تصدرت أزمة كريستيانو رونالدو مع مدرب منتخب البرتغال خورخي جيسوس اهتمام الصحافة البرتغالية، بعدما غادر قائد المنتخب معسكر بلاده في كوبنهاغن عشية مواجهة الدانمارك في دوري الأمم الأوروبية، وسط روايات متباينة عما جرى وتساؤلات متزايدة بشأن مستقبله الدولي.

وتعود بداية الأزمة إلى مباراة النرويج، التي فازت بها البرتغال 2-1، الأحد، إذ بقي رونالدو على مقاعد البدلاء طوال اللقاء رغم قيامه بالإحماء لفترة طويلة، ثم غادر الملعب من دون المشاركة في التحية المعتادة للجماهير عقب صافرة النهاية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 لماذا تدمر روسيا مركز البيانات في أوكرانيا؟
* list 2 of 2 من خطاب القوة إلى شبح الإقالة.. ماذا يكشف خطاب هيغسيث في البنتاغون؟ end of list

وبدأ الموقف خلافا حول قرار فني، ثم اتسع بعدما دخل رئيس الاتحاد البرتغالي بيدرو بروينسا على خط الأزمة في محاولة لاحتوائها، قبل أن يقرر رونالدو مغادرة المعسكر.

وأعلن قائد البرتغال قراره عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، موضحا أنه اختار الرحيل عقب المؤتمر الصحفي لجيسوس ومحادثة مع بروينسا، ومؤكدا أنه سيكشف "في الوقت المناسب" حقيقة الأسباب التي دفعته إلى هذه الخطوة.

ولم يعلن رونالدو اعتزاله اللعب الدولي، إلا أن بعض الصحف البرتغالية تحدثت عن قرار نهائي بعدم العودة إلى المنتخب، لتنتقل القضية من تفاصيل ما حدث أمام النرويج إلى سؤال أكبر بشأن ما إذا كانت مسيرة امتدت لأكثر من 23 عاما بقميص البرتغال قد بلغت نهايتها.

30 دقيقة أشعلت فتيل الأزمة

تضع الصحافة البرتغالية نحو نصف ساعة من مباراة النرويج في صلب الخلاف بين رونالدو وجيسوس.

وقال المدرب إن الخطة التي ناقشها مسبقا مع قائده كانت تستهدف تنظيم مشاركته خلال 4 مباريات متقاربة، وإن رونالدو كان يعلم أنه لن يبدأ أساسيا أمام النرويج أو الدانمارك. ومع ذلك، أخبره جيسوس قبل اللقاء بأنه قد يحتاج إليه لمدة تتراوح بين 20 و30 دقيقة، فأبدى اللاعب استعداده للمشاركة.

ومع انطلاق الشوط الثاني، أرسل جيسوس رونالدو للإحماء، لكنه عدل لاحقا عن إشراكه بعدما رأى أن مجريات المباراة لم تعد تستدعي الدفع به.

مصدر الصورة رونالدو أثناء قيامه بعمليات الإحماء في مباراة النرويج (غيتي)

وأقر المدرب بعد ذلك بأنه أخطأ في إدارة هذه الجزئية، موضحا أن الأفضل كان إرسال رونالدو إلى الإحماء بعد مرور نحو 15 دقيقة من الشوط الثاني، بدلا من إبقائه مستعدا للدخول طوال تلك الفترة.

إعلان

وفي المقابل، تمسك جيسوس بسلطته الفنية في اختيار اللاعبين وتوقيت إشراكهم، وقال في المؤتمر الصحفي "لن يغير أي لاعب أفكاري، لا هو ولا أي شخص آخر في كرة القدم".

كما أقر بأن رونالدو "غضب" منه بسبب ما حدث، مؤكدا أن قراراته استهدفت، من وجهة نظره، حماية المنتخب واللاعب في آن واحد.

"أبولا" تنتقد قرار رونالدو

اتخذت صحيفة "أبولا" (A Bola) أحد أكثر المواقف انتقادا لرونالدو، إذ نشر مديرها لويس بيدرو فيريرا مقالا حمل عنوان "الخطيئة الكبرى لكريستيانو رونالدو"، ورأى فيه أن الخلاف مع المدرب بشأن قرار فني لا يبرر مغادرة معسكر المنتخب.

واعتبر فيريرا أن اختيار التشكيلة وإجراء التبديلات يدخلان في صميم صلاحيات المدرب، وأن من حق اللاعب الاعتراض أو طلب تفسير لما جرى، على أن يحدث ذلك داخل الفريق. أما مغادرة المعسكر أثناء المنافسة، فعدها الكاتب الخطأ الأكبر في الأزمة.

ولم يتجاهل المقال مكانة رونالدو في تاريخ المنتخب، إذ استعاد أكثر من عقدين من مسيرته الدولية والدور الذي أداه في صعود البرتغال إلى مكانة بارزة في كرة القدم العالمية، ورأى أن الأزمة الحالية قد تحرم اللاعب من نهاية تليق بمسيرته الطويلة.

وواصلت "أبولا" مناقشة موقع رونالدو داخل المنتخب في مقال رأي آخر، رأى صاحبه أن اللاعب، في سن الـ41، لم يعد يملك المكانة الفنية نفسها التي تمتع بها في مراحل سابقة، وأن بإمكانه مواصلة تقديم خبرته وبعض الدقائق المؤثرة إذا قبل دورا مختلفا داخل الفريق.

ومع ذلك، لم تحصر الصحيفة تغطيتها في الرواية الناقدة لرونالدو، إذ أبرزت أيضا تصريحات الصحفي الإسباني إيدو أغيري، المعروف بقربه من اللاعب، والتي قدمت صورة مختلفة للأزمة وألقت قدرا أكبر من المسؤولية على جيسوس.

رواية الخيانة

بحسب أغيري، اجتمع رونالدو وجيسوس وبروينسا مساء الثلاثاء لمناقشة أحداث مباراة النرويج، واعتذر المدرب خلال الاجتماع عن إبقاء قائده في الإحماء لنحو نصف ساعة من دون أن يشركه.

وأضاف أغيري أن جيسوس تعهد، وفق هذه الرواية، بالاعتراف علنا بخطئه في المؤتمر الصحفي التالي.

غير أن رونالدو، بحسب الصحفي الإسباني، فوجئ في اليوم التالي بجيسوس يؤكد أمام وسائل الإعلام سلطته الكاملة على القرارات الفنية، ويشدد على أنه سيدفع باللاعب عندما يحتاج إليه وسيبقيه خارج الملعب عندما يرى غير ذلك.

وقال أغيري إن رونالدو شعر عندها بأنه تعرض لـ"الخيانة"، بعدما وجد فارقا بين ما دار في الاجتماع المغلق وما سمعه في المؤتمر الصحفي، فاتخذ قرار المغادرة.

مصدر الصورة رونالدو لم يشارك في مباراة النرويج (غيتي)

ونقلت صحيفة "ريكورد" (Record) هذه الرواية على نطاق واسع، مع نسبها بوضوح إلى أغيري، من دون تقديمها بوصفها رواية مثبتة من الاتحاد البرتغالي أو المدرب.

وتكمن أهمية هذه الجزئية في أن جيسوس أقر بالفعل بسوء إدارته لفترة إحماء رونالدو، لكنه لم يؤكد أنه وعده باعتذار علني. ومن ثم تظل مسألة "الوعد المكسور" جزءا من رواية المقربين من اللاعب، وليست حقيقة متفقا عليها بين أطراف الأزمة.

ريكورد تنتقد إدارة الأزمة

وسّعت "ريكورد" نطاق النقاش إلى ما يتجاوز الخلاف بين المدرب واللاعب، ووجّه مديرها برناردو ريبيرو انتقادات مباشرة إلى الاتحاد البرتغالي وطريقة تعامله مع القضية، واصفا ما جرى بأنه نموذج لـ"كيفية عدم إدارة أزمة".

إعلان

ومن هذه الزاوية، لم يعد السؤال مقتصرا على أحقية جيسوس في قراراته الفنية أو طريقة رد رونالدو عليها، بل امتد إلى كيفية تحول خلاف داخلي إلى قضية طغت على أخبار المنتخب عشية مباراة رسمية.

ولفتت الصحيفة إلى التناقض بين محاولة جيسوس إغلاق الملف في مؤتمره الصحفي، حين أكد أنه لا توجد "قضية" مع رونالدو، وبين ما حدث بعد دقائق، إذ غادر اللاعب موقع التدريب ولم يشارك في الحصة، ثم أعلن لاحقا مغادرته المعسكر.

وبذلك وضعت "ريكورد" الاتحاد البرتغالي أيضا في دائرة النقاش، متسائلة ضمنيا عن سبب إخفاق الوساطة التي شارك فيها رئيسه بروينسا في منع وصول الخلاف إلى هذه المرحلة.

أو جوغو تتحدث عن قرار لا رجعة فيه

كانت صحيفة "أو جوغو" (O Jogo) أكثر حسما من غيرها عند تناول مستقبل رونالدو مع المنتخب.

ونشرت أن القرار "اتُّخذ ولا رجعة فيه"، وأن قائد البرتغال لن يعود إلى المنتخب، كما ذكرت أنه غادر الفندق قبل عودة زملائه من التدريب ومن دون أن يودعهم.

وفي تقرير آخر، قالت الصحيفة إن رونالدو "يشعر بالخيانة ولن يتراجع"، وهي رواية تقترب مما نقله أغيري عن أسباب غضب اللاعب وما دار بينه وبين جيسوس قبل المؤتمر الصحفي.

ومع ذلك، يبقى الحديث عن نهاية مسيرة رونالدو الدولية مستندا في هذه المرحلة إلى معلومات الصحيفة ومصادرها، إذ لم يصدر عن اللاعب إعلان رسمي بالاعتزال أو تأكيد بأنه لن يرتدي قميص البرتغال مجددا.

أما موقفه المعلن، فيقتصر حتى الآن على قرار مغادرة المعسكر، مقرونا بوعد بالكشف لاحقا عن ملابسات ما حدث.

دياريو دي نوتيسياس تعلن "الخروج من الباب الصغير"

وفي مساحة الرأي، اتخذت صحيفة "دياريو دي نوتيسياس" (Diário de Notícias) موقفا واضحا من الأزمة، إذ نشرت مقالا بعنوان "كريستيانو رونالدو فضّل الخروج من الباب الصغير".

ورأى المقال أن جيسوس لم يطرد رونالدو من المنتخب، وأن المدرب كان مستعدا للإبقاء عليه ضمن المجموعة، ولكن في دور يتناسب مع مرحلته الحالية ويمنح الجهاز الفني حرية تحديد مقدار مشاركته من مباراة إلى أخرى.

ومن وجهة نظر الكاتب، برزت الأزمة عندما أصبح مطلوبا من رونالدو التكيف مع دور أقل مركزية من ذلك الذي اعتاده طوال معظم مسيرته الدولية، معتبرا أن طريقة مغادرته المعسكر لا تنسجم مع المسؤولية التي يفرضها حمل شارة قيادة المنتخب.

أما في تغطيتها الخبرية، فتتبعت الصحيفة تطور الأحداث منذ مباراة النرويج حتى مغادرة المعسكر، ولاحظت أن رونالدو رحل عن موقع التدريب بعد وقت قصير من مؤتمر صحفي حاول خلاله جيسوس التقليل من حجم الخلاف.

وهكذا وجد المدرب ورئيس الاتحاد نفسيهما أمام أزمة مفتوحة عشية مواجهة الدانمارك، بعدما أخفقت محاولات إبقاء الخلاف داخل حدود غرفة الملابس.

روايتان وسؤال واحد عن المستقبل

تكشف متابعة الصحافة البرتغالية عن انقسام واضح في تفسير الأزمة أكثر مما تكشف عن خلاف في توصيف حجمها.

فالرؤية المنتقدة لرونالدو تنطلق من أن قائدا في الحادية والأربعين من عمره أصبح مطالَبا بالتكيف مع واقع فني جديد لا يضمن له المشاركة أساسيا أو حتى الدخول في كل مباراة، وأن مغادرة المعسكر كانت ردا يتجاوز حدود الاختلاف الطبيعي مع المدرب.

في المقابل، تقدم الرواية المقربة من اللاعب الأزمة باعتبارها مرتبطة بطريقة إدارة العلاقة معه، وتحديدا بما قيل إنه تفاهمٌ تم التوصل إليه خلف الأبواب المغلقة قبل أن يسمع رونالدو خطابا مختلفا في المؤتمر الصحفي لجيسوس.

وبين الروايتين، يجد الاتحاد البرتغالي نفسه طرفا أساسيا في المشهد، بعدما تدخل رئيسه لمحاولة تسوية الخلاف من دون أن تنجح الوساطة في منع رحيل قائد المنتخب.

وحتى مساء الخميس 1 أكتوبر/تشرين الأول، يبقى المؤكد أن رونالدو غادر معسكر البرتغال ولن يخوض مواجهة الدانمارك، وأن القميص رقم 7 انتقل في قائمة المباراة إلى رافائيل لياو، لاعب غلطة سراي التركي.

إعلان

أما السؤال الأكبر، وهو ما إذا كان الرقم 7 قد انتقل لمباراة واحدة أم أن أزمة كوبنهاغن أسدلت الستار على مسيرة رونالدو الدولية، فلم يحسمه اللاعب بعد.