هل يتعارض تجريم إنكار وجود إسرائيل مع الدستور الألماني؟
تزامناً مع الذكرى السنوية الثالثة لهجوم حركة حماس الإرهابي على إسرائيل ، تتعالى في ألمانيا الأصوات المطالبة بحظر إنكار حق إسرائيل في الوجود.
فقد أعلنت يوم الاثنين حكومة ولاية هيسن الألمانية أن "من يُنكر حق إسرائيل في الوجود يُعرّض الحياة اليهودية للخطر، ومن يهاجم الحياة اليهودية يهاجم نظامنا الحر". وتحدثت حكومة الولاية حول وجود ثغرة في قانون العقوبات الألماني يجب سدها.
كثيرًا ما تظهر شعارات تنكر حق إسرائيل في الوجود، مثلًا كتابات على الجدران في برلين ، وتُسمع هتافات مشابهة في مظاهرات تضامنية مع المدنيين الفلسطينيين. وأيضا شعارات تتعلق برفض دولة إسرائيل والدعوة إلى القضاء عليها.
وازدادت حدة النقاش أيضًا بسبب تصريحات في الأيام الماضية من بعض سياسيي حزب اليسار . وحتى الآن لا توجد أية عواقب جنائية في مثل هذه الحالات.
العلم الإسرائيلي مع نجمة داوودصورة من: Sven Hoppe/dpa/picture allianceمطالبة من مجلس الولايات الألماني بفرض حظر قانوني
ويهدف القانون إلى إدراج "إنكار حق إسرائيل في الوجود" ضمن جرائم التحريض. ويُعاقب القانون بالسجن لمدة تصل إلى خمس سنين أو بغرامة مالية مَنْ ينكر بشكل علني - أو في تجمع عام - حق إسرائيل في الوجود أو يدعو إلى القضاء عليها، وذلك إذا كان من شأن تصريحه "تعزيز الاستعداد لممارسة أعمال عنف أو أعمال تعسفية معادية للسامية".
ولكن الخبراء ينتقدون بوضوح منذ الربيع طلب ولاية هيسن. فقد عبّر في وقت مبكّر نحو 30 أستاذة وأستاذًا مختصين في القانون عن آرائهم في مشروع القانون واعتبروه مخالفًا للدستور. وبحسب رأيهم فإن القلق من تزايد معاداة السامية وأعمال العنف المعادية للسامية أمر مفهوم، ولكن لا يمكن حظر رأي معين بموجب قانون عام.
وكذلك أثار في هذه الأثناء تقرير صادر عن خدمة الأبحاث في البرلمان الألماني (البوندستاغ) الشك حول دستورية مشروع القانون. وفي منتصف حزيران/يونيو، تحدّث حول هذا الموضوع دانيال كوهن-بنديت - وهو يهودي وسياسي ألماني فرنسي من حزب الخضر وكان نائبًا في البرلمان الأوروبي من عام 1994 وحتى عام 2014. فقد وصف في حوار مع صحيفة "فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ" مطلب حكومة ولاية هيسن ومشروع القانون بأنه "خاطئ تمامًا".
تحفظات الحكومة الاتحادية
وفي نهاية آب/أغسطس، أبدت الحكومة الاتحادية رأيها - كما هو مقرر في الإجراءات البرلمانية المتعلقة بمشاريع القوانين المقدّمة من مجلس الولايات الاتحادي.
وأعربت الحكومة عن انتقاداتها لهذا القانون المخطط إقراره، وتحدثت حول وجود "خطر دستوري كبير". وأكدت الحكومة أنه يجب - مع المزيد من الفحص - مراعاة أن حالات إنكار حق إسرائيل في الوجود والدعوة إلى القضاء عليها مشمولة في القوانين السارية.
وبالإضافة إلى ذلك فقد أعرب مؤخرًا في مقال نشر في مجلة رجلا القانون الألمان البارزان، كريستوف مولرس وكريستيان نوماير، عن شكهما في إمكانية اتخاذ إجراءات جنائية ضد إنكار حق إسرائيل في الوجود. وذكرا أن هذا يتعلق في جوهره بالمكانة العالية لحرية التعبير عن الرأي .
وفي مؤتمر صحفي اتحادي، أكد وزير العدل في ولاية هيسن، كريستيان هاينتس (من الحزب المسيحي الديمقراطي ) أن هناك حاجة "واضحة جدًا" لوضع تشريعات تنظمية. وقال هاينتس إن الأحكام القضائية في ألمانيا "غير موحّدة في أحسن الأحوال"، مشيرًا إلى اختلاف التقييمات القضائية لشعار " من النهر إلى البحر " (From the River to the Sea). وكذلك أن بعض المحاكم اعتبرت مثلًا عرض "نجمة داوود" في حاوية قمامة مسموح قانونيًا.
لافتة كتب عليها "من النهر إلى البحر: العدالة والمساواة" خلال مظاهرة نظمتها منظمة العفو الدولية في برلين في تشرين الأول/أكتوبر 2024 . تعتبر الصيغة الأخرى "من النهر إلى البحر فلسطين ستتحرر" مثيرة جدًا للجدل في ألمانيا ويتم تقييمها أحيانًا كإنكار لحق إسرائيل في الوجود.صورة من: Paul Zinken/dpa/picture allianceولكن الأمر يتعلق بالنسبة لهاينتس في المقام الأول بمنح السلطات المختصة بتنظيم التجمعات وسيلة لحظر التجمعات المماثلة أو فرض شروط وقيود ضرورية عليها.
وقد أشار إلى الارتفاع الحاد في عدد الجرائم المعادية للسامية منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما أعقبه من شعور بعدم الأمان لدى اليهود في ألمانيا.
"التزام الدولة بحماية اليهود"
وحول هذا الموضوع أعدَّ أستاذ القانون شتيفن أوغسبيرغ من جامعة غيسن تقريرًا لحكومة ولاية هيسن وعرضه الآن، وقد أعرب عن قناعته بأن القانون الذي تسعى ولاية هيسن لإقراره "يتوافق مع الدستور".
وأضاف أن الدستور ينص على "التزام الدولة الألمانية بحماية" اليهود. وأكد أوغسبيرغ أن حرية التعبير في ألمانيا "غير مطلقة" حتى اليوم.
وأشار أوغسبيرغ إلى حكم قضائي غير عادي أصدرته أعلى محكمة ألمانية عام 2009، ويعرف باسم "قرار فونزيدل" الصادر عن المحكمة الدستورية الاتحادية. وفي ذلك الوقت أقر قضاة المحكمة بمدينة كارلسروه بدستورية قاعدة قانونية تُجرّم تمجيد الحكم النازي . وقد تم تبرير هذا القرار بالمسؤولية التاريخية الخاصة لألمانيا. وقال أوغسبيرغ إن هذا يشبه المسألة المطروحة الآن.
وكان يجلس على المنصة رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا ، جوزيف شوستر إلى جانب كل من هاينتس وأوغسبيرغ. وقدّم شوستر شكره لحكومة ولاية هيسن وأعرب من حيث المبدأ عن موافقته على طلبها حظر إنكار حق إسرائيل في الوجود وتجريمه جنائيًا.
ولكنه أعرب عن خشيته من أن ولاية هيسن "تعمل في المكان الخطأ" بمشروع قانونها. ودعا شوستر إلى إدراج هذا القانون ضمن المواد المتعلقة بـ"الجرائم المرتكبة ضد دول أجنبية" (في المواد 102-104 من القانون الجنائي)، وليس ضمن المادة 130 التي تعاقب على التحريض على الكراهية.
وشدد شوستر على أن أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 الإرهابية قد شكلت نقطة تحول بالنسبة للمجتمع اليهودي ليس فقط في ألمانيا. وقد أسفرت هذه المجزرة التي ارتكبتها حركة حماس الإسلاموية وجماعات متطرفة أخرى في إسرائيل عن قتل نحو 1200 شخص وإصابة الآلاف. وكذلك تم اختطاف نحو 250 شخصًا كرهائن إلى قطاع غزة . وتلت ذلك حرب غزة ، التي أدت حتى الآن إلى قتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين وإصابة أعداد كبيرة أخرى نتيجة الهجمات الإسرائيلية.
كريستيان هاينتس وزير العدل في ولاية هيسنصورة من: Sebastian Christoph Gollnow/dpa/picture alliance"مناهضة الصهيونية: كراهية اليهود القديمة"
وحول ذلك قال شوستر: "لا توجد عودة بالنسبة لنا إلى الحياة الطبيعية". وأضاف أن ما يعرف باسم "مناهضة الصهيونية" لا يمثل في معظم الحالات "شيئًا آخر سوى كراهية اليهود القديمة". وأشار إلى أن هذه الشعارات تكمن خلفها "دعوة لتدمير دولة إسرائيل اليهودية".
وبعد دقائق قليلة من المؤتمر الصحفي في ولاية هيسن، أوضح آيكه هوزمان، المتحدث باسم وزارة العدل الاتحادية، أن الحكومة الاتحادية متشككة بشأن تقييد حرية التعبير.
وشرح ضمن إطار المؤتمر الصحفي الحكومي الدوري مخاوف الحكومة الاتحادية من محاولة تجريم التعبير عن الآراء ومعاقبته. وأكد أن "شيئًا كهذا غير ممكن بموجب القانون الأساسي".
وقد عارض هوزمان أيضًا مقارنة هذا القانون بـ"قرار فونزيدل" الصادر عام 2009، والذي يبقى "استثناءً خاصًا جدًا". وقال إن الحكومة ترى في مشروع القانون "مخاطر دستورية كبيرة" وتعتبر مبادرة ولاية هيسن "محفوفة بالخطر".
وبناءً على ذلك من الواضح أن النقاش السياسي سيستمر، حيث تواجه مبادرة ولاية هيسن المدعومة من مجلس الولايات الاتحادي تحفظات من الحكومة الاتحادية. وفي الخطوة التالية، سيتم إدراج مشروع القانون على جدول أعمال البرلمان الاتحادي. ومن المؤكد أنه سيثير جدلًا واسعًا هناك أيضًا. ومن المحتمل أن يُعرض في يوم ما هذا الخلاف حول مسألة الحقوق الأساسية أمام قضاة المحكمة الدستورية في كارلسروه.
أعده للعربية: رائد الباش