في الوقت الذي أعلنت فيه المندوبية السامية للتخطيط أن الاقتصاد المغربي وفّر 193 ألف منصب شغل خلال عام 2025، أظهرت بياناتها في المقابل ارتفاع معدل البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً إلى 37.2% مقابل 36.7% في عام 2024. وبين تحسن مؤشرات التشغيل واستمرار ارتفاع بطالة الشباب، يبرز سؤال جوهري: إلى أي مدى تصل ثمار الدينامية الاقتصادية والاستثمارات الكبرى إلى الأجيال الشابة؟
"نعم، يعرف المغرب حركية اقتصادية مهمة جداً، وأنا كشاب مقاول أرى أن الفرص هنا كثيرة ومتنوعة"، يقول عماد الزكراوي (34 عاماً)، صاحب شركة للتنظيف المنزلي. ويضيف: "أي شاب يأتي بفكرة ويعمل على تطويرها سيدرك أن المغرب يشهد حركية اقتصادية غير مسبوقة ".
الشاب عماد الزكراوي (يسار الصورة)، صاحب شركة للتنظيف المنزلي، يعرض منتجاته ومعداته أمام الوالي السابق لمنطقة مراكش-صفي، كريم كاسي لالو، خلال إحدى الفعاليات.صورة من: Imad Zekraouiويوضح الزكراوي أن المقاولة أصعب من الوظيفة، "لأن عدد ساعات العمل في الوظيفة محدود والراتب مضمون، عكس المقاولة". لكنه يرى أن العمل الشاق يتحول إلى راحة عندما يرى تطور مشروعه: "بدأت برأسمال قدره 1400 درهم لشراء معدات التنظيف، وأصبحت اليوم أتوفر على معدات تتجاوز قيمتها 400 ألف درهم، وأعيل خمس عائلات"، يتابع الشاب المغربي.
وعن مساهمة الدولة في نجاحه، يقول: "احتجت إلى الدعم لتوسيع خدماتنا، واستفدت من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي مكنتي من منحة اقتناء آلات للتنظيف". لكن رغم ذلك، يؤكد أن المقاولين الشباب ما زالوا يعانون من مشاكل "احتكار الصفقات العمومية والزبونية والمحسوبية".
أمّا علي كراكبي، صاحب مشروع لمحطات شحن السيارات الكهربائية، فيرى أن تعقد المساطر الإدارية وبطء الإجراءات البيروقراطية من أبرز العوائق التي تقف أمام توسع مشاريع الشباب.
لقد قرر كراكبي إنشاء مقاولته بحكم اهتمامه بالمجال البيئي، فانطلق من محطة واحدة، ليصل اليوم إلى أكثر من 50 محطة في مختلف مناطق المغرب ، بأربعة مناصب شغل. ويقول: "بدأت المشروع بتمويل خاص، ولم أطلب أصلا أي شيء من الدولة. أعلنت وزارة الصناعة عن مشروع لدعم الصناعة، ونحن حاليا نصنع أول محطة شحن سريعة مغربية، لكني لم ألمس شيئا". وفي المقابل، عقد مؤخرا شراكة مع ثلاث جماعات محلية لتوفير محطات شحن بالمجان، على أن تساهم الجماعات بالكهرباء مجانا.
ويفضل علي كراكبي، بحسب قوله، التركيز على إنقاذ مشروعه من الإفلاس، والبحث عن الزبائن والترويج لنشاطه، عوض إضاعة الوقت في التوجه إلى الإدارات لفهم آلية الاستفادة من هذه البرامج، ويقول: "لا زلت لا أفهم بالضبط ما هي هذه البرامج؟ لماذا هذه البرامج ولمن هي؟".
علي كراكبي، صاحب مشروع لشحن السيارات الكهربائية، أمام إحدى محطاته. بدأ علي مشروعه بتمويل خاص، دون الاعتماد على دعم الدولة، ونجح في إنشاء أكثر من 50 محطة في مختلف مناطق المغرب. صورة من: Ali Karakbi"إذا جاءتني فرصة للهجرة، سأغتنمها، لأنني أؤمن بأن إمكاناتي ستتيح لي تحقيق نتائج أفضل في بلد آخر. كثيرون استفادوا من تكوينات في الخارج سهلت لهم شق طريقهم"، تقول سهام الدويري (34 عاماً)، معبرة عن قناعتها بأن الهجرة قد تفتح أمامها آفاقاً أوسع لتحقيق طموحاتها المهنية.
ورغم هذه القناعة، اختارت سهام المراهنة على مشروعها الخاص، موضحة: "اشتغلت في القطاع الخاص، لكنني قررت التفرغ لمشروعي لصنع الحلويات المنزلية، من أجل البحث عن الزبائن والتسويق له".
سهام الدويري، رائدة الأعمال في صناعة الحلويات المنزلية، منكبة تمامًا على صب العجينة من وعاء معدني كبير في قوالب. ويظهر في الصورة تفانيها في عملها. صورة من: Siham Douiriتعيش سهام مع أسرتها، وهو ما تعتبره أحد أبرز التحديات التي تواجهها في هذه المرحلة، إذ تطمح إلى استئجار محل يمكنها من العمل في ظروف أكثر راحة وتنظيماً. وعن الصعوبات التي تعترض مسارها، تقول: "أشعر أحياناً أنني أدور في حلقة مفرغة، إذ أعيد استثمار أرباحي في المعدات والأدوات. ومشكلتنا نحن الشباب أننا كلما طرقنا باب مؤسسة عمومية بحثاً عن التوجيه والإرشاد، لا نجد المعلومات التي نحتاجها. لم أستفد من أي دعم، فكل ما حققته كان بتمويلي الخاص، لكنني أنوي التقدم للاستفادة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية".
أمّا مروان بوشكارة (34 عاماً)، فقد قضى ثلاث سنوات في إيطاليا قبل أن يعود إلى المغرب حاملاً معه فكرة مشروع متخصص في مجال الرخام البديل. ويرى أن الهجرة قد تشكل فرصة ثمينة لاكتساب الخبرات والمهارات، لكنه يؤمن بأن القيمة الحقيقية تكمن في توظيف ما تعلمه المهاجر في خدمة بلده بعد العودة.
وعقب عودته إلى المغرب، التحق مروان بشركة خاصة براتب شهري بلغ 3000 درهم بهدف اكتساب الخبرة العملية وفهم متطلبات السوق. وبعد فترة، أطلق مشروعه الخاص برأسمال لم يتجاوز 5000 درهم حصل عليه عبر قرض بنكي. كما استفاد من دعم حكومي بقيمة 10 آلاف درهم مكنه من اقتناء آلة أساسية لنشاطه، قبل أن يحقق دفعة معنوية ومهنية مهمة بفوزه بالجائزة الأولى في "هاكاثون" (مسابقة للابتكار التكنولوجي) نظمته مؤسسة ألمانية للاستثمار.
ويؤكد مروان أن "المغرب يوفر فرصاً واعدة للشباب، وإن كانت لا تخلو من تحديات..". لكنه يعتقد في الوقت ذاته أن جزءاً من المشكلة يرتبط بنقص المهارات والخبرات لدى بعض الشباب ، ما يجعلهم أقل قدرة على الاستفادة من الفرص المتاحة.
مروان بوشكارة، صاحب مشروع متخصص في الرخام البديل، داخل صالة عرض حديثة تعرض أثاثه المصنوع حسب الطلب وإبداعاته التصميمية. صورة من: Marouane Bouchkaraرسم ميثاق الاستثمار الجديد أهدافاً طموحة تتمثل في تعبئة 550 مليار درهم من الاستثمارات الخاصة وخلق 500 ألف منصب شغل بين عامي 2022 و2026. ومنذ دخوله حيز التنفيذ في مارس/آذار 2023، تم توقيع 391 اتفاقية استثمار بقيمة إجمالية بلغت 520 مليار درهم. غير أن هذه الأرقام تعكس حجم الالتزامات والاستثمارات المعلن عنها، ولا توضح بدقة ما تم تنفيذه فعلياً على أرض الواقع أو عدد الوظائف التي أُحدثت بالفعل نتيجة لهذه المشاريع.
وتُظهر معطيات اللجنة الوطنية للاستثمارات أن المشاريع التي تمت المصادقة عليها بلغت قيمتها 512.9 مليار درهم، مع توقع إحداث نحو 201.813 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة يُرتقب توفيرها.
وفي موازاة ذلك، سجل الاقتصاد المغربي خلال عام 2025 صافي توفير 193 ألف منصب شغل، منها 123 ألفا في الخدمات، و64 ألفا في البناء والأشغال العمومية، و46 ألفا في الصناعة، مقابل فقدان 41 ألف منصب في الفلاحة والغابة والصيد. ونتجت هذه الحصيلة عن ارتفاع الشغل المأجور بـ249 ألف منصب مقابل تراجع الشغل غير المأجور بـ55 ألفا.
لكن هذه المؤشرات الإيجابية لا تنعكس بالقدر نفسه على فئة الشباب. فمعدل البطالة بين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً ارتفع إلى 37.2%، فيما يوجد نحو 2.9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً خارج سوق العمل أو التعليم أو التكوين.
ومن هنا تبرز مفارقة لافتة: فبين الاستثمارات الضخمة المعلنة والوظائف المنتظر إحداثها من جهة، واستمرار ارتفاع البطالة بين الشباب من جهة أخرى، يظل السؤال مطروحاً حول مدى قدرة الدينامية الاقتصادية الحالية على تحويل النمو والاستثمار إلى فرص عمل كافية ومستدامة للأجيال الشابة.
يرى الخبير الاقتصادي رشيد أوراز أن جزءاً مهماً من الاستثمارات في المغرب يتجه نحو قطاعات صناعية ذات قيمة مضافة مرتفعة، مثل صناعة السيارات والطيران. ورغم الأهمية الاستراتيجية لهذه القطاعات ودورها في تعزيز النمو والصادرات، فإن قدرتها على خلق فرص العمل تبقى محدودة نسبياً مقارنة بقطاعات أكثر كثافة في التشغيل. وفي المقابل، يظل قطاع الخدمات من أبرز محركات التوظيف، رغم أنه لا يجذب دائماً الاستثمارات بالحجم نفسه.
ويشير أوراز إلى أن التحدي لا يتعلق فقط بعدد الوظائف التي يخلقها الاقتصاد ، بل أيضاً بمدى توافقها مع مؤهلات الباحثين عن العمل. ويقول: "في عام 2025 ارتفعت نسبة العاطلين الذين لم يسبق لهم الولوج إلى سوق الشغل من 49.3% إلى 52.9%، ما يدل على أن جزءاً كبيراً من المشكلة يكمن في صعوبة الحصول على أول فرصة عمل، وليس فقط في فقدان وظائف قائمة".
ويضيف أن هذه المعضلة تتجلى بشكل أكبر بين فئة الشباب، ولا سيما أولئك الذين لا يدرسون ولا يعملون ولا يتابعون أي تكوين مهني. فقد بلغ عدد المنتمين إلى هذه الفئة، المعروفة اختصاراً بـ"NEET"، نحو 2.9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً.
ويستشهد أوراز بتقرير للبنك الدولي حول النمو وفرص الشغل في المغرب، خلص إلى أن الاقتصاد المغربي كان يخلق، في المتوسط بين عامي 2000 و2024، نحو 215 ألف منصب شغل سنوياً أقل مما يتطلبه الحفاظ على استقرار معدل التشغيل. كما اتسعت هذه الفجوة خلال الفترة بين 2020 و2024 لتصل إلى متوسط عجز سنوي يناهز 370 ألف وظيفة، ما يعكس التحديات المستمرة التي تواجه سوق العمل رغم وتيرة الاستثمار والنمو الاقتصادي.
يرى الباحث في سلك الدكتوراه إدريس ماموني أن المغرب يشهد إطلاق أوراش ومشاريع إصلاحية مهمة لا ينبغي إنكارها أو التقليل من أثرها، لكنه يعتبر أن التحدي يكمن في تسريع وتيرة الإنجاز وتحسين فعالية التنفيذ. ويقول: "يجب ألا ننكر على الدولة كل محاولة إصلاحية. فهي تقوم بأوراش وإصلاحات ومشاريع، لكن الوتيرة يجب أن تكون أكبر وأسرع. وهذه مشكلة الفاعل السياسي، أقصد المنتخبين والأحزاب".
الخبير الاقتصادي إدريس ماموني، الباحث في سلك الدكتوراه والمدرس بالتعليم الثانوي، يسلط الضوء على الفجوة بين الوتيرة الزمنية للإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة والتطلعات الملحة للشباب الباحثين عن فرص عمل وتحسين أوضاعهم المعيشية.صورة من: Idriss Mamouniويؤكد ماموني أن التحدي لا يرتبط فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المعلنة، بل أيضاً بطبيعة المجالات التي تُوجَّه إليها. ويقول: "الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون كذلك في الوعي، فلكي نلمس شيئا إيجابيا في كل إصلاح، لا بد أن تمس جوهر الإنسان والمجتمع".
وبحسب الباحث، فإن إحدى أبرز الإشكاليات تكمن في الفجوة بين الزمن الذي تحتاجه الإصلاحات الكبرى حتى تؤتي ثمارها، والزمن الذي ينتظر فيه الشباب فرصاً ملموسة للعمل وتحسين أوضاعهم المعيشية. ويوضح: "أؤمن بأن السياسات الكبرى للدولة جيدة وسوف تعطي ثمارها في وقت من الأوقات" ويتابع ماموني: "لا شك أن الإصلاح يأخذ زمنا لا بأس به على أرض الواقع، لكن الأجيال التي تنتظر فرص الشغل اليوم لا طاقة لها على الصبر فهي أجيال تريد حقها في العيش الكريم هنا والآن، حتى يحس الجميع أن هناك أثرا لما يحدث وأن المستقبل سيحمل حتما غدا أفضل للجميع".
مراجعة: صلاح شرارة
المصدر:
DW