بعد منع البرهان.. لماذا تصب الشروط الأمريكية في صالح الدعم السريع؟
بعد أكثر من 3 سنوات، ما تزال واشنطن تتعثر في استجابتها للحرب المروعة الدائرة في السودان، وربما تكون قد حشرت نفسها عن غير قصد، خلال الأسبوع الماضي، في مأزق دبلوماسي لا يتيح لها ولا للجيش السوداني أي خيار للخروج منه، مما يجعل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار أمرا أبعد منالا.
فمع تجمع قادة العالم في نيويورك لحضور الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، مارست واشنطن ضغوطا شديدة على قادة القوات المسلحة السودانية للتوقيع على اتفاق وقف إطلاق نار غير مشروط، من شأنه تجميد الصراع والسماح بوصول المساعدات الحيوية دون عوائق.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 النووي الجديد.. تحذيرات متزايدة من خطر الروبوتات على حياة البشر
* list 2 of 2 المسيّرات والصواريخ تفرض إيقاع الميدان في الحرب الروسية الأوكرانية end of list
في الماضي، كانت ميليشيا قوات الدعم السريع المتمردة -مستفيدة من الدعم الدبلوماسي والعلاقات العامة الواسع النطاق الذي توفره لها دولة إقليمية داعمة بصفتها المورد الرئيسي للأسلحة- تسارع إلى الموافقة على أي اتفاق يضعها على قدم المساواة مع الجيش الوطني الذي تسعى إلى الإطاحة به.
ركزت حملة الضغط التي تشنها واشنطن على القوات المسلحة السودانية بشكل شبه حصري، انطلاقا من اعتقاد خاطئ بأن الضغط الكافي سيجبر الجيش على الرضوخ، ويجعله يتخلى عن جهوده لتحرير ملايين المدنيين السودانيين المحاصرين تحت حكم قوات الدعم السريع
ولكن في ظل عدم وجود نية أو قدرة على تنفيذ شروط أي اتفاق لوقف إطلاق النار، فإن التزام قوات الدعم السريع بالسلام لا يساوي على الأرجح أكثر مما يمكن توقعه من جيش مرتزق ارتكب جرائم إبادة جماعية متعددة. ومع ذلك، يشير المسؤولون الأمريكيون مرارا وتكرارا إلى قوات الدعم السريع في الأوساط الدبلوماسية باعتبارها "الطرف الأكثر تعاونا".
وفي ضوء ذلك، منذ أوائل هذا العام، ركزت حملة الضغط التي تشنها واشنطن على القوات المسلحة السودانية بشكل شبه حصري، انطلاقا من اعتقاد خاطئ بأن الضغط الكافي سيجبر الجيش على الرضوخ، ويجعله يتخلى عن جهوده لتحرير ملايين المدنيين السودانيين المحاصرين تحت حكم قوات الدعم السريع.
لكن 27 عاما من العقوبات الأمريكية الشاملة على السودان، التي كانت أكثر قسوة واتساعا بكثير من أي عقوبات فرضتها إدارتا ترمب أو بايدن، كان ينبغي أن تعلم فريق ترمب أن العقوبات في السودان ليست أدوات يمكن أن تستخدم تكتيكيا، فهذا نظام قادر على الصمود أمام الضغط الأمريكي على المدى الطويل.
ومع ذلك، فقد أعقبت الجولة الجديدة من العقوبات الأمريكية التي فرضت في أبريل/نيسان من هذا العام على شبكات المشتريات العسكرية التابعة للقوات المسلحة السودانية فرض عقوبات متعلقة بالأسلحة الكيميائية في يوليو/تموز، على الرغم من عدم وجود أي محاولة موثوقة للتحقيق في وقائع استخدامها على الأرض.
وفي وقت لاحق، في أغسطس/آب، عززت الولايات المتحدة نهجها العقابي بتقديم مبادرة جديدة في الأمم المتحدة لفرض حظر شامل على توريد الأسلحة إلى البلاد، محدثة بذلك حظر الأسلحة المفروض على دارفور منذ الإبادة الجماعية الأولى في دارفور في أوائل العقد الأول من القرن الـ21، وهو الحظر الذي تجاهلته قوات الدعم السريع وداعموها الإقليميون بشكل شبه يومي منذ بدء الحرب.
وقد فسر التحرك الأخير لواشنطن على نطاق واسع على أنه محاولة غير متوازنة لاستهداف شبكات إمداد الجيش التي مكنت مؤخرا القوات المسلحة السودانية من تحقيق عدد من الانتصارات الحاسمة في ساحة المعركة وأحدثت تحولا في زخم الصراع.
ولكن في ظل عدم توفر الحد الأدنى من الأصوات حتى من نصف أعضاء مجلس الأمن لتوسيع نطاق الحظر، بالإضافة إلى احتمال استخدام روسيا حق النقض، وافقت الولايات المتحدة على تمديد فني لمدة شهر واحد للحظر الحالي، على أمل أن يؤدي شهر إضافي من الضغط إلى كسب مؤيدين لمبادرتها، لكن ذلك لن يحدث.
إن أعمال الابتزاز الدبلوماسي هي مناورات عالية المخاطر، وهي في هذه الحالة تعكس الإحراج العميق الذي تشعر به واشنطن والإحباط المتزايد لديها للتوصل إلى توقيع اتفاق، أكثر مما تعكس تعنت الجيش
وجاءت الخطوة الأخيرة في حملة "الضغط الأقصى" التي تشنها واشنطن هذا الأسبوع، عندما اختارت تشديد الخناق على الخرطوم بجعل حضور الجنرال البرهان في انعقاد الجمعية العامة مشروطا بتوقيعه على اتفاق وقف إطلاق النار البالي الذي طرحته واشنطن.
إن أعمال الابتزاز الدبلوماسي هي مناورات عالية المخاطر، وهي في هذه الحالة تعكس الإحراج العميق الذي تشعر به واشنطن والإحباط المتزايد لديها للتوصل إلى توقيع اتفاق، أكثر مما تعكس تعنت الجيش.
منذ أن طرحت واشنطن اقتراحها الخاص بوقف إطلاق النار لأول مرة في الأيام التي سبقت انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي، واجه هذا الاقتراح عقبات متكررة بسبب عدم رغبة الطرفين في التوقيع عليه.
لكن المقاتلين سيواصلون الحرب، لا سيما إذا كانوا يعتقدون أن الاتفاق الذي يفترض بهم التوقيع عليه لا يسمح إلا للطرف الآخر بإعادة تنظيم صفوفه وإعادة تسليحه.
وبالفعل، فإن اتفاق وقف إطلاق النار الذي يوقع في فراغ لا يقدم لأي من الطرفين لمحة عن مستقبلهما، من المرجح أن يرسخ التقسيم الفعلي الذي يقسم البلاد بالفعل.
ومن الواضح أن هذه النتيجة تفيد ميليشيا قوات الدعم السريع، التي تتوق إلى إضفاء الطابع الرسمي على سيطرتها على مساحات شاسعة من البلاد، أكثر مما تفيد الجيش السوداني، الذي يزعم أنه يقاتل من أجل إعادة توحيد البلاد.
إن الاعتقاد الذي تكرره واشنطن في كثير من الأحيان، بأن كلا الطرفين يواصلان القتال لأنهما يعتقدان أنهما قادران على تحقيق نصر عسكري كامل، هو تشخيص خاطئ لدوافع كل طرف، فهما يقاتلان لأنهما يعتقدان أنهما مضطران للفوز لضمان بقائهما.
ولم يؤد البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية على عجل، في خضم اجتماعات الأمم المتحدة الماراثونية هذا الأسبوع، سوى إلى تأجيج دافع القتال هذا، حيث جادل البيان بأن "لا القوات المسلحة السودانية، ولا قوات الدعم السريع، ولا قادتهما، يمثلون حكما شرعيا ودستوريا للسودان فهم يحكمون بقوة السلاح وحدها، وسلوك كل قائد من قادة الفصائل المتحاربة يجعلهم غير مؤهلين لحكم البلاد".
قد يكون هذا صحيحا على المدى الطويل، لكنه بالكاد يعد تكتيكا دبلوماسيا ذكيا يمكن اللجوء إليه في محاولة لإقناع أي من الطرفين بإلقاء أسلحتهما في المدى القريب.
بدلا من ذلك، يبدو أن الهدف من البيان هو تقديم تبرير بعد وقوع الحدث للحيلة الدبلوماسية الأحدث من واشنطن، والتي منعت الجنرال البرهان من إلقاء كلمة بلاده أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
تغيير المسار والتواصل مع أطراف النزاع ليس اليوم ضروريا للولايات المتحدة فقط من أجل الحفاظ على ماء الوجه والحفاظ على التحالف الدبلوماسي الذي تسعى لقيادته، بل إنه الشيء الوحيد الذي سينقذ الأرواح في السودان
دعونا نضع جانبا مسألة انتهاك القانون الدولي أو البروتوكول الدبلوماسي أو اتساق السياسات، التي أدت إلى حصول قادة من مجالس عسكرية في أنحاء أفريقيا -ناهيك عن وفد إيراني- على تأشيرات دخول إلى نيويورك.
يبدو خيار واشنطن أكثر من مجرد تكتيك قوي لتحقيق وقف إطلاق النار، لكنه يطرح السؤال عما إذا كانت تزيد من ضغوطها أكثر فأكثر إلى الحد الأقصى المتاح لها، من خلال محاولة إحداث تغيير فوري في النظام في البلاد.
بالنظر إلى الإجراءات المتعددة التي اتخذت هذا العام لمعاقبة الجيش السوداني وعزله ونزع الشرعية عنه، يصعب تجاهل هذا الرأي.
لكن هنا أيضا، فإن النهج الأمريكي الذي كان مدفوعا إلى حد كبير بالتكتيكات وليس بالإستراتيجية يخاطر بجعل إيجاد الحلول أكثر صعوبة.
وقد أدى تحرك واشنطن بالفعل إلى عزلها وسط التحالفات الغربية والعربية والأفريقية الواسعة التي تضغط ليس فقط من أجل اتفاق وقف إطلاق نار سريع، بل من أجل سلام أكثر شمولا ودائما يعيد السودان إلى وضع مستقر على الصعيدين الوطني والإقليمي.
وأعربت دول عديدة هذا الأسبوع عن خيبة أمل كبيرة إزاء إضاعة الولايات المتحدة فرصة دبلوماسية مهمة. لم يكن المقصود أن يعبر البرهان عن آرائه بشأن الحرب، بل أن يستمع القائد العسكري بصوت عال وجماعي إلى دعوات السلام الصادرة عن عشرات قادة العالم المجتمعين.
وكان التحذير الأكثر خطورة هو ذلك الذي أصدرته المملكة العربية السعودية بأنها ستعيد النظر في مشاركتها في مبادرة "الرباعية" التي تقودها الولايات المتحدة في المستقبل.
لم تحقق إدارة ترمب تقدما يذكر منذ أن أعلنت الصيف الماضي عن طموحها في إحلال السلام في السودان.
وبدلا من ذلك، يبدو أن الإدارة ترتكب العديد من الأخطاء نفسها التي ارتكبتها جهود صنع السلام الأمريكية السابقة، من خلال اعتقادها بأن الضغط الدبلوماسي وحده سيحدد نتائج ساحة المعركة ويساعد قضية السلام.
وقد أخذت واشنطن هذا النهج إلى أقصى حد هذا الأسبوع، لكن العزلة التي كان المقصود بها الجيش السوداني ارتدت على واشنطن.
إن تغيير المسار والتواصل مع أطراف النزاع ليس اليوم ضروريا للولايات المتحدة فقط من أجل الحفاظ على ماء الوجه والحفاظ على التحالف الدبلوماسي الذي تسعى لقيادته، بل إنه الشيء الوحيد الذي سينقذ الأرواح في السودان.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.