وهم الصعود وفخ الذكاء الاصطناعي.. ماذا يخفي مؤشر الأسهم الأمريكية؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يخفي ارتفاع مؤشر "إس آند بي 500" (S&P 500) الأمريكي تباينا متزايدا في أداء الشركات المدرجة تحته، ذلك أن مجموعة محدودة من الشركات العملاقة -المرتبطة بدرجات مختلفة بدورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي– تقود سوق الأسهم الأمريكية وتؤثر في اتجاهاته. كيف ذلك؟
تستحوذ إنفيديا و مايكروسوفت وآبل وألفابت وأمازون وميتا وتسلا على أوزان كبيرة داخل المؤشر (حصة الأسد للتأثير في اتجاه المؤشر صعودا ونزولا)، في وقت أصبحت فيه الرقائق والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والبنية التحتية للطاقة محركات مشتركة لأداء عدد متزايد من الشركات.
قصص مقترحة
list of 3 items* list 1 of 3 الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل عمل البنوك المركزية
* list 2 of 3 هل يستطيع العالم تنظيم الذكاء الاصطناعي دون كبح استثماراته؟
* list 3 of 3 الأسواق الناشئة تبحث عن بدائل لأسهم الذكاء الاصطناعي end of list
وتشير وكالة "رويترز" إلى أن الشركات المرتبطة مباشرة أو بصورة غير مباشرة بالذكاء الاصطناعي أصبحت تمثل أكثر من نصف القيمة السوقية لمؤشر "إس آند بي 500".
ويتتبع مؤشر "إس آند بي 500" أداء أسهم أكبر 500 شركة أمريكية مدرجة في بورصات الولايات المتحدة (مثل بورصة نيويورك وناسداك)، ويضم شركات من مختلف القطاعات الاقتصادية، كما يُعد مرآة تعكس وضع الاقتصاد والسوق الأمريكيين.
ومن جهة ثانية، أظهرت تقارير لصحيفة " فايننشال تايمز" البريطانية أن أكثر من ثلثي شركات مؤشر "راسل 1000" (يقيس أداء أكبر 1000 شركة مدرجة في سوق الأسهم الأمريكية) ترتبط بالذكاء الاصطناعي، إما بصورة مباشرة أو من خلال إدماجه في نماذج أعمالها، في وقت باتت فيه شركات التكنولوجيا الكبرى والمستفيدون من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي يشكلون نحو 16% من سوق السندات الأمريكية عالية التصنيف.
كيف تتحكم 7 شركات عملاقة في 500 شركة أخرى؟
تكمن المفارقة في أن مؤشر "إس آند بي 500" يمكن أن يبقى مرتفعا حتى عندما يتراجع عدد كبير من الأسهم داخله، بسبب الطريقة التي يُبنى بها، إذ تُحدد أوزان الشركات وفقا لقيمتها السوقية وليس بالتساوي.
ويقول الأكاديمي والباحث الاقتصادي محمود مفيد عبد الكريم للجزيرة نت إن المؤشر قد يبدو قويا "بينما تظل السوق أضعف بكثير مما توحي به الأرقام"، مشيرا إلى أن مكاسب عدد محدود من الشركات العملاقة تستطيع تغطية تراجع مئات الأسهم الأقل وزنا.
وبحسب عبد الكريم، بلغ وزن "السبعة الكبار" قرابة 34% من المؤشر في أواخر سبتمبر/أيلول 2026، في حين استحوذت أكبر 10 شركات على نحو 38%، مما يعني أن تحركات عدد محدود من الأسهم أصبحت قادرة على التأثير في المؤشر بصورة لا تتناسب مع عدد الشركات المدرجة فيه.
ويشرح محلل الأسواق المالية محمد النويله الأمر بمثال التصويت، قائلا للجزيرة نت إن الشركات العملاقة "تملك أصواتا أكثر بكثير من الشركات العادية بسبب حجمها المالي"، وبالتالي تستطيع مكاسبها القوية سحب متوسط المؤشر إلى الأعلى حتى مع تراجع مئات المكونات الأخرى.
وتتفق هذه القراءة مع بيانات بنك التسويات الدولية، الذي أشار إلى أن وزن "السبعة الكبار" ارتفع من نحو 20% من القيمة السوقية للمؤشر في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 إلى قرابة 35% لاحقا، بالتزامن مع صعود الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
لكن عبد الكريم لفت إلى أن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى المستثمر تتمثل في ضرورة الفصل بين سؤالين: هل المؤشر يرتفع؟ وكم شركة تشارك فعليا في هذا الارتفاع؟ مشيرا إلى أن جزءا من هيمنة الشركات العملاقة على المؤشر يعكس بالفعل نموا حقيقيا في أرباحها.
الذكاء الاصطناعي.. "شبكة الأمان" الجديدة للأسواق
أفرز صعود شركات الذكاء الاصطناعي مصطلحا جديدا في الأسواق يدعى "AI Put" (شبكة أمان الذكاء الاصطناعي) وهو مستوحى من مفهوم "Fed Put" (ضمانة الفدرالي الأمريكي).
فبينما يشير المصطلح الثاني إلى قناعة المستثمرين بأن الاحتياطي الفدرالي قد يتدخل لتخفيف السياسة النقدية (خفض أسعار الفائدة) عندما تتعرض الأسواق لضغوط كبيرة، بات الأول يعكس اعتقادا بأن النمو القوي في أرباح شركات التكنولوجيا والإنفاق الضخم على مراكز البيانات والرقائق يمكن أن يوفر صمام أمان لأسواق الأسهم حتى في ظل بيئة تتميز بفائدة مرتفعة.
ويرى عبد الكريم أن قوة أرباح شركات الذكاء الاصطناعي أصبحت عاملا يستطيع امتصاص جزء من الأثر السلبي لارتفاع تكلفة الأموال (رفع الفائدة)، لكنه يشدد على أن هذه الأرباح لم تحل بعد محل دور السياسة النقدية.
ويشير إلى أن هذه الشركات تبدأ بضخ رؤوس الأموال لبناء مراكز البيانات، وهذا الأمر يرفع الطلب على الرقائق والخوادم والطاقة، مما يدعم أرباح الشركات المصنعة ومقدمي الخدمات السحابية، لينعكس ذلك بالنهاية على أسعار الأسهم ذات الوزن الكبير في المؤشرات.
من جهته، وصف النويله الظاهرة الجديدة بأنها تتمثل في انتقال جزئي لصمام الأمان من البنوك المركزية إلى خزائن شركات التكنولوجيا الكبرى، التي تستطيع تمويل استثمارات بمئات المليارات من الدولارات بما تملكه من سيولة وتدفقات نقدية.
رغم ذلك تبقى أسعار الفائدة عاملا حاسما، إذ ترفع تكلفة رأس المال وتضغط على التقييمات، كما تجعل السندات أكثر جاذبية مقارنة بالأسهم، مما يعني أن استمرار تأثير "AI Put" (شبكة أمان الذكاء الاصطناعي) يظل مشروطا بقدرة الشركات على تحقيق أرباح تكفي لتعويض ضغوط ارتفاع الفائدة.
مصدر الصورة
وهم التنويع الاستثماري
تطرح هيمنة الشركات السبع الكبرى سؤالا بشأن مدى التنويع الذي توفره الصناديق التي تتبع مؤشر "إس آند بي 500″، إذ لا تُوزَع الأموال بالتساوي على الشركات الـ500، بل تحصل الشركات الأكبر قيمة سوقية على حصة أكبر من الاستثمار، مما يجعل جزءا كبيرا من أموال المستثمر متركزا في عدد محدود من الشركات العملاقة.
ويقول عبد الكريم إن كل 10 آلاف دولار توضع في صندوق يتبع المؤشر قد يذهب منها نحو 3800 دولار إلى 10 شركات فقط، بينما تتوزع البقية على مئات الشركات الأخرى.
وهنا لا يتعلق التنويع بعدد الأسهم وحده، بل أيضا بمدى اختلاف مصادر أرباحها وتحركاتها. فشركة تصنع الرقائق، وأخرى تدير منصة سحابية، وثالثة تملك مراكز بيانات قد تبدو شركات منفصلة، لكنها جميعا قد تتأثر بقرار واحد يتعلق بخفض الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وتوضح "ستاندرد آند بورز غلوبال" أن هذه العلاقات تجعل الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أقرب إلى عامل مخاطرة واحد عندما ترتفع الارتباطات بينها، وهو ما يقلل فوائد التنويع التي يفترض أن يوفرها المؤشر الواسع.
ويرى فينسنت مورتييه رئيس الاستثمار في "أموندي" -في حديثه لصحيفة فايننشال تايمز- أن العملاء باتوا يعيدون النظر في طريقة التنويع، محذرا من أن مراجعة كبيرة لتوقعات الأرباح قد تغير اتجاه الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
ويتحدث رايان مارشال، رئيس إستراتيجيات وحلول الأصول المتعددة في "بلاك روك"، عن تزايد الطلب على مصادر لتحقيق العوائد تكون مستقلة وغير مترابطة مع الأسهم والسندات التقليدية، مشيرا إلى أن بعض المستثمرين باتوا يتوجهون نحو الأصول الخاصة وصناديق التحوط وأسواق أخرى أقل ارتباطا بدورة الذكاء الاصطناعي.
مصدر الصورة
سيناريو الرعب.. ماذا لو تراجعت أرباح التكنولوجيا؟
تظهر المخاطر بصورة أوضح إذا تباطأ الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي أو لم تحقق الاستثمارات الحالية العائد المتوقع منها.
ويقول عبد الكريم إن الخطر لا يتمثل فقط في تراجع الأرباح، بل في ما يُعرف بـ"مخاطر التوقعات"، إذ قد تحقق الشركة نموا إيجابيا ومع ذلك يهبط سهمها إذا جاء النمو أقل مما كان المستثمرون يسعرونه مسبقا.
وتخطط شركات الحوسبة السحابية الكبرى، وفق تقديرات أوردها عبد الكريم، لإنفاق مئات المليارات من الدولارات على الذكاء الاصطناعي في 2026، مما يرفع أهمية سؤال العائد على رأس المال المستثمر، أي مقدار الربح الذي يولده كل دولار يتم توجيهه إلى مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية.
من جهته، يرى النويله أن الخطر الأكبر يبدأ إذا اكتشفت الشركات أن هذه النفقات لا تحقق أرباحا كافية، لأن خفض الإنفاق سيؤثر مباشرة على منتجي الرقائق والمعدات، ثم يمتد عبر سلسلة الموردين.
ويضيف أن ارتفاع تقييمات الأسهم يجعلها أكثر حساسية لأي تباطؤ، بينما يمكن للأوزان الكبيرة أن تحوّل هبوط سهم أو مجموعة صغيرة من الأسهم إلى ضغط على المؤشر كله.
ويصف عبد الكريم السيناريو الأسوأ بأنه الضربة المزدوجة "انكماش الأرباح مع انكماش المضاعفات"، أي انخفاض أرباح الشركات بالتزامن مع انخفاض السعر الذي يقبل المستثمر دفعه مقابل كل دولار من تلك الأرباح.
وتظهر اختبارات الضغط التي أجرتها "ستاندرد آند بورز غلوبال" حجم هذه الحساسية، إذ استخدمت هبوطا افتراضيا بنسبة 26.3% في سلة "السبعة الكبار"، مماثلا للصدمة التي تعرضت لها أسهم التكنولوجيا الكبرى خلال انفجار فقاعة الإنترنت، ووجدت أن انتقال الصدمة يمكن أن يمتد إلى قطاعات غير تكنولوجية مع ارتفاع الارتباطات خلال فترات التوتر.
تحوط متزايد
بدأت هذه المخاطر تغير بالفعل سلوك مديري الأصول، إذ يبحث المستثمرون عن وسائل للاحتفاظ بجزء من استثماراتهم مرتبطة بنمو الذكاء الاصطناعي، من دون ترك المحافظ رهينة لعدد محدود من الشركات.
ويقول دانيال غامبا المسؤول في مؤسسة "فرانكلين تمبلتون" إن فرق الاستثمار باتت تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد عوامل العائد والمخاطر، على غرار عوامل القيمة والزخم والنمو، مع السعي إلى بناء محافظ أقل تعرضا لتقلباته.
وتتجه بعض المؤسسات إلى الأسواق الناشئة، والأصول الحقيقية مثل التعدين و الطاقة المتجددة، وصناديق التحوط، والسندات الأقصر أجلا بهدف إضافة مصادر عائد تختلف عن الدورة الاستثمارية الأمريكية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
كما أظهر نموذج "ستاندرد آند بورز غلوبال" أن خفض أوزان أكبر 5 مراكز في محفظة افتراضية بنسبة 25% وإعادة توزيع الأموال على أسهم ذات خصائص مخاطرة متقاربة أدى إلى خفض الوزن المجمع لهذه المراكز من 27.9% إلى 20.9%، مع إعادة توزيع أكثر من 8% من إجمالي المخاطر بعيدا عن المراكز الأكثر تركيزا.
ورغم تصاعد المخاوف المرتبطة بتركز السوق الأمريكية بسبب الذكاء الاصطناعي، لا تشير المعطيات الحالية بالضرورة -بحسب غامبا- إلى اقتراب نهاية دورة صعود شركات الذكاء الاصطناعي، في ظل استمرار نمو الأرباح وضخ استثمارات كبيرة في مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية المرتبطة بالتقنية.
لكن اتساع الفجوة بين أداء المؤشر وأداء عدد كبير من مكوناته يجعل قراءة مؤشر "إس آند بي 500" أكثر تعقيدا، إذ لم يعد اتجاهه وحده كافيا للحكم على قوة السوق، بل تزداد أهمية معرفة الشركات التي تقود مكاسبه، وحجم اعتماد المؤشر على استمرار أرباحها وقدرتها على تبرير الأوزان والتقييمات المرتفعة التي باتت تشغلها داخله.