تتواصل في روسيا لليوم الثاني على التوالي انتخابات مجلس الدوما التاسع لاختيار 450 نائبا، من بينهم 225 من قوائم الأحزاب و225 من الدوائر الانتخابية ذات الولاية الواحدة.
وتأتي أول انتخابات برلمانية في روسيا منذ بدء الحرب مع أوكرانيا عام 2022 في خضم صراع واختلالات في الميزانية، وأزمة وقود، لتصبح التداعيات الاقتصادية للحرب عاملا رئيسا من شأنه تشكيل توجهات الناخبين الروس، وفق مراقبين.
فرغم أن الحكومة تمكنت -في السنوات الأولى من الصراع (2022-2024)- من التخفيف من الصدمة الاقتصادية وتحقيق نمو مؤقت في الناتج المحلي الإجمالي من خلال ضخ حكومي واسع النطاق وإنفاق قياسي على الدفاع، فإن الوضع تدهور بشكل ملحوظ بحلول منتصف عام 2026.
فقد أدى طول أمد العمليات العسكرية إلى استنزاف صندوق الرعاية الاجتماعية الوطني، وفرض زيادات في الضرائب و الرسوم الجمركية، مما حوّل العبء المالي إلى الطبقة المتوسطة والشركات الصغيرة.
وتفاقم الوضع أكثر من ذلك بسبب أزمة وقود شاملة وضغوط تضخمية ناجمة عن إضرابات مصافي النفط بسبب الهجمات الأوكرانية.
وبالنسبة لملايين المواطنين الذين لم تواكب دخولهم ارتفاع الأسعار، فقد عانوا انخفاضا ملموسا في مستويات المعيشة، وتتحدث مواقع روسية عن تأثير ذلك في الرأي العام، وتشير صراحة إلى تزايد حالة القلق وسط لا مبالاة ظاهرة.
ويُعد تأثير الوضع الاقتصادي في السلوك الانتخابي موضوع نقاش حاد بين الأكاديميين والخبراء الروس، يسلط الضوء على جوانب رئيسية عدة لكيفية تأثير الوضع المالي للمواطنين ومؤشرات الاقتصاد الكلي في توجهاتهم الانتخابية.
ويوضح -في تعليق للجزيرة نت- أن الممارسة والبحوث الانتخابية في السنوات الأخيرة أظهرت أن تدهور الوضع الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع نتائج الحزب الحاكم أو زيادة التصويت الاحتجاجي.
لكنه يشير إلى أن ذلك لا يعني أن الصعوبات الاقتصادية لا تؤثر في سلوك الناخبين الروس، بل يبرز تأثيرها في نسبة المشاركة في الانتخابات.
ويوضح أنه غالبا ما تؤدي المشكلات الاقتصادية إلى انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات أكثر من الاحتجاج الفعلي في مراكز الاقتراع.
إضافة إلى ذلك، يصاب بعض المواطنين -مع تراجع مستوى معيشتهم- بخيبة أمل من قدرة أي قوة سياسية على تغيير الوضع، مما يؤدي إلى زيادة التغيب عن الانتخابات.
ويتابع لاشون أن المشكلات المنزلية والمالية تحوّل انتباه الناس من السياسة إلى حل مشكلاتهم اليومية.
لكنه يؤكد أن انخفاض دخل الأسر، وإن كان يشكل مخاطر على الحزب الحاكم (روسيا الموحدة)، فإن الحزب يحتفظ بآليات فعالة للتعويض عن هذا الأثر السلبي.
ويتضح ذلك من كون بعض الناخبين في فترات الأزمات، وخاصة موظفي القطاع العام والمتقاعدين، وتقديرا لمسألة الاستقرار بشكل أكبر، قد يصوتون للحزب الحاكم خوفا من أن يؤدي التغيير إلى تفاقم أوضاعهم.
لكنه يشير إلى احتمال حصول مشكلات تتعلق بتطبيق التصويت الإلكتروني عن بُعد على نطاق واسع، مضيفا أن المخاوف من تزوير النتائج قد تدفع كثيرين إلى المشاركة في التصويت عبر الذهاب إلى مراكز الاقتراع، لأن النظام الإلكتروني تصعب مراقبته ومتابعته بشكل مستقل.
بدوره، يقول الخبير في علوم الاجتماع فلاديمير كوشل إن عوامل السياسة الخارجية والأجندة الوطنية في روسيا غالبا ما تطغى على الصعوبات الاقتصادية في أذهان الناخبين.
لكن في الظروف الحالية وفي خضم الانتخابات، تجذب أحزاب المعارضة -لا سيما الحزب الشيوعي الذي يتبنى بشكل نشط أجندة اجتماعية يسارية- أصوات الساخطين على ارتفاع الأسعار وانخفاض الدخول والمطالبين بدور أكبر للدولة في الاقتصاد، وفرض رقابة على الأسعار، وفقا للمتحدث نفسه.
ويتوقع كوشل أن يعزز الشيوعيون حضورهم في مجلس الدوما، ولكن بشكل طفيف، لأن الحزب في واقع الحال يدعم النهج العام للدولة في القضايا الرئيسية، كالحرب مع أوكرانيا والصراع مع الغرب.
إلى جانب ذلك، يعتقد أن أحزابا مثل "الشعب الجديد " يُرجَّح أن تستقطب شريحة من الطبقة الوسطى الساخطة على انخفاض الدخول، والتي تفضل المطالبة بالحرية الاقتصادية للأعمال على الشعارات اليسارية، وذلك أيضا على حساب تأييد الحزب الحاكم.
وبحسب قوله، فإنه لا يمكن في العموم وصف الحملة الانتخابية الحالية بأنها ديمقراطية كاملة، لأنها تجري في ظل رقابة صارمة على النظام السياسي واستبعاد بعض معارضي الحكومة، كما حصل بعد إلغاء المحكمة العليا تسجيل قائمة حزب "يابلوكو"، وهو ما قد تستفيد منه أحزاب غير برلمانية، كحزب المتقاعدين وحزب الخضر، وإن بشكل جزئي.
ويختم كوشل بأن الانتخابات هذه المرة بمنزلة استفتاء، ليس على دعم مسار السياسة الخارجية الحالي فحسب، بل على السياسات الاقتصادية وموقف المواطنين منها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة