في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

على مدى عقود، كانت الهند من أشد المؤيدين للقضية الفلسطينية في العالم، بينما كانت أوروبا من أقرب الداعمين لإسرائيل. لكن موقف الهند بدأ يتحول بشكل واضح منذ عام 2014، عندما وصل رئيس الوزراء ناريندرا مودي وحزبه " بهاراتيا جاناتا" القومي الهندوسي إلى السلطة.

ففي وقت ابتعدت فيه أوروبا، التي طالما اعتُبرت داعمة لإسرائيل، عن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يبدو أن حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي في غزة قد سرّعت من وتيرة تقارب نيودلهي وتل أبيب.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 صاعقة تضرب طائرة ركاب على ارتفاع 17 ألف قدم
* list 2 of 2 وفاة نانا باتيكار.. أحد أبرز وجوه السينما الهندية عن 75 عاما end of list

ففي فبراير/شباط من هذا العام، زار مودي إسرائيل في وقت كان فيه نتنياهو، الذي يواجه مذكرة اعتقال أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية على خلفية جرائم حرب ارتُكبت في غزة، يواجه عزلة متزايدة على الساحة الدولية.

وقال نتنياهو لمودي، خلال كلمة ألقاها أمام الكنيست الإسرائيلي في القدس المحتلة: "أنت صديق عظيم لإسرائيل. أنت أكثر من مجرد صديق، أنت أخ".

كيف تغيّرت المواقف بعد السابع من أكتوبر؟

رغم أن مواقف الهند تاريخيا تؤكد دعم نيودلهي للحوار وحل الصراعات عبر الدبلوماسية، ورغم حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة التي حصدت أرواح نحو 74 ألف فلسطيني خلال 3 سنوات، فإن تحقيقات أجرتها الجزيرة وتقارير أخرى كشفت أن نيودلهي صدّرت أسلحة إلى إسرائيل خلال الحرب المستمرة على غزة. كما أن الهند أصبحت في عهد مودي أكبر مشترٍ للأسلحة الإسرائيلية.

وقد كشفت مواقف وتصريحات رسمية هندية عديدة مدى التقارب بين رئيسي وزراء البلدين، فبعد ساعات فقط من الهجوم الذي قادته حركة المقاومة الإسلامية ( حماس) على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أدان مودي ما وصفه بأنه "هجوم إرهابي"، معبرا عن "صدمته الشديدة" إزاء الحدث.

وعندما زار إسرائيل في فبراير/شباط من هذا العام، قارن مودي بين هجوم السابع من أكتوبر وهجمات شهدتها مدينة مومباي الهندية في عام 2008، التي نفذها مسلحون باكستانيون وحمّلت نيودلهي الحكومة الباكستانية مسؤولية دعمها.

إعلان

وقال مودي: "مثلما هو الحال معكم، لدينا سياسة ثابتة لا هوادة فيها تقوم على عدم التسامح مطلقا مع الإرهاب، من دون معايير مزدوجة".

أهداف وسرديات متشابهة

ويرى محللون أن تصوير إسرائيل باعتبارها دولة تتعرض لهجوم ساعد مودي على تبرير دفع الهند نحو مزيد من التقارب مع دولة الاحتلال.

وقال المحلل السياسي في نيودلهي رشيد كيدواي، إن جانبا كبيرا من خطاب حزب مودي "بهاراتيا جاناتا" السياسي "كان يدور حول التوسع الإسلامي أو الإرهاب الإسلامي" كما يصفونه.

وأضاف كيدواي، مشيرا إلى الصلة بين سياسة مودي تجاه إسرائيل وسياسته الداخلية: "لذلك فإن هذا يساعد في العلاقة مع إسرائيل.. يمكن النظر إلى هذه العلاقة باعتبارها امتدادا للسردية الداخلية التي نراها في الهند".

ويلفت محللون إلى أن اليمين الهندوسي يدعم منذ فترة طويلة أيديولوجية الصهيونية. ولحزب مودي جذور في فلسفة " الهندوتفا"، التي تسعى إلى تحويل الهند إلى دولة هندوسية ووطن للهندوس في أنحاء العالم، وهو ما يشبه نظرة الاحتلال الإسرائيلي إلى نفسه باعتباره وطنا قوميا لليهود.

وأشار كيدواي إلى أنه منذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على إسرائيل، "تملأ المشاعر المعادية للمسلمين ذلك الحيز في الهند". وبالطبع، يقترن هذا الشعور بـ"النهج البراغماتي في نيودلهي؛ نظرا لأن إسرائيل تُعد لاعبا دوليا مؤثرا" وفق تعبيره.

من جانبه، قال الدبلوماسي الهندي السابق نافديب سوري الذي شغل منصب سفير بلاده لدى مصر والإمارات العربية المتحدة، للجزيرة، إن العلاقات بين شعبي البلدين تشكل أيضا ركنا أساسيا في العلاقات الهندية الإسرائيلية، "خصوصا داخل شريحة من المجتمع الهندي لديها إعجاب قوي بالسياسة الحازمة التي تنتهجها إسرائيل".

ومرارا، صدرت دعوات من داخل دوائر اليمين الهندي لمودي من أجل تبني سياسات شبيهة بسياسات إسرائيل، بدءا بتشديد الإجراءات في جزء كشمير الخاضع للإدارة الهندية، وصولا إلى مهاجمة باكستان المجاورة.

وأشار سوري إلى أن التحول نحو إسرائيل سبق الحرب المستمرة على غزة. وقال الدبلوماسي الهندي السابق: "في عهد رئيس الوزراء مودي، تحولت علاقة كانت إلى حد كبير سرية أو تجري بعيدا عن الأنظار إلى علاقة أكثر انفتاحا بكثير".

وأضاف، في إشارة إلى ركيزة أخرى من ركائز العلاقات الثنائية: "لقد أدركت نيودلهي أن إسرائيل شريك قوي للغاية في مجال الدفاع والاستخبارات. وهناك تقارب حقيقي عندما يتعلق الأمر بالتصورات الأمنية".

مصدر الصورة أعضاء الكنيست يحتفون برئيس الوزراء الهندي في 25 فبراير 2026 (الفرنسية)

مواقف مبدئية

مع استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة والانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة، انتقل عدد من أقرب حلفاء إسرائيل الأوروبيين من انتقاد الحرب على القطاع، واستهجان التوسع الاستيطاني غير القانوني بالضفة، إلى اتخاذ إجراءات ملموسة.

فقد فرضت 11 دولة أوروبية على الأقل، إلى جانب كندا، إجراءات تجارية على منتجات المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية. كما فرضت دول عدة عقوبات على مستوطنين وشبكات متهمة بتنفيذ أعمال عنف جماعي ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، وكذلك على وزراء إسرائيلييين مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.

إعلان

أما الهند، فقد تجنبت اتخاذ أي خطوات تتجاوز البيانات والمواقف اللفظية المعارضة للحرب وهجمات قوات الاحتلال والمستوطنين التي يتعرض لها الفلسطينيون بالضفة.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، لا تزال نيودلهي تؤيد حل الدولتين، ودعت إلى السماح بوصول المساعدات وإحلال السلام في المنطقة.

ويرى الدبلوماسي الهندي السابق سوري أن نيودلهي "ينبغي أن تكون قادرة على اتخاذ مواقف أكثر مبدئية تجاه هذه القضايا".

حسابات مودي

أثار الهجوم الإسرائيلي المدمر والدامي على غزة غضبا حتى داخل البيت الأبيض في واشنطن، حيث تحظى إسرائيل بدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد هدد في وقت سابق بوقف الدعم الأمريكي للحرب الإسرائيلية على لبنان، رغم موافقته في الوقت ذاته على صفقات ضخمة لبيع الأسلحة إلى إسرائيل. لكن كل ما ارتكبته إسرائيل لم يغير شيئا في العلاقة الودية بين مودي ونتنياهو.

وفي الواقع، بدت زيارة مودي لإسرائيل في فبراير/شباط، عشية الهجمات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على إيران، وكأنها "بمثابة خدمة شخصية لنتنياهو، من خلال تعزيز صورته كرجل دولة على الساحة الدولية، في الوقت الذي كانت فيه الحملة الانتخابية الإسرائيلية على وشك الانطلاق"، بحسب تصريحات مدير برنامج إسرائيل/ فلسطين في مجموعة الأزمات الدولية ماكس رودنبيك، للجزيرة.

ويشير رودنبيك إلى أن مثل هذا التصرف لم يكن واردا من قبل أي زعيم هندي خلال العقود السابقة.

ففي عام 1948، عارضت الهند قيام إسرائيل. وكانت إقامة علاقة مع دولة الاحتلال أمرا غير مستحب في نيودلهي، في ظل إرث الهند المناهض للاستعمار، رغم أن البلدين أقاما علاقات سرية منذ سبعينيات القرن الماضي على الأقل.

وصوتت الهند لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1975 الذي وصف الصهيونية بأنها شكل من أشكال العنصرية، وكانت أول دولة غير عربية تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية، كما كانت من أوائل دول العالم التي اعترفت بالدولة الفلسطينية.

ولم تقم الهند علاقات دبلوماسية مع إسرائيل إلا في عام 1992. ورغم أن الحكومات الهندية المتعاقبة عملت منذ ذلك الحين على تعزيز العلاقات مع تل أبيب تدريجيا، فإن مودي كان أول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل، وذلك في عام 2016.

وقال كيدواي إن حزب المؤتمر، الذي أصبح الآن في صفوف المعارضة لكنه حكم الهند معظم فترة ما بعد الاستقلال قبل وصول مودي إلى السلطة، كان يرى أيضا أن دعمه للقضية الفلسطينية مفيد في كسب أصوات الناخبين المسلمين، إذ لا يتفوق على الهند في عدد المسلمين سوى إندونيسيا وباكستان.

أما سياسة مودي القائمة على إعطاء الأولوية للهندوس، فعلى النقيض مما سبق، إذ تقوم على تهميش المسلمين الهنود.

وقال كيدواي في تصريح للجزيرة: "يعتقد حزب مودي أنه لن يجني أي مكسب من اتخاذ موقف مؤيد لفلسطين. وبدلاً من ذلك، سعى مودي إلى ربط الهجوم على إسرائيل بما يُسمى عهد الإرهاب والتطرف الإسلامي، لبناء ذريعة ضد المسلمين؛ وتحت هذه الذريعة يُشرَّع كل شيء".