ماذا يريد الناخب الإسرائيلي؟
لا يمكن إنكار أهمية انتخابات الكنيست السادسة والعشرين المقرر إجراؤها في 27 أكتوبر القادم (2026)، سواء على صعيد الداخل الإسرائيلي، أم على صعيد القضايا الإقليمية ذات الاهتمام.
ويظهر هذا واضحًا في نتائج "مؤشر المجتمع الإسرائيلي" الصادرة عن معهد سياسة الشعب اليهودي في فبراير 2026، حيث أكد 33٪ أنها الانتخابات الأهم في تاريخ دولة إسرائيل، في حين أكد 40٪ أنها ذات أهمية استثنائية، أي أن 73٪ يجمعون على الأهمية الاستثنائية لتلك الانتخابات.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 من سيحكم إسرائيل؟
* list 2 of 2 العراق وسلاح الفصائل.. ثلاث عقبات اصطدمت بها خطة رئيس الوزراء end of list
هذا، وفي حين يتركز جزء كبير من الاهتمام على السؤال الرئيسي المتعلق بالحكومة القادمة وتوجهاتها، لا تقدم استطلاعات الرأي العام التي تتم حول الانتخابات حتى اللحظة تصورًا حاسمًا لما سوف يحدث، سواء على صعيد الائتلاف الذي يمكن أن يشكل الحكومة، أو من يتولى رئاسة الوزراء، وخاصة سؤال فرص تغيير رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، وحكومة اليمين الأكثر تطرفًا التي تسيطر على المشهد.
وتعكس نتائج استطلاعات الرأي العام حول نتائج الانتخابات حتى اللحظة جزءًا من مشهد إسرائيلي متشابك ومعقد في انتخابات هي الأولى بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 (طوفان الأقصى)، والحروب التي تبعت ذلك على جبهات متعددة لا يتوقف نتنياهو عن زيادة عددها، إلا أن جزءًا أساسيًا من تلك الأزمة يعود إلى سياسات الحكومة التي تشكلت في ديسمبر 2022، وما سعت إليه من تعديلات قضائية انعكست بدورها على العديد من أوجه الحياة السياسية والاجتماعية والأمنية، مثيرة تساؤلات حقيقية حول جيش الشعب والديمقراطية الإسرائيلية.
وهنا يثار الجدل حول الناخب الإسرائيلي نفسه، وتذهب بعض الكتابات إلى التساؤل حول حالة الاستطلاعات وما تبرزه من تقارب النسب التي يحصل عليها نتنياهو وتياره مقابل رئيس حزب يشار غادي أيزنكوت، والتيار الإصلاحي أو المعارض الذي يجتمع على الرغبة في إقصاء نتنياهو ويختلف فيما يخص خليفته.
ويبرز الجدل في هذا السياق من التناقض بين كل ما يتم ربط نتنياهو وحكومته به من سياسات ومواقف، واستمرار حصوله على نسب غير قليلة في استطلاعات الرأي العام، سواء على صعيد منصب رئاسة الوزراء أو الائتلاف الذي يحصل على أعلى الأصوات، وهو ما يعمق الإشكاليات السياسية في ظل عدم حصول أي تيار على الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة (61 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا هي إجمالي عدد مقاعد الكنيست). ويطرح هذا الوضع تساؤلًا آخر شديد الأهمية حول الأسباب التي تقف وراء هذا، وخاصة أجندة الناخبين أنفسهم، والقضايا ذات الأولوية التي تؤدي إلى تلك النتائج في استطلاعات الرأي.
العوامل الأكثر تأثيرًا على اختيارات الناخب الإسرائيلي:
لا يمكن الحديث عن عامل حاسم عندما يأتي الأمر للبحث عن العوامل التي تؤثر على الناخب الإسرائيلي، كما أن هذا الناخب نفسه لا يعبر عن كتلة متماسكة، ليس فقط على صعيد التقسيمات التقليدية القائمة على يهود وعرب، أو متدين وعلماني، ويميني ويساري، ولكن داخل تلك التقسيمات ذاتها.
وفي هذا السياق، يتجاوز الوضع الحالي التقسيمات التقليدية نفسها إلى حالة من التنوع والتداخل، حيث نشهد الصراع داخل اليمين، كما داخل التيارات القائمة.
وبهذا، يعبر تيار نتنياهو عن مجموعة من القوى التي قد تتفق في اختيار نتنياهو لمنصب رئيس الوزراء، ولكنها تختلف في موقفها من القضايا الأخرى. بالمقابل، قد يتفق معسكر التغيير أو التيار المعارض، كما حدث عام 2021، على إقصاء نتنياهو وبعض الشخصيات اليمينية الأكثر تطرفًا في الحكومة، ولكنه لا يتفق حول من يخلفه، وشكل الائتلاف القادم بصورة واضحة.
في ذات الوقت، من شأن معرفة وزن القضايا المؤثرة في اختيارات الناخب أن تشكل خلفية مهمة لفهم استطلاعات الرأي من جانب، وما يقف خلفها من جانب آخر، وتحديدًا السردية أو الرواية الأكثر تأثيرًا في عملية الاختيار، وكيف يتم توظيفها سياسيًا، سواء أكان الحديث عن الأمن أو الاقتصاد أو الديمقراطية أو الدين والأيديولوجية، وغيرها من الاعتبارات.
في هذا السياق، تبرز استطلاعات الرأي العام حول القضايا التي تشغل الناخبين تداخل قضايا الأمن مع السياسة الخارجية، والاقتصاد، وتجنيد الحريديم وما يطرحه حول تقاسم الأعباء وعلاقة الدين بالدولة، وكذلك قضايا إدارة النظام السياسي والقضائي وكل ما يطرحه حول الديمقراطية، وإن كانت ديمقراطية إثنية تتعلق باليهود أكثر مما تتعلق بعرب 48 أو الفلسطينيين والمسار السياسي للتسوية. كما تعكس تلك الاستطلاعات اختلافات مهمة بين اليهود والعرب في ترتيب تلك الأولويات، وخاصة على صعيد الأمن الشخصي والوضع الاقتصادي، كما تبرز تغير وزن تلك العوامل ذاتها بناء على الانتماء السياسي والديني والاجتماعي.
مصدر الصورة
خيارات الناخب الإسرائيلي في انتخابات 2026:
تبرز مجموعة من الاستطلاعات خلال عامي 2025 و2026 مجموعة من الأولويات المهمة، لعل أبرزها الأمن والسياسة الخارجية، والاقتصاد وغلاء المعيشة، بالإضافة إلى التجنيد ووضع الحريديم. ورغم اختلاف الأسئلة المطروحة، واعتماد بعض الاستطلاعات على جمع نسب التأييد من اختيارات الناخب لترتيب العامل المحدد، فإنها تمثل فرصة مهمة في إدراك أهمية المحور، وموضعه من وقت إلى آخر، وكيف تختلف تلك الأهمية أحيانًا وفقًا لاعتبارات خاصة بمجموعة انتخابية دون أخرى.
وبالتعمق في تلك المحاور، نجد أن المحور الأول، المتمثل في موقف الحزب من الأمن والسياسة الخارجية، ارتبط بالتعامل مع إيران وقطاع غزة ولبنان، بالإضافة إلى التعامل مع الحرب والردع وحماية الأمن القومي.
وتبرز استطلاعات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية التي تم إجراؤها في الفترة ما بين 31 أغسطس و3 سبتمبر 2026، أو استطلاع سبتمبر 2026 كما يرد تاليًا، أن الأمن والسياسة الخارجية أصبحا أهم عامل لدى الناخب بنسبة تأييد وصلت إلى 39٪.
ومن المثير للاهتمام أن هذا العامل نفسه حصل على 20٪ لدى اليهود و18٪ لدى العرب وفقًا لاستطلاع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، أو استطلاع ديسمبر 2025 كما يرد تاليًا، محافظًا على المرتبة الأولى بالنسبة لليهود والثانية بالنسبة للعرب.
وتشير تلك النتائج، مع ارتفاع النسبة التي حصل عليها في المرحلة الأقرب للانتخابات (استطلاعات سبتمبر 2026)، إلى تزايد قيمة موقف الحزب من الأمن والسياسة الخارجية في عملية الاختيار، وهو الأمر الذي يمكن تفسيره، جزئيًا على الأقل، بالتقارب في النسب بين نتنياهو الملقب بـ"رجل الأمن"، ورئيس الأركان الأسبق أيزنكوت بحكم خلفيته العسكرية، ومقتل ابنه وابن شقيقه في غزة خلال الحرب، ما يضيف إلى أسهمه في الانتخابات بالنسبة للناخب الإسرائيلي.
ومع ارتفاع تأثير عامل مثل الأمن، قد يكون الشخص الأكثر قدرة على توليد وتوظيف المخاطر والتهديدات مع اقتراب الانتخابات هو الأكثر قدرة على الحضور في الانتخابات.
بدوره، جاء موقف الحزب من الاقتصاد وغلاء المعيشة في المرتبة الثانية وفقًا لاستطلاع سبتمبر 2026، متضمنًا الأسعار والقدرة الشرائية والوضع الاقتصادي بصفة عامة، وخاصة في ظل الحرب الممتدة وما ارتبطت به من استدعاء لجنود الاحتياط وهجرة للكفاءات وانسحاب للشركات وغيرها من العوامل الأخرى.
وحصل هذا المحور على نسبة 38٪ لدى الناخبين، كما تم وضعه في المرتبة الأولى أو الثانية فيما يتعلق بترتيب الأولويات. وفي هذا السياق، يلاحظ أهمية الاقتصاد في عملية الاختيار، حيث جاء في المرتبة الأولى لدى العرب في استطلاع ديسمبر 2025، وحصل على 33٪، في حين جاء في المرتبة الثالثة لدى اليهود بنسبة 19٪.
وبهذا، في حين يمثل الاقتصاد قضية مهمة للمجتمع الإسرائيلي بشكل عام، إلا أنه أكثر أهمية لدى الناخبين العرب، وهو ما يزيد من قيمة خطاب الاقتصاد في العملية الانتخابية بصفة عامة، ولدى الناخب العربي بصفة خاصة.
وارتباطًا بما سبق، وإن كان بشكل غير مباشر، جاء التجنيد ووضع الحريديم في المرتبة الثالثة في استطلاعات سبتمبر 2026، وهو عامل يجمع بدوره بين العديد من قضايا الجدل الإسرائيلي الممتدة، والتي ظهرت بشكل واضح خلال حكومة نتنياهو السادسة التي تشكلت في ديسمبر 2022.
وفي هذا السياق، حصل موقف الحزب أو القائمة الانتخابية من التجنيد الإلزامي على 27٪.
وتزداد أهمية قضية التجنيد في المجتمع الإسرائيلي، ليس فقط لما تثيره على صعيد تقاسم الأعباء، والبعد الاقتصادي والاجتماعي المرتبط بها، ولكن لتأثيرها الأعمق على فكرة جيش الشعب كما يتم تقديمه.
وبهذا، لا يؤثر عامل التجنيد على موقف الأحزاب الحريدية فقط، والتي أعلن بعضها إمكانية عدم الانتماء إلى أي ائتلاف حتى يتبين موقفها من عملية التجنيد الإلزامي، ولكنه يمتد إلى الناخب نفسه وقرار الانتخاب.
يأتي بعد ذلك، وفي المرتبة الرابعة وفقًا لاستطلاع سبتمبر 2026، المحور الخاص بموقف الحزب من العلاقة بين الدين والدولة، والذي يرتبط بقضايا مثل السبت والمجال العام، وعلاقة مؤسسات الدولة بالدين، والتعليم الديني، بالإضافة إلى قضايا مثل الزواج والطلاق، وصلاحيات المؤسسات والحاخامية الدينية.
وقد حصل هذا العامل على 26٪، وجاء في المركز الأول أو الثاني لدى اليهود، وكذلك حصل على اهتمام أكثر لدى اليسار والوسط.
أما في استطلاع ديسمبر 2025، فقد تراجعت النسبة التي حصل عليها عامل الدين والدولة، حيث حصل على 19٪ لدى اليهود و7٪ لدى العرب، ويبرز هنا الفارق بين تقييم نفس العامل لدى اليهود والعرب، حيث حصل على نفس النسبة التي حصل عليها الاقتصاد وغلاء المعيشة، ما يجعله أحد العوامل المهمة في قرارات الناخب اليهودي.
في حين يمكن وضع العامل الخاص بهوية زعيم الحزب في المرتبة الخامسة، حيث حصل على 23٪ في استطلاع سبتمبر 2026.
أما في استطلاع ديسمبر 2025، فقد حصل على 17٪ لدى اليهود و6٪ فقط لدى العرب. ويشير هذا الوضع إلى تزايد أهمية هوية زعيم الحزب من الإجمالي في عملية الاختيار، خاصة مع اقتراب الانتخابات، وقد يكون هذا هو العنصر الحاسم في تغيير المشهد حال استطاع أحد الأسماء المطروحة بناء علاقة أقوى بين موقعه ومواقف الحزب واهتمامات الناخب.
يلي ذلك العامل الخاص بالحكومة والنظام القضائي بنسبة 18٪ في سبتمبر 2026، والذي يرتبط بقضايا مثل استقلال القضاء، والإصلاح القضائي.
ويمثل هذا العامل واحدة من القضايا الأكثر إثارة للجدل مع تشكيل حكومة نتنياهو السادسة، وخاصة في ظل ما طرحته الحكومة من خطط تتعلق بالتعديلات القضائية التي أثارت موجة من الاحتجاجات وهجرة للكفاءات، وساهمت في الحديث عن تزايد فرص سقوط الحكومة في مرحلة ما قبل السابع من أكتوبر.
مصدر الصورة
تأثير الأحداث الكبرى والتوجه السياسي على اختيارات الناخبين:
تبرز الاستطلاعات المختلفة حدوث تطور مهم في ترتيب العناصر ذات الأهمية عبر الوقت.
وفيما يعكس هذا الوضع تأثر رأي الناخب بالأحداث الأمنية الكبرى، يمثل الأمن والاقتصاد القضايا الأكثر حضورًا داخل المجتمع الإسرائيلي، وربما يفسر هذا الأمر جزئيًا استمرار الحديث عن الأعداء والحرب القادمة من نتنياهو ومنافسيه، حيث قدمت العديد من الدول والأطراف الإقليمية بوصفها أعداء للدولة، في حين حذر نتنياهو علنًا في 29 سبتمبر 2026 من إمكانية استهداف إسرائيل من الأعداء قبل الانتخابات.
وبالمجمل، يستمر عامل التهديد، وسردية الشخص القادر على توفير الأمن والحماية، أحد الأبعاد الأكثر أهمية في التأثير على المشهد الانتخابي، ما يبرز كلًا من الحديث عن الأعداء والحرب القادمة من جانب، والمسؤولية عن السابع من أكتوبر بشكل متزايد مع اقتراب الانتخابات من جانب آخر.
في حين تبرز النتائج السابقة أولويات الناخب من حيث القضايا، فإن إضافة البعد الخاص بالتوجه السياسي من شأنه زيادة أهمية بعض العناصر عن المتوسط العام أحيانًا.
ومن خلال العودة إلى استطلاعات سبتمبر 2026 نجد أن اليهود الذين يعرفون أنفسهم بأنهم من اليمين زادت لديهم أهمية الأمن والسياسة الخارجية لتصل إلى 47٪ مقابل المتوسط العام البالغ 39٪، وتمثل العامل الأكثر تأثيرًا بالنسبة لهم. أما في استطلاعات ديسمبر 2025، وفي حين حصل عامل الأمن والسياسة الخارجية في المتوسط العام على 20٪ لدى اليهود، فقد حصل لدى اليهود الذين يعرفون أنفسهم بأنهم من اليمين على 22٪.
بالمقابل، مثل العامل الخاص بموقف الحزب من الدين والدولة 39٪ لدى اليهود الذين يعرفون أنفسهم بأنهم من اليسار، بزيادة واضحة عن 26٪ التي حصل عليها هذا العامل بشكل عام، كما مثل العامل الأكثر أهمية بالنسبة لليهود المنتمين لليسار مقارنة بالعوامل الأخرى، حتى بعامل الأمن والسياسة الخارجية الذي حصل لديهم على 30٪.
وفي حين كان المتوسط العام في استطلاع ديسمبر 2025 هو 19٪ لدى اليهود، فقد حصل لدى الذين يعرفون أنفسهم بأنهم من اليسار على 24٪، ليكون العامل الأول بالنسبة لهم.
أما على صعيد الاقتصاد وغلاء المعيشة، فقد حصل في استطلاعات سبتمبر 2026 على 40,5٪ لدى اليهود الذين يعرفون أنفسهم بأنهم من الوسط، وقد كان العامل الأكثر أهمية لهم مقارنة بالمتوسط الذي وصل إلى 38٪.
وفي استطلاعات ديسمبر 2025، الذي كان متوسطه العام 19٪ لدى اليهود، فقد حصل لدى من يعرفون أنفسهم بأنهم في الوسط على 25٪، ليكون العامل الأكثر أهمية بالنسبة لهم. وهو ما يبرز بدوره أهمية الانتماء السياسي في الثقل الذي قد تحصل عليه قضية ما مقارنة بغيرها.
الأمن ما بعد السابع من أكتوبر:
ربما يكون الأمن هو أحد المحددات الأساسية في السياسة الإسرائيلية، كما أن مدخل التهديد وصناعة الأعداء أحد النقاط المكملة للمشهد، كما ظهر واضحًا في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر مع الحديث المستمر عن تهديد يماثله أو يفوقه.
وبهذا، تم مع الوقت تأطير نموذج للعدوان الأكثر خطرًا، والبيئة الأكثر تهديدًا، وتم تقديم التهديد القادم من الضفة الغربية بوصفه مماثلًا لهذا الذي جاء من غزة، والتعامل مع المخاوف من تأثير الضفة الغربية بوصفها، كما يتردد، قادرة على تنفيذ عدوان على تل أبيب يتجاوز هذا الذي جاء من القطاع، ما حول السابع من أكتوبر إلى مقياس للتهديد من غزة إلى غيرها.
بناء على ذلك، لم يعد الأمن مجرد جزء من فكرة الضحية والدولة المحاصرة المحاطة بالأعداء، ولكنه أصبح، وفقًا للخطاب الإسرائيلي، مقاسًا بنموذج واقعي تم تقديمه للعالم بوصفه أسوأ ما واجه اليهود، بهدف تمرير خطاب الدفاع عن النفس في الخارج، والقدرة على الحسم في الداخل.
ولكن، فيما تمثل أحداث السابع من أكتوبر فرصة للحديث عن التهديد، فإنها تمثل لنتنياهو سلاحًا ذا حدين، حيث يواجه، بحكم منصبه خلال الأحداث، الفشل في منع "الطوفان"، وفي تحقيق النصر الحاسم أو المطلق، بما يطرح حديث المسؤولية وكل ما يحيط بها من أهمية خاصة في ظل التسريبات المختلفة حول التحذيرات التي حصلت عليها إسرائيل قبل السابع من أكتوبر.
وفقًا لهذا، وبدلًا من أن يكون الأمن العامل الحاسم في تأييد حضور نتنياهو في المشهد، تحول إلى عامل مزدوج التأثير، يمكن توظيفه من قبل منافسيه سواء للمحاسبة على ما سبق، أو للتحذير والتشكيك في قدرة نتنياهو على منع التهديدات المستقبلية.
من جانب آخر، يتجاوز الأمن ساحة الجدل الأمني والسياسي المباشر بحكم الحرب الممتدة متعددة الجبهات، والتي اعتبر نتنياهو في خطابه أمام الأمم المتحدة في 24 سبتمبر الجاري (2026) أنها تصل إلى 8 جبهات، مع إضافة ما أسماه جبهة "الحرب من أجل الحقيقة" للمشهد، والتي لا يمكن فصلها عن فيلم "نازا" أو "أضرار جانبية"، وما أثاره من جدل حول تأثيره على صورة إسرائيل العالمية. فهذه الجبهات التي تستمر في التوسع، وحالة الانقسام السياسي القائمة، والعنف الذي يمارس ضد الفلسطينيين بصور مختلفة، سواء في غزة أو الضفة، تعمق الشعور بقيمة الأمن وتؤسس بشكل واضح للعلاقة بينه وبين قضايا أكثر اتساعًا، من الاقتصاد والمستوى المعيشي، للهجرة العكسية وانعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية، للتجنيد وعلاقته بالمساواة والعدالة، للثقة في مؤسسات الدولة المختلفة، لصورة الدولة التي تتآكل في الخارج وتؤثر بدورها على الرأي العام العالمي وعلاقته بإسرائيل وما تمثله وتحصل عليه بحكم تلك المكانة.
بهذا، يصبح من الطبيعي أن يحتل الأمن مكانة متقدمة في العوامل المؤثرة على رأي الناخب، سواء أكان هذا بالمعنى المباشر، أو بما يرتبط به ويؤثر عليه ويتأثر به من عوامل أخرى.
وكما سبق الإشارة، حصل موقف الحزب من الأمن والسياسة الخارجية على نسبة تأييد وصلت إلى 39٪ في استطلاعات سبتمبر 2026، في حين تصل تلك النسبة لدى الناخب اليهودي إلى 68٪ ولدى الناخب العربي إلى 32٪، لتؤكد محورية عامل الأمن في عملية الانتخاب، مع تأثرها بعوامل أخرى لا تقلل من قيمتها بالضرورة، ولكنها تزيد من أهميتها لدى فئة في المجتمع مقارنة بغيرها.
ولكن من خلال طرح السؤال بشكل مختلف يركز بشكل مباشر على تأثير أحداث السابع من أكتوبر على قرار اختيار حزب معين في الانتخابات، فقد وصلت النسبة العامة في استطلاعات سبتمبر 2026، فقد أيد 32,5٪ أنه عامل شديد الأهمية، و29,5٪ أنه عامل مهم، مقابل 20,5٪ أنه عامل غير مهم في اختيار الحزب.
وترتفع نسبة تأييد أهمية أحداث السابع من أكتوبر في قرار اليهود، حيث أيد 36,5٪ أنه عامل شديد الأهمية، و31,5٪ أنه مهم، و16,6٪ غير مهم. ولكنه تراجع لدى العرب، حيث أيد 12٪ أنه عامل شديد الأهمية، و20٪ أنه مهم، في حين أيد 40,5٪ أنه غير مهم، ما يوضح اختلاف تقييم نفس العامل بالنسبة لما يمثله لدى الفئات المختلفة في المجتمع. وبشكل عام، أيد اليهود بصفة عامة أهمية أحداث السابع من أكتوبر في اتخاذ قرارهم الانتخابي.
وتبرز هنا أهمية قضية الثقة، وكيف يمكن أن تؤثر في فهم استطلاعات الرأي العام الخاصة بالانتخابات. ففي استطلاع لمعهد دراسات الأمن القومي في يونيو 2026، وصلت نسبة الثقة في الجيش إلى 73٪، وفي حين وصلت الثقة في الحكومة إلى 25٪، أكد 73٪ انخفاض ثقتهم فيها.
أما الثقة في رئيس الوزراء نتنياهو، فقد أيد 31٪ أن لديهم ثقة مرتفعة فيه، مقابل انخفاض تلك الثقة لدى 67٪.
ولا يمكن التقليل من تأثير هذا الفارق، وإسهامه، نظريًا، في وضع الثقة في شخصية عسكرية بدرجة أكبر من شخصية سياسية من الحكومة التي كانت موجودة عندما وقعت أحداث السابع من أكتوبر. ولكن، في حين قد يرجح عامل مماثل اختيار شخصية مثل أيزنكوت وتراجع أسهم نتنياهو، إلا أن القرار الانتخابي، وكما سبق الإشارة، يتأثر بعوامل متعددة، بما فيها قدرة المرشح على بناء سردية تستجيب لمخاوف ومتطلبات الناخب، ما يظهر واضحًا في استطلاعات الرأي العام غير الحاسمة فيما يتعلق بنتائج الانتخابات، واستمرار التغير، والتقارب بين الكتل دون حسم النتائج.
مصدر الصورة
الاقتصاد وتكلفة الحرب:
فتح طوفان الأقصى المجال لعالم مختلف، واجهت فيه إسرائيل مجموعة من المخاوف التي ظلت الأجهزة الأمنية تحذر منها، وخاصة فكرة الحرب الممتدة في مواجهة تآكل الردع الذي مثل محور الجدل خلال العام الأول من عمر حكومة نتنياهو السادسة.
ومع إطالة أمد الحرب، وتعدد جبهاتها، تعددت بدورها الانعكاسات السلبية على الاقتصاد والمجتمع.
وخلال الأشهر السابقة على ذكرى السابع من أكتوبر، والانتخابات أيضًا، تم التركيز على تكلفة الحرب وانعكاساتها طويلة الأجل، وخاصة في ظل هجرة الكفاءات، والاحتياجات الأمنية، وتحمل التكلفة.
وكما سبق الإشارة، أظهرت استطلاعات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أهمية الاقتصاد وغلاء المعيشة، حيث حصل على 19٪ في استطلاع ديسمبر 2025، في حين حصل في استطلاع سبتمبر 2026 على 38٪، ما يبرز استمرار وتزايد أهميته لدى الناخب الإسرائيلي.
وتتسق تلك الأهمية مع ارتفاع تكلفة الأمن بالمعنى المادي رغم عدم تحققه بالمعنى الفعلي بالضرورة.
وفي هذا السياق، أقر الكنيست في مارس الفائت موازنة عام 2026، والتي وصلت قيمتها إلى 699 مليار شيكل (222 مليار دولار)، في حين وصلت نسبة الإنفاق على الأمن إلى 20,4٪ من إجمالي الموازنة.
وشهدت الموازنة زيادة حصة الإنفاق على الدفاع لتصل إلى 143 مليار شيكل، بزيادة تقارب 120٪ مقارنة بعام 2023، أي قبل حرب غزة الخامسة (أكتوبر 2023)، على أن يتم تمويل تلك التكلفة عبر الاقتراض وتقليص الإنفاق المدني.
المجتمع العربي بين الجريمة والاقتصاد:
تسيطر الجريمة ومخاطرها على توجهات الناخب العربي بشكل واضح من الواقع إلى الاستطلاعات. وفي سبتمبر 2026 مثلت الجريمة العامل الأكثر أهمية لدى الناخب العربي بنسبة 53,5٪ لمن اختاره بوصفه العامل الأول أو الثاني من العوامل الأكثر أهمية، في حين جاء موقف الحزب من الاقتصاد وغلاء المعيشة في المرتبة الثانية بالنسبة لهم بنسبة 46٪.
كما يظهر نفس الوضع في استطلاع معهد سياسة الشعب اليهودي الصادر في فبراير 2026، ففي حين عبر 55٪ من المجتمع الإسرائيلي عن اعتقادهم بأن الدولة تهمل بشدة ملف معالجة الجريمة في المجتمع العربي، يرى 20٪ أن الحكومة تقوم بدورها بشكل مناسب، ويرى 16٪ أنها تهمل هذا الملف بشكل ما.
وعندما يتم النظر إلى هذا من خلال التقسيم إلى يهود وعرب، تصل نسبة اليهود الذين يرون أن الحكومة تهمل بشدة هذه القضية إلى 51٪، في حين تصل إلى 71٪ لدى العرب.
وهو ما اعتبره التقرير انعكاسًا لانخفاض الثقة في الدولة، سواء عبر هذا عن عدم استعداد الحكومة للتعامل مع الجريمة في المجتمع العربي أو عدم الرغبة في القيام بذلك، خاصة من وجهة نظر المجتمع العربي.
وانعكاسًا لهذه الرؤية، وصلت نسبة اختيار مكافحة الجريمة والعنف في فبراير 2026 إلى 48٪ لدى العرب، ما يبرز تأثير القضايا الأكثر إلحاحًا في الحياة اليومية قبل الانتخابات أحيانًا، وبغض النظر عن سياقها، في توجهات الناخب بحكم استمرارية تلك المشاكل وامتدادها من انتخابات إلى أخرى.
مصدر الصورة
الخلاصة:
في حين تتعدد العوامل التي تؤثر على قرار الناخب الإسرائيلي، يمثل الأمن والاقتصاد القضايا الأكثر حضورًا وأهمية، كما تزداد أهمية بعض القضايا لدى مجموعات الناخبين وفقًا للعديد من التقسيمات، مثل ارتفاع أهمية قضية مكافحة الجريمة لدى الناخب العربي، مقابل تزايد تأثير أحداث السابع من أكتوبر لدى الناخب اليهودي.
ومن شأن العوامل المختلفة، مثل الأمن والاقتصاد والموقف من الحكومة والقضاء وغيرها، وتغير مكانتها عبر الوقت وفقًا للأحداث، إبراز كيف تختلف استطلاعات الرأي العام، وحالة التقارب التي تشهدها الاستطلاعات المختلفة عبر الوقت بين الليكود برئاسة نتنياهو ويشار برئاسة أيزنكوت من جانب، أو بين كل من تيار نتنياهو وتيار المعارضة أو الإصلاح من جانب آخر.
رغم هذا، ومع إدراك تعدد العوامل المؤثرة، من شأن افتراض ثبات عوامل مثل الانتماء السياسي، وتحييد عوامل مثل الأيديولوجية، إعطاء دور أكبر للعوامل المتغيرة التي يمكن أن تؤثر في اللحظة الأخيرة على توجهات الناخب.
وفي هذا السياق، يمكن أن تتأثر النتائج بالتغير في السياق المحيط بالفترة الزمنية للانتخابات، وخاصة حال حدوث تصعيد أو مصادر أخرى للتهديد، أو ظهور المزيد من التسريبات حول السابع من أكتوبر وحجم المعلومات التي وصلت نتنياهو والحكومة قبلها، ما يؤدي إلى إحداث تأثيرات مهمة في النتائج النهائية.