“اتفاق الإطار طار”.. بثلاث كلمات عبر رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري عن موقفه من ترتيبات لم يمضِ على توقيعها 3 أشهر، وهي ترتيبات كان لبنان يعلق عليها آمالا لانسحاب إسرائيل من أراضيه، وحصر السلاح بيد الدولة.
لكن ذلك الاتفاق الذي أعلن بري نهايته لم يدفن رسميا، فواشنطن لا تزال تتعامل معه بوصفه إطارا قابلا للتنفيذ، فيما لم تعلن إسرائيل التخلي عنه، وإنما تتمسك بتفسير يربط انسحابها بنزع سلاح حزب الله في كل لبنان.
وفي مؤشر على استمرار عمل القنوات الدبلوماسية، عقدت السفيرة اللبنانية ونظيرها الإسرائيلي، الثلاثاء، محادثات في مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن.
ومع تباين المواقف، تُطرح تساؤلات تتجاوز مصير الاتفاق إلى ما يستطيعه لبنان إذا تعذر استكمال الترتيبات؟ وهل يعمل الوقت لصالحه، أم يحول وجودا عسكرياً يفترض أنه مؤقت إلى واقع طويل الأمد؟
في 26 يونيو 2026 وقع “اتفاق الإطار” في واشنطن برعاية أميركية، على قاعدة ترتيبات تبدأ من مناطق محددة قبل توسيعها تدريجياً.
وكانت بلدة زوطر الغربية أول نموذج للتنفيذ: تنسحب القوات الإسرائيلية، ثم يدخل الجيش اللبناني، ويفتش عن الأسلحة والمراكز والمخازن تمهيداً لنزع سلاح حزب الله المدعوم من إيران.
لكن ذلك لم يحدث فعليا على الأرض، كما لم يظهر الدور المفترض للجيش اللبناني كما كان متوقعاً بعد انسحاب إسرائيل من البلدة.
ثم انتقلت العقدة إلى مرتفعات علي الطاهر. وحاول لبنان تجنب دخول إسرائيل إليها عبر الطلب من حزب الله تسليمها إلى الجيش، إلا أن الحزب المدرج على قائمة الإرهاب الأميركية “رفض تسليمها”، قبل أن تسيطر عليها القوات الإسرائيلية وتفجر أنفاقها.
ومع هذه التطورات طرح المستشار في المخاطر الاستراتيجية والاستخبارات السياسية، خالد الحاج، سؤالاً حول إعلان بري انتهاء الاتفاق، وهل صدر بصفته رئيساً لمجلس النواب، أم باسم حليفه السياسي حزب الله.
ويشير إلى أن اتفاقا يتعلق بالمفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية يرتبط دستوريا برئيس الجمهورية.
ويذهب أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس، محي الدين الشحيمي، في الاتجاه نفسه، إذ يقرأ تصريح بري بوصفه موقفاً سياسياً كرئيس لحركة أمل وأحد قطبي الثنائية الشيعية، لا موقف صادراً عن رئاسة مجلس النواب.
ويقول في حديث لـ”الحرة” إن التصريح يعكس تراجع الرهان على “اتفاق الإطار” بوصفه مظلة دبلوماسية قادرة على وقف الخروق أو تأمين انسحاب إسرائيلي تدريجي.
لكن المسار، من الناحية العملية، لم يغلق بعد.
وقال مصدر رسمي لـ”الحرة” إن الجولة الثانية من المفاوضات، التي كانت مقررة الشهر الجاري، أُرجئت إلى أكتوبر، من دون تحديد موعد جديد حتى الآن.
لكن الوقت بين جولة تفاوضية وأخرى ليس محايدا بالنسبة إلى لبنان. وبعد العمليات في مرتفعات علي الطاهر، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أنها باتت جزءاً مما وصفه بـ”الخط الأصفر” و”المنطقة الأمنية الإسرائيلية في لبنان”.
وتحدث كاتس عن منطقة أمنية تمتد على مساحة نحو 700 كيلومتر مربع، من الساحل غرباً، مروراً بقلعة الشقيف، وصولاً إلى منطقة جبل الشيخ شرقاً، مؤكدا أن الجيش لن ينسحب أو يعيد انتشار قواته قبل نزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء لبنان.
بدوره، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن إسرائيل ستواصل تدمير البنى التحتية لحزب الله داخل هذه المنطقة.
وتشير هذه التصريحات إلى أن الحكومة الإسرائيلية لا تتعامل مع تواجد جيشها باعتباره انتشاراً مؤقتاً في نقاط محدودة فحسب، بل بوصفه واقعاً أمنياً تريد تثبيته حتى تحقيق شروطها.
ويقدر الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد سعيد القزح مساحة الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل بشكل فعلي بما بين 800 وألف كيلومتر مربع، أي نحو 9 إلى 10 في المئة من مساحة لبنان، دون احتساب مناطق أخرى تحت سيطرتها النارية.
من جهة أخرى تدخل الانتخابات الإسرائيلية في الحسابات.
ويرى الباحث في مركز بيغن–السادات بجامعة بار إيلان، مردخاي كيدار، أن تأثير الانتخابات على مسار التفاوض وقرار الانسحاب يبقى هامشياً، لأن المتطلبات الأمنية الإسرائيلية، بحسب قوله، ثابتة ولا تتغير باقتراب انتخابات أو من دونها.
وأضاف في حديث لـ”الحرة” أن قرارات البقاء أو الانسحاب تُتخذ بعد مشاورات بين الحكومة والجيش، إذ لا يمكن اتخاذ قرار سياسي يتعلق بانتشار القوات دون موافقة المؤسسة العسكرية.
ويستبعد كيدار أيضاً أن تقبل إسرائيل الانسحاب مقابل ضمانات دولية أو تعهدات بانتشار الجيش اللبناني، معتبرا أن التجربة الإسرائيلية مع الجيش اللبناني “فشلت”، وأنه لم يثبت قدرته على مصادرة سلاح حزب الله أو منعه من العودة إلى المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي.
لكن هذه القراءة لا تحظى بإجماع داخل إسرائيل، فهناك من يرى أن الفصل الكامل بين الأمن والسياسة غير ممكن عشية الانتخابات، خصوصاً مع الضغوط التي تمارسها بلدات الشمال للمطالبة بإبعاد حزب الله وتوفير ترتيبات أمنية طويلة الأمد.
وهكذا قد تخشى الحكومة أن يقدم خصومها أي انسحاب غير مشروط بوصفه تراجعاً عن الإنجازات العسكرية أو عودة إلى السياسات التي سبقت الحرب.
وفي المقابل، قد يشكل التوصل إلى اتفاق يتضمن انسحاباً إسرائيلياً مقابل ترتيبات أمنية أميركية ودولية إنجازاً يمكن لنتنياهو تسويقه انتخابياً.
وسبق لوسائل إعلام إسرائيلية أن طرحت احتمال أن يمنح اتفاق مع لبنان رئيس الحكومة “هدية انتخابية”، فيما تحدثت هيئة البث الإسرائيلية عن مبادرة أميركية لانسحاب جزئي في إطار تجربة تهدف إلى اختبار قدرة الدولة اللبنانية على تفكيك بنى حزب الله.
من جهة أخرى لا يترك سقوط “اتفاق الإطار” لبنان، من الناحية القانونية، بلا مرجعية.
ويعتبر الشحيمي القرار 1701 المرجعية القانونية الأساسية والأقوى المعترف بها دولياً في مجلس الأمن، إلى جانب اتفاقية الهدنة لعام 1949، بوصفها المرجعية القانونية التاريخية التي تحدد الحدود الدولية الرسمية للبنان، وتمنع تغييرها نتيجة أعمال عسكرية.
لكن المشكلة، وفقا له، ليست في النصوص، بل في القدرة على تطبيقها وفرض الالتزام بها على الأرض.
أما الخيارات المتبقية أمام بيروت، فتبدو ضيقة. وبحسب المصدر الرسمي اللبناني، قد يمثل الامتناع عن المفاوضات ورقة ضغط، لكنه “قد يريح الجانب الإسرائيلي أيضاً”.
وهو لذلك، يعتبر أن الورقة الأهم هي “الضغط على واشنطن، بوصفها الطرف القادر على دفع إسرائيل إلى الالتزام بالاتفاق، بالتوازي مع تنفيذ لبنان التزاماته”.
ويحذّر القزح من أن استمرار تعثر ملف السلاح سيفتح، الباب أمام مزيد من التوغل الإسرائيلي.
ويقول إن السيناريو الميداني في المدى المنظور قد يكون استكمال الاجتياح الإسرائيلي للوصول، على الأقل، إلى النبطية وإقليم التفاح ومناطق من البقاع الغربي.
وتعتبر إسرائيل أن إقليم التفاح ومحيطه يضم بنى عسكرية لحزب الله أكثر أهمية من تلك التي استهدفتها في تلال علي الطاهر.
وتصنّف الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل قانونياً “أراضي محتلة مؤقتاً نتيجة عدوان عسكري”، كما يقول الشيحمي، مشيرا إلى أن وجود قواتها عليها لا يمنح إسرائيل أي سيادة قانونية أو شرعية.
كما لا يبدل مرور الوقت الوضع القانوني، لأن التقادم لا يكسب شرعية في القانون الدولي.
لكن استمرار السيطرة الإسرائيلية يكرّس واقعاً أمنياً وعسكرياً شديد الصعوبة على الأرض.
كما إن ثبات الوضع القانوني لا يلغي ارتفاع كلفة الانتظار.
وسبق أن تحدث وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط عن 70 إلى 75 بلدة “اختفت” في جنوب لبنان، كما قدر الأضرار بنحو 11 مليار دولار، فيما تقارب كلفة النزوح 100 مليون دولار شهرياً.
المصدر:
الحرة