حتى وقت قريب، كانت مصر تعد نفسها لتصبح مقراً إقليمياً ودولياً لإسالة وتصدير الغاز الطبيعي ، خصوصاً بعد سلسلة من الاكتشافات الهامة . لكن الأمر تحول إلى شيء آخر تماما، فرغم أنها ما زالت الدولة الوحيدة في شرق المتوسط التي تملك طاقة تشغيلية لتصدير الغاز الطبيعي المسال، لكنها اضطرت في الوقت نفسه إلى زيادة واردات الغاز لتغطية الطلب المحلي.
وفي هذا السياق، تعددت الأسباب والتفسيرات، لكن العامل الحاسم فيها كان تراجع الإنتاج من الحقول، والمشكلات الفنية التي حدّت من إنتاج بعض الحقول، مقابل نمو الطلب المحلي، ولا سيما في قطاع الكهرباء خلال الصيف.
ورغم أن مصادر البيانات المفتوحة تشير إلى وجود أزمة حقيقية في حقل ظهر، أحد أكبر حقول الغاز الطبيعي في مصر ما أدى لتأثير كبير على حجم الإنتاج منه، لكن الحكومة تصر على أنها مجرد شائعات.
وتظهر البيانات تراجعًا لافتًا في إنتاج مصر من الغاز الطبيعي خلال الأعوام الثلاث الماضية، إذ فقدت أكثر من ثُلث إنتاجها من الغاز الطبيعي. وخلال الفترة بين سبتمبر 2025 وحتى مايو 2026 واصل الإنتاج تراجعه بأكثر من 6.8%.
لم يقف الأمر عند أزمة الإنتاج المحلي، وإنما أيضاً تراجع حجم الواردات من الغاز الطبيعي لأسباب عدة منها تفاقم أزمة الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران التي اندلعت في الربع الثاني من 2026، إذ أدى إغلاق حقل ليفياثان الإسرائيلي مؤقتًا لمدة 33 يومًا إلى انهيار واردات مصر من الغاز الإسرائيلي بأكثر من 80% خلال مارس/آذار وحده، ما اضطر القاهرة لمضاعفة اعتمادها على شحنات الغاز الطبيعي المسال المستورد بحرًا بنسب تجاوزت 160% في النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من 2025، وفق تقرير لوحدة أبحاث الطاقة بمنصة الطاقة.
أدى إغلاق حقل ليفياثان الإسرائيلي مؤقتًا لمدة 33 يومًا إلى انهيار واردات مصر من الغاز الإسرائيلي بأكثر من 80% صورة من: Marc Israel Sellem/AP Photo/picture-alliance
وفي المقابل، فإن الإنتاج في سبتمبر الجاري 2026 يدور حول 3.8 مليار قدم مكعبة يوميًا، بينما يصل الطلب الصيفي إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة يوميًا؛ أي فجوة تقارب 3.4 مليار قدم مكعبة يوميًا، وفق ما ذكر موقع العربية Business.
بلغت واردات مصر من الغاز، بما فيها الغاز الإسرائيلي وشحنات الغاز المسال، 985 مليار قدم مكعب بين يوليو 2025 ويونيو 2026، وتتوقع الوثائق الحكومية التي اطلعت عليها رويترز أن تصل الواردات إلى 1,081 مليار قدم مكعب بين يوليو 2026 ويونيو 2027. كما ارتفعت واردات الغاز المسال إلى مستوى قياسي قدره 8.92 مليون طن في 2025، وفق بيانات Kpler التي نقلتها منصة مييس .
لا تعني هذه الأرقام أن مصر فقدت بنيتها التصديرية. فمجمع إدكو يضم خطين بطاقة 3.6 مليون طن سنويًا لكل منهما، بينما تبلغ الطاقة الاسمية لمحطة دمياط 7.56 مليار متر مكعبة سنويًا وفق شركة إيني الإيطالية . وبحسب بيانات GIIGNL ، تبلغ الطاقة الاسمية الإجمالية للمرافق الثلاثة 586 مليار قدم مكعبة سنويًا.
ووفقاً للأرقام السابقة، فإن الحصيلة المالية لهذا التحول كانت باهظة، إذ يُتوقع أن ترتفع فاتورة استيراد الغاز وحدها بنسبة 26% لتبلغ نحو 10.7 مليارات دولار في السنة المالية 2026-2027، بينما قفز إجمالي فاتورة الطاقة (غاز وخام ومشتقات) إلى 13.44 مليار دولار في النصف الأول من 2026 مقارنة بـ9.69 مليارات في النصف الأول من 2025، وفقاً لتقرير أسوشيتد برس.
بلغت واردات مصر من الغاز، بما فيها الغاز الإسرائيلي وشحنات الغاز المسال، 985 مليار قدم مكعبة بين يوليو 2025 ويونيو 2026،في المقابل، تراهن الحكومة على موجة اكتشافات جديدة (نرجس، نور، دنيس غرب-1، بستان جنوب) وخطة لحفر 16 بئرًا استكشافيًا تستهدف موارد تقدَّر بنحو 6 تريليونات قدم مكعبة خلال العام المالي الجاري، إلى جانب مشروعات إقليمية لتحويل مصر إلى ممر لتصدير غاز قبرص إلى أوروبا بدءًا من 2028، وسط تنافس متزايد مع إسرائيل وقبرص على استثمارات الشركات الكبرى، بحسب ما ذكرت وزارة البترول المصرية.
يُستهلك الغاز الطبيعي في مصر بشكل أساسي في قطاع الكهرباء ، إذ يمثل الغاز نحو 80% من مزيج تشغيل محطات توليد الكهرباء وفق بيانات EIA لعام 2022، إضافة إلى القطاع الصناعي والاستخدام المنزلي؛ وقد ارتفع الاستهلاك تدريجيًا خلال العقد الماضي مدفوعًا بالنمو السكاني والتوسع الصناعي ودعم أسعار الطاقة، في وقت لم يعد فيه نمو الإنتاج قادرًا على مجاراته، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية(EIA) .
يُستهلك الغاز الطبيعي في مصر بشكل أساسي في قطاع الكهرباء ، إذ يمثل الغاز نحو 80% من مزيج تشغيل محطات توليد الكهرباء صورة من: Steven Heap/Zoonar/picture allianceتُظهر بيانات تقديرية معتمدة على قاعدة الإحصاءات الدولية لهيئة EIA (إدارة معلومات الطاقة الأمريكية) أن مصر سجّلت عجزًا يوميًا في ميزان الغاز قارب 1.16 مليار قدم مكعبة خلال عام 2024، محوّلةً البلاد إلى مستورد صافٍ بما يعادل نحو 473 مليار قدم مكعبة (نحو 13.4 مليار متر مكعب) في تلك السنة وحدها.
واستوردت مصر 985 مليار قدم مكعبة من الغاز عبر الأنابيب الإسرائيلية بالأساس، إضافة إلى شحنات الغاز المسال خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يونيو 2026، ومن المتوقع أن يقفز هذا الرقم إلى 1.081 تريليون قدم مكعبة خلال السنة المالية 2026-2027، أي بزيادة قدرها 9.7% تقريبًا، وهو ما يعكس اتساع الفجوة وليس انكماشها رغم موجة الاكتشافات الجديدة، وفقاً لما نقلته رويترز.
في 16 سبتمبر 2026، أعلنت إيجاس (الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية)، عن خطة لحفر 16 بئرًا استكشافية في السنة المالية الحالية، سبعًا بحرية وتسعًا برية، مع موارد محتملة تصل إلى 6 تريليونات قدم مكعبة.
كما أُعلن عن استهداف إضافة 250 مليون قدم مكعبة يوميًا من حقلي ظهر وغرب مينا قبل نهاية 2026، وإضافة نحو 80 مليون قدم مكعبة يوميًا من حقول مليحة في الصحراء الغربية.
وتشير CNN الاقتصادية ومنصة الطاقة إلى توقيع مصر خمس اتفاقيات بحث جديدة باستثمارات 240 مليون دولار لحفر 14 بئرًا، وإسناد أربعة قطاعات جديدة باستثمارات تقارب 200 مليون دولار لحفر تسع آبار، فضلًا عن عقد تنمية شمال أتول.
كما ذكرت وزارة البترول المصرية أنها حققت تسعة اكتشافات في الفترة السابقة، منها ثمانية للغاز، أضافت مخزونات تقدر بنحو 2.8 تريليون قدم مكعبة. وفي 20 سبتمبر 2026، قالت شركة شيفرون إنها تضع مصر ضمن مناطق تكثيف الاستكشاف، ضمن خطة عالمية لزيادة ميزانية الاستكشاف بأكثر من 50% مقارنة بعام 2025، وحفر 20 بئرًا استكشافية وخمس إلى ست آبار تقييمية خلال العام المقبل، بحسب ما نقل تقرير فايننشال تايمز .
ارتفع استهلاك الغاز تدريجيًا في مصر خلال العقد الماضي مدفوعًا بالنمو السكاني والتوسع الصناعي ما أدى لعجز في كميات الغاز المتوفرة ما تسبب في انقطاعات متكررة للتيار الكهربيصورة من: Ahmed Mosaad/NurPhoto/picture allianceعلى المستوى الإقليمي، جددت مصر واليونان وقبرص دعم نقل غاز قبرص إلى أوروبا عبر منشآت مصر. وبحسب يورونيوز ، يتضمن مشروع كرونوس أربع آبار بحرية وخطًا تحت البحر إلى مصر، ثم معالجة الغاز باستخدام منشآت مرتبطة بحقل ظهر وإسالته في دمياط، مع بدء إنتاج متوقع في 2028 وطاقة تعادل نحو 2.8 مليون طن الغاز الطبيعي المسال LNG سنويًا عند بلوغ المستوى المخطط.
ويرى خبراء في مجال النفط والغاز أن الخطر الأكبر الذي تواجهه مصر ليس عسكريًا فقط، بل هو خطر تركّز المنظومة في عدد محدود من نقاط الاستقبال والمعالجة والتصدير، ذلك أن أي تعطل في خط تغذية أو وحدة معالجة أو مرفق ساحلي يمكن أن يخفض المرونة المتاحة خاصة في مجال توليد الكهرباء.
أيضاً، تتداخل المخاطر الجيوسياسية مع خطوط الأنابيب، إذ أشارت منصة الطاقة إلى أن توقف حقل تمار لمدة شهر في أكتوبر 2023 خفض واردات إسرائيل إلى مصر، ورفع احتمال تكرار الاضطرابات إذا اتسع الصراع. كما نبهت إلى أن هجمات الحوثيين على السفن عطلت حركة الملاحة وأثرت في تدفقات LNG وإيرادات قناة السويس .
يخلص تحليل المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن منشآت إدكو ودمياط تمنح الغاز الإقليمي مرونة للوصول إلى أوروباصورة من: Zhao Dingzhe/Photoshot/picture allianceويرتبط شرق المتوسط أيضًا بنزاعات المناطق الاقتصادية الخالصة والتنافس بين تركيا واليونان وقبرص، وهي عوامل قد تؤخر الحفر أو مد خطوط الأنابيب أو تمويل المشروعات. ويخلص تحليل المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن منشآت إدكو ودمياط تمنح الغاز الإقليمي مرونة للوصول إلى أوروبا، لكن المنافسة السياسية والقيود التجارية والطلب الأوروبي المتغير تحد من تحويل هذه الإمكانات إلى صادرات مضمونة.
وتشير دراسة مركز بروغل المتخصص في السياسات الاقتصادية الدولية والأوروبية. إلى أن بنية إدكو ودمياط يمكن أن تشكل أساس سوق إقليمية للغاز، لأنها تسمح بتوجيه الغاز الطبيعي المسال LNG إلى أسواق مختلفة بدل ربط المورد بممر واحد.
لكن الدراسة نفسها أكدت أن الجدوى تتوقف على توافر فائض بعد تلبية الطلب المصري، وعلى الأسعار والتمويل والتحول الأوروبي بعيدًا عن الوقود الأحفوري. ويسلط المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية الضوء على أن أوروبا نظرت إلى غاز شرق المتوسط كوسيلة لتنويع الإمدادات وتقليل الاعتماد على روسيا، لكنه يلفت أيضًا إلى أن وفرة الغاز الطبيعي المسال غير الروسي والنزاعات البحرية تعقد الصورة.
لذلك فإن قيمة مصر لأوروبا تكمن في المرونة والبنية القائمة، وليس في ضمان حجم ثابت من الصادرات خلال سنوات العجز المحلي. وهنا يمثل غاز كرونوس القبرصي اختبارًا عمليًا لهذه المعادلة: استخدام البنية المصرية قد يخفض تكلفة إنشاء منشآت جديدة ويسرع الوصول إلى الأسواق، لكن بدء الإنتاج المتوقع في 2028، والحاجة أولًا إلى معالجة الغاز وربطه، يعنيان أن المشروع ربما لا ينجح في تخفيف العجز المتوقع في 2026/2027 مباشرة.
تحرير: ع.ج.م
المصدر:
DW