تحتاج ترتيبا منطقيا، تفهم الفكرة أولا، ثم ترى الصورة العامة، ثم تختبر نفسك، ثم تتدرّب حتى تصبح المهارة تلقائية.
هدفها أن تمسك معنى الدرس بسرعة: ما الفكرة الأساسية؟ ولماذا هي مهمة؟ لأن الحفظ قبل الفهم يشبه أن تحفظ كلمات بلغة لا تعرفها، تستطيع ترديدها، لكنك تتلعثم عند التطبيق.
بعد إنهاء جزء صغير، مثل صفحة أو عدة فقرات تناقش موضوعا بعينه، اكتب سطرين: ما الفكرة الأساسية؟ ولماذا هي مهمة؟ وماذا تفسّر؟
وإن لم تستطع تلخيصها، فهذا يعني أنك قرأت دون فهم، ومن ثم يمكن أن تغيّر الوسيلة، عبر اللجوء لكتاب آخر يشرح تلك النقطة بشكل مصور، أو مثال تطبيقي، أو يمكن أن توجه سؤالا للمعلم.
بعد أن تتعمق في القصة تأتي خطوة أهم، وهي أن ترى الدرس كخريطة لا كجمل متفرقة.
العلوم مترابطة، وإذا ظلت المعلومات في ذهنك كقطع مبعثرة ستنسى بسرعة، أو ستستخدم القانون في غير موضعه، ومن ثم فالخريطة الشجرية، والتي تتفرع من عنوان الدرس أو الموضوع الذي تود استذكاره، تعمل مثل رفوف في خزانة، تضع التعريفات في مكان، والقوانين في مكان، وشروط التطبيق في مكان، والأخطاء الشائعة في مكان.
الفائدة أن دماغك يصبح قادرا على الإجابة عن سؤالين مهمين: أين تقع هذه المعلومة؟ وبماذا ترتبط؟ وهذا يقلل التشتت ويزيد سرعة الاسترجاع وقت المذاكرة والامتحان.
هنا ننتقل من "أنا فهمت" إلى "أنا أستطيع أن أتذكر بدون كتاب". القراءة المتكررة تجعل النص مألوفا فتظن أنك أتقنته، لكن عند الامتحان قد لا يتبقى شيء.
الاسترجاع النشط يعالج هذا بالضبط، ويتضمن أن تغلق الكتاب وتجبر نفسك على إخراج المعلومة من الذاكرة. كل مرة تفعل ذلك، تقوّي المسار العصبي للمعلومة.
لذلك فإن تحويل النقاط إلى أسئلة (لماذا؟ ماذا لو؟ متى لا ينطبق؟) ليس رفاهية، بل هو تمرين ذاكرة يثبت العلم في رأسك بطريقة أقوى بكثير من التظليل والقراءة.
حوّل كل نقطة إلى سؤال: ما الفرق بين؟ لماذا يحدث؟ ماذا يحدث لو؟ متى لا ينطبق القانون؟ كيف أميز بين مسألتين متشابهتين؟ ثم أغلق الكتاب وأجب.
إحدى الطرق الجيدة في هذا الإطار أن تحاول الشرح للآخرين (حتى لو غير موجودين)، مثلا تخيل أنك تشرح لزميل لمدة دقيقتين، وإذا تعثرت في الشرح، فهناك فجوة في الفهم تحتاج سدا، وهنا ترجع للاستذكار.
حتى لو فهمت وحفظت، يبقى سؤال العلوم الحقيقي: هل تستطيع التطبيق؟ التطبيق مهارة، والمهارة لا تكتسب بالقراءة بل بالممارسة.
لكن كثرة المسائل المتشابهة قد تخدعك، فتصبح ممتازا في نمط واحد فقط، لذلك نرتّب التدريب، فنبدأ بمسائل سهلة لتثبيت الأساس، ثم متوسطة لتوسيع الفهم، ثم صعبة لتعرف حدودك، ثم مسائل "خداعية" لأنها تشبه أسئلة الامتحان التي تختبر فهمك لشروط القانون والفروق الدقيقة.
بهذا تصبح عندك مناعة امتحانية، أي لا تنهار عندما تتغير صيغة السؤال.
في هذا السياق، يجب فهم القانون كفكرة لا كرمز، وبدلا من حفظ F=ma كرمز، انظر إليه كسؤال: ماذا تعني العلاقة؟ كيف يزيد التسارع بزيادة القوة؟ لماذا يقل التسارع بزيادة الكتلة؟ ماذا يحدث لحركة جسم إذا أثرت عليه قوة؟
هنا يصبح المعنى واضحا، وهو أن القوة تدفع الجسم للتسارع، وكلما كانت القوة أكبر كان التسارع أكبر، وفي المقابل، فإن الكتلة تمثل ممانعة الجسم للتغيير في الحركة، فلو كانت الكتلة أكبر احتجت قوة أكبر لتحصل على التسارع نفسه، لذلك يقل التسارع عند ثبات القوة وزيادة الكتلة.
عندما تفهم هذه الفكرة، يصبح تذكّر القانون تلقائيا، لأنك تتذكر "العلاقة" لا "الرمز".
من جانب آخر، فمن المهم ربط القانون بوحدات القياس، فهي بوصلة تمنع الخطأ.
الوحدات ليست زينة تكتب بجوار الأرقام، بل هي طريقة للتحقق من صحة تفكيرك، فمثلا إذا كانت الكتلة بالكيلوغرام والتسارع بالمتر/ثانية²، فيجب أن تكون القوة بوحدة نيوتن. لو وجدت أن وحداتك خرجت شيئا غير منطقي (مثل متر/ثانية فقط)، فهذا إنذار بأن هناك خطأ في القانون الذي استخدمته أو في التحويلات.
استخدام الوحدات بهذه الطريقة يحوّلها إلى "نظام إنذار مبكر" يقلل الأخطاء ويزيد ثقتك.
إلى جانب ذلك، اجمع في ورقة واحدة القانون، ومعنى الرموز فيه، ومتى يستخدم ومتى لا يستخدم، ومعه مثال صغير جدا يذكرك بكيفية التطبيق.
هذه الورقة تعمل كمفاتيح للذاكرة، كلما مررت عليها دقائق قليلة كل يومين، تتثبت القوانين دون ضغط، وتصبح جاهزة للاستدعاء في الامتحان.
الفكرة ليست كثرة المراجعة، بل انتظامها وقِصرها، لأن التكرار المتباعد هو ما يجعل القانون يبقى في الذاكرة طويلة المدى.
كل علم يختلف عن الآخر، وله مشكلة محددة تتعلق باستذكاره، فمثلا مشكلة الفيزياء هي المزج بين الفهم والرياضيات، وحلها التمرين، وأن ترسم دائما المشكلات، وقبل أي معادلة يمكن أن تصف المسألة بالكلام.
أما الكيمياء فمشكلتها كثرة التفاصيل والرموز والتفاعلات، وحل ذلك أن تنشئ جدولا صغيرا للأنماط المتكررة وخرائط للمعادلات والأشكال والتحويلات الكيميائية، من المهم أن تفهم لماذا يحدث التفاعل، وبالطبع يجب أن تعمل على حل الكثير من المسائل (تحديدا مسائل المول والتركيز).
أما الأحياء فمشكلتها كثرة المصطلحات والعمليات متعددة الخطوات، والحل أن ترسم العمليات كسلسلة خطوات (التنفس الخلوي مثلا أو التمثيل الضوئي)، وتستخدم قصة أو تشبيها بسيطا لكل عملية، وأن تربط الوظيفة بالبنية (دور هذه الخلية، أو هذه الأعصاب).
أما علوم الأرض والجيولوجيا فمشكلتها تتعلق بمعلومات كثيرة مع فهم عمليات زمنية طويلة، وحلها في مخططات طبقات وخرائط، والتركيز على "السبب والنتيجة" (ضغط وحرارة وزمن).
يظهر مما سبق أن الرسم والتخطيط من أهم أدوات استذكار العلوم، والواقع أن لوحة بيضاء كبيرة، يمكن أن تحصل عليها من محال بيع الأدوات المكتبية بسهولة، تمثل خير معين.
في هذا السياق، كن حذرا من عدة أخطاء قد تقع فيها:
وفي الختام، تذكر أن استذكار العلوم ليس سباق حفظ سريع، بل هو بناء تدريجي للفهم ثم التنظيم ثم التثبيت ثم المهارة.
كلما تعاملت مع الدرس بوصفه "فكرة تُفهم" لا "نصا يحفظ"، وحوّلت القوانين إلى معانٍ مرتكزة على المنطق والوحدات وشروط التطبيق، ثم داومت على استرجاعٍ نشط وتدريبٍ موجه، ستجد أن المواد العلمية تصبح أقل رهبة وأكثر قابلية للإتقان.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة